وقد جاء في التنزيل آيٌ بذكره ... وذلك أمرٌ ظاهرٌ للّذي قرا
وجملته في الليل يمكن حصرها ... وإن سيم عدّا في النهار تعذّرا
فكتبت أنا الجواب عنه، وهو في نحل:
قريضك فينا قد غدا شامخ الذّرى ... نرى طرسه عند البيان مزهّرا
تغوص على المعنى الخفيّ بقدرةٍ ... تريك دجى الإشكال في الحال نيّرا
أحاشيك من عكس الذي قد أردته ... وألغزته يا فاضلاً بهر الورى
وحاشاك من تصحيفه فهو خلّةٌ ... غدا بغضها في الناس شيئاً تقرّرا
فلا زلت تهدي للأنام بدائعاً ... من النظم ما انهلّ الغمام على الثرى
وكتب هو إلي أيضاً ملغزاً:
وصاحبٌ مستحسنٌ فعله ... ليس له ثقلٌ على صاحب
فتىً ولكن سنّه ربّما ... زادت على السبعين في الغالب
قلت وقد قالوا أبن ما اسمه ... ليعلم الشاهد للغائب
ظننتم تصحيف معكوسه ... يخفى وليس الظّنّ بالكاذب
فكتبت أنا الجواب إليه وهو في مشط:
أفدي بهاء الدين من فاضلٍ ... في النّظم لم يخرج عن الواجب
ألغز في شيء غدا حمله ... على رؤوس الناس في الغالب
تراه لا تضحك أسنانه ... يا حسنه من أصفرٍ شاحب
كم غاص في ليل شبابٍ وكم ... قد لاح في صبح من الشايب
وكتب هو إلي ملغزاً:
وصاحب مكرّمٍ ... ينعته من وصفه
يجود بالنّفع على ... من دهره ما عرفه
وليس يكسى حلّةً ... إلاّ بها قد أتحفه
ولا يزال عارياً ... وبرده قد أنجفه
وعكسه مصحّفاً ... تقبيل ثغرٍ بشفه
فكتبت أنا الجواب، وهو في ميل:
هذا بهاء الدين لا ... يزال يبدي طرفه
ألغز في شيءٍ حكى ... من كلّ قدٍّ هيفه
وفيه من ذاك الذي ... حوشيته بعض الصّفه
بطول شبرٍ رأسه ... أملس رابي الهدفه
إن غاص في شقّ فما ... يبلّ إلا طرفه
وكتب إلي كثيراً من الألغاز والأحاجي وغير ذلك، وأثبت بعض ذلك في ألحان السواجع.
الحسين بن علي بن حمد الغزي
عز الدين أخو الحسن بن علي الغزي، تقدم تمام نسبه في ترجمة أخيه.
كان يعمل بيده عدة صنائع، ويتقن أشياء عرفه فيها ضائع، ومعروفه ضائع. وكان يلعب بالعود ويتقن نجارته، ويأتي فيه بأشياء إلا أنه لم تربح فيه تجارته، فإنه كان عثيرا، ولا يزال إلى معروف الناس فقيرا.
وكان ينظم نظماً مقاربا، ويكتب خطا ما وصل طبقة أخيه ولا ربا، وكتب في الدرج بعد وفاة أخيه وأقام مدة إلا أنه لم تشد في ذلك أواخيه:
إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
ولم يزل على حاله إلى أن توجه إلى مصر، فطعن بها وتردى برداء تربها.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الاثنين ثامن شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة.
كان هذا عز الدين أصغر من أخيه بدر الدين، كان يعمل بيده عدة صنائع ويعاني التصوير، ويصنع ذلك، ولم يكن في ذلك مجيداً، كما جود نجارة العود، فإنه نجز للأمير سيف الدين طقطاي الدوادار عوداً كان عجباً من العجائب، وكان يلعب بالعود، ووقفني مرة على مصنف، وضعه في الموسيقى.
وكان قد دخل بعد وفاة أخيه بدر الدين إلى ديوان الإنشاء بدمشق وأقام به في قلة محصول من معلومه وتأخره، إلى أن قطع الناس في أيام الوزير فخر الدين بن قروينه، وكان في جملة من قطع، ثم إنه يستكتب في الديوان على كتب القصص بغير معلوم.
وفي أيام القاضي جمال الدين بن الأثير منع من ذلك، فساءت حاله وتوجه في صحبة شمس الدين بن أبي السفاح إلى مصر، فطعن في يوم والثاني. وتوفي رحمه الله تعالى، وكان يكتب مقارباً وينظم كذلك.
؟
الحسين بن عمر
ابن محمد بن صبرة، مؤنث صبر: الأمير عز الدين.
كان من الأمراء بدمشق، وتولى بها الحجوبية، وهو من بيت له في السيادة سمو، ومن أصل له في الرياسة نمو، ومن قبيل لهم في المكارم رواح وغدو.
وعمر إلى أن بلغ الثمانين، ووقف جواد عمره الركض في تلك الميادين، نقل في آخر عمره إلى طرابلس على إقطاع ضعيف، وخبز ما يشبع من أكله وحده من غير مضيف.
ولم يزل بها إلى أن فقد الصبر ابن صبره، ونزل بعد بلوغ الثريا قبره.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب الفرد سنة خمس عشرة وسبع مئة.
وكان أولاً بدمشق حاجباً مدة، وولي الصفقة القبلية عوضاً عن الرستمي في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة إلى أن نقل آخر عمره إلى طرابلس على إقطاع ضعيف، فكثر الدين عليه وساءت حاله وقل ماله، وكانت نقلته إلى طرابلس في جمادى الأولى سنة أربع عشرة وسبع مئة.
أنشدني لنفسه إجازة العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود ما كتبه إلى الأمير عز الدين بن صبره لما كان بطرابلس:
سلوا عنّي الصّبا فلها بحالي ... وحمل رسائل العشّاق خبره
لتخبركم بأنّي حيث كنتم ... حليف صبابة بكم وعبره
وإني في البعاد وفي التداني ... وحيث حللت عبدٌ لابن صبره
أميرٌ هام بالإحسان وجداً ... به فكأنه من حيّ عذره
تواضع كالنجوم دنت سناءً ... لنا وعلت فأعلى الله قدره
من القوم الأولى كرموا حدوداً ... وآباءً وأعماماً وأُسره
فللدنيا بهم شرفٌ وفخرٌ ... وللإسلام تأييدٌ ونصره
إذا ضنّ الحيا خلفت نداه ... أكفّهم فعاد العسر يسره
أتيت دمشق إذ جازت إليها ... كتائب من أعزّ الله نصره
وكان مجرّداً وفقدت حظّي ... برؤيته وعدت بألف حسره
أعزّ الدّين دعوى ذي دعاءٍ ... يواليه لكم سرّاً وجهره
تذكّر عصر أُنسٍ في حماكم ... أتى وقضى فحيّى الله عصره
وسطّرها وماء الدمع منكم ... إذا ما خطّ سطراً بلّ سطره
هجرت دمشق فالورقاء تبكي ... أسىً وعلت على الأوراق صفرة
وجئت الثغر تكلؤه وتحمي ... سواحله سطاً وتصدّ بحره
فخار لك المهيمن في رباط ... أقمت بساحتيه فحزت أجره
فلا زالت جيادك حيث سارت ... تسايرها السعادة والمسرّه
فحيث حللت كنت رفيع قدرٍ ... لراجيه على الإحسان قدره
الحسين بن محمّد
ابن الحسين محمد بن الحسين بن زين