وكان قد تجرد مع الفقراء، وتفرد بأشياء لم يبلغها جماعة من الفقهاء، ثم أناب وعاد إلى طريقة أهل العلم، وتزيا بزي أهل الوقار والحلم.
ولم يزل على حاله إلى أن فقد حسه وذوقه، وأصبح والتراب فوقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في صفر سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
أخبرني العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال: تجرد المذكور مع الفقراء زماناً طويلاً، وكان في وقت فقيهاً في المدرسة الشريفية، فحضر درس قاضي القضاة ابن بنت الأعز، فأنشد بعض الناس قصيدةً مديحاً في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصرخ هو على عادة الناس، فأنكر القاضي ذلك وقال: أيش هذا؟ فقام وقال: هذا شيء ما تذوقه، وترك المدرسة والفقاهة بها.
وقال: كان يقرئ في كل شيء في أي كتاب كان، وانتفع به جماعة وقال: كان يفتي ويدرس ويقرئ الطلبة، وهو وأخوه الحسن والزبير، ثلاثة من أهل العلم والتعبد.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: هو المعروف بابن أبي شيخة، سمع من أبي عبد الله محمد بن عبد الخالق بن طرخان، ومحمد بن إبراهيم بن عبد الواحد المقدسي وأبي عبد الله محمد بن عبد القوي، ومن أبي الحسن علي بن أحمد الغرافي والحافظ شرف الدين الدمياطي. وحدث بالقاهرة، وأخذ الفقه عن أبي الفضل جعفر
التزمنتي وغيره واشتغل عليه الطلبة طائفةً بعد طائفة، وتولى الإعادة بالشريفية وغيرها. وأقام مدة بمدرسة الملك يلقي فيها الدروس، وتجرد مدةً مع الفقراء، وجرى على طريقهم في القول بالشاهد، وأقام بجامع عمرو بن العاص يستغل ويشتغل، وهو قوي النفس، حد الخلق، مقدام في الكلام، وهو من أهل بيت معروفين بالعلم والصلاح.
الحسين بن علي بن مصدق بن الحسن
شرف الدين أبو عبد الله الشيباني الواسطي الصوفي بخانقاه سعيد السعداء.
رأيته غير مرة، واجتمعت به عند الصاحب أمين الدين، فأنشدني رحمه الله تعالى جملة من شعره.
وكان شكلاً كاملاً طويلاً هائلاً، ذا ذقن فرشت على صدره، وكادت تسيل فتملأ سعة حجره، ينشد ويتفيهق، ويسيل دمعه فيترقرق، له أبهة في النفوس وجلاله، وعلى كلامه من الذوق أمارة ودلاله.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى ابن مصدق الحق اليقين، ولحق بمن تقدمه من المتقين.
وتوفي رحمه الله تعالى....
أنشدني من لفظه لنفسه:
وأحور أحوى فاتن الطّرف فاترٍ ... مسير بدور التمّ من دون سيره
إذا جئت أشكو طرفه قال خدّه: ... ومن لم يمت بالسّيف مات بغيره
فأنشدته أنا لنفسي في مليح نائم:
سباني خدٌّ من فتىً كان نائماً ... فقال عذولٌ شره دون خيره
أتهوى ولم تدر العيون فقلت: دع ... ومن لم يمت بالسيف مات بغيره
وأنشدته أيضاً لنفسي في مليح يقابل كتاباً:
قابلت كتباً مع حبيبٍ هاجرٍ ... فسرّ قلباً كاد أن يفنى وله
فقلت يا وارث قلبي في الهوى ... جمعت بين الجبر والمقابله
فأنشدني هو لنفسه:
قابلني المحبوب يوماً وغدا ... يمنحني جماله ونائله
قلت له يا سيّدي جبرتني ... فهل أرى من بعدها مواصله
فقال لي هذا الذي فعلته ... على سبيل الجبر والمقابله
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يا من هواه وحبّه ... غطّى على عيني وقلبي
عطفاً عليّ بنظرةٍ ... فإليك إيجابي وسلبي
الحسين بن علي بن عبد الكافي
ابن علي بن يوسف بن تمام: الإمام الفاضل الفقيه النحوي العروضي الناظم، أقضى
القضاة جمال الدين أبو الطيب ابن العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.
كان ذهنه ثاقبا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبا، حفظ التسهيل لابن مالك، وسلك من فهم غوامضه تلك المسالك، وحفظ التنبيه، وكان يستحضره وليس له فيه شريك ولا شبيه، وقرأ غير هذا.
وكان يعرف العروض جيداً، ويبيت لأركان قواعده مشيداً، وينظم الشعر بل الدرر، ويأتي في معانيه بالزهر والزهر، وكانت مكارمه طافحه، وأنامله غيوث سافحه، كثير التواضع في الملتقى، غزير المروءة لا يصل النجم معه فيها إلى مرتقى، عفيف اليد في أحكامه، لم يقبل رشوة أبداً، ولم يسمع بذلك في أيامه، يتصدى لقضاء أشغال الناس، ويعامل من أساء أو أجرم معاملة متغاض متناس، فأحبته القلوب، ومضى حميداً على هذا الأسلوب. إلى أن نغص شبابه، وتقطعت بمن يوده أسبابه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم السبت ثاني شهر رمضان سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وقلت أرثيه:
رزء الحسين عظيمٌ ... وهو العذاب الأليم
ومالنا فيه إلاّ ... صوب الدموع حميم
والصبر أولى ولكن ... صبر الفؤاد عديم
ففي العيون دموعٌ ... تنهلّ منها الغيوم
وفي الحشى زفراتٌ ... منها تشبّ الجحيم
والليل صار حداداً ... تقمّصته النجوم
وللسحائب خدٌّ ... من الرّعود لطيم
والجوّ ضاق خناقاً ... فما يهبّ نسيم
وما تنفّس صبحٌ ... بل راح وهو كظيم
حزناً لقاضٍ قضى ما ال ... ذمام منه ذميم
وكان قاضي عدلٍ ... صراطه مستقيم
يقضي بحقٍّ وصدقٍ ... عن الهوى لا يريم
ترى الثناء عليه ... قد طاب منه الشميم
يلقى الورى منه وجهٌ ... طلق المحيّا وسيم
وثغره في ابتسام ... به يسرّ الغريم
وخلقه مثل روضٍ ... والنبت منه غميم
وجهٌ حييٌّ وخلقٌ ... سهلٌ وصدرٌ سليم
أحبّه الناس حتّى ... مظلومهم والظّلوم
فلو يجور وحاشى ... قضى ارتضته الخصوم
إن الزمان أراه ... بمثله لعقيم
لو كان يفدى لجادت ... أرواحنا والجسوم
وإنّما الموت أمرٌ ... لم ينج منه عظيم
وذاك فينا وفي من ... قد فات داءٌ قديم
قاضي القضاة تصبّر ... فالخطب فيه جسيم
لكنّ مثلك راسٍ ... لمّا تخفّ الحلوم
قد كان درّة عقدٍ ... والسلك فيه نظيم
فما يضرّ سناه ... إن زاك منه قسيم
ودرّه في اتّساقٍ ... والكلّ درٌّ يتيم
إذا بقي أخواه ... فسوف تؤس الكلوم
فلا تبت في عذاب ... وقد حواه النّعيم
يصافح الحور منه ... في الخلد كفٌّ كريم
وأنت تعلم أنّ ال ... ذي دعاه رحيم
وما تقاك ضعيفٌ ... ولا نهاك سقيم
وكلّنا سوف نمضي ... وما عليها مقيم
وكنت أنا قد كتبت إليه:
عندي جمال الدين مسألةٌ غدا ... بيانها فيما لديك محرّرا
إذ أنت من بيتٍ جميع بنيه قد ... فازوا بما حازوا وقد سادوا الورى
إن جاودوا ألفيتهم صوب الحيا ... أو جادلوا أبصرتهم أُسد الشّرى
فاطلع بأُفق الفضل شمساً أشرقت ... لا ترض أنّك فيه بدرٌ أسفرا
وأعد جوابي عن سؤالي إنّه ... لك واضحٌ أن رحت فيه مفكّرا
فكّرت والقرآن فيه عجائبٌ ... بهرت لمن أمسى له متدبّرا
في هل أتى لم ذا أتانا شاكراً ... حتى إذا قال الكفور تغيّرا
فالشكر فاعله أتى في قلّةٍ ... والكفر فاعله أتى متكثّرا
فعلام ما جاءا بلفظٍ واحدٍ ... إن التوازن في البديع تقرّرا
لكنّها حكمٌ يراها كل ذي ... لبٍّ وما كانت حديثاً يفترى
فأمنه لا زلت الجواد بفضله ... لمن استعان به لإشكالٍ طرا
فكتب الجواب إلي عن ذلك:
قبّلت أسطر فاضلٍ بهر الورى ... ممّا لديه عجائبٌ لن تحصرا
قد نال في علم البلاغة رتبةً ... عنها غدا عبد الرّحيم مقصّرا
وأراد منّي حلّ مشكلة غدا ... تبيانها عندي كصبحٍ أسفرا
وجوابه أنّ الكفور ولو أتى ... بقليل كفرٍ كان ذاك تكثّرا
بخلاف من شكر الإله فإنّه ... بكثير شكر لا يكون مكثّرا
فإذاً مراعاة التوازن ههنا ... محظورةٌ لمن اهتدى وتفكّرا
فاصفح فعجزي عن جوابك ظاهرٌ ... كظهور ما بين الثّريّا والثّرى
وكتب هو رحمه الله تعالى إلي ملغزا:
يا أيّها البحر علماً والغمام ندىً ... ومن به أضحت الأيام مفتخره
أشكو إليك حبيباً قد كلفت به ... مورّد الخدّ سبحان الذي فطره
خمساه قد أصبحا في زيّ عارضه ... وفيه باسٌ شديدٌ قلّ من مهره
لا ريب فيه وفيه الرّيب أجمعه ... وفيه يبسٌ ولين البانة النّضره
وفيه كلّ الورى لمّا تصحّفه ... وضيعةٌ ببلاد الشام مشتهره
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في ريباس.
؟
الحسين بن علي بن أبي بكر بن محمد
الشيخ الإمام الفاضل بهاء الدين بن تاج الدين أبي الخير الموصلي الحنبلي، شيخ الحديث بالعساكرية، وأحد العدول بمركز المسمارية.
كان شيخاً طوالا، وفاضلاً لا يتمارى ولا يتمالا، ذكي الفطره، زكي العشره، جيد الذهن صافيه، وافي ظل الأدب ضافيه، ينظم جيدا، ولا يدع الكلام يخرج من فيه إلا مفيداً مقيدا. له قدرة على حل الألغاز ونظمها، وقوة على الإصابة في مرامي سهمها.
لم يزل على حاله في الارتزاق بالشهادة إلى أن مات على الشهادة، وأحسن الله إليه معاجه ومعاده، فسكنت شقاشقه، وأصابته من الحمام رواشقه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في رمضان سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة تسعين وست مئة.
قدم الشام قبل الثلاثين وسبع مئة، وأقام بدمشق إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وتوجه إلى الديار المصرية، وأقام بها دون الشهرين، وعاد، وكان بيده خطابة قرية دومة قريباً من سنة، ثم انفصل منها، وكان يكتب جيداً ويحب المؤاخذة والمناقضة، وقل من سلم منه من أهل عصره. وكتب بخطه كتابي فض الختام عن التورية والاستخدام وقرأه علي.
وكان يروي جامع الأصول عن رجل عن المصنف، كما قال رحمه الله تعالى.
وبيني وبينه مكاتبات ومحاورات ومراجعات ذكرت منها جانباً في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع.
وكان يحب نظم الضوابط، وكتب هو إلي ملغزا:
وما اسمٌ إذا فكرت فيه وجدته ... يحلّ بتصحيفٍ محلاًّ مستّرا
بديع فعالٍ ليس يدرك صنعها ... إذا فكّر الإنسان فيه تحيّرا
ويزري به معكوسه مطلقاً فإن ... أتى فيه تصحيف فلا تسأل القرى
فتصحيفه فيه دقيقٌ وبعضه ... قصيرٌ وبعضٌ قد علا وتجبّرا
وإن صحّف التصحيف من عين فعله ... فذلك محبوبٌ إلى سائر الورى
فقد جمع الضدّين نفعاً وضرّةً ... وجمعاً وتفريقاً وحلواً ممرّرا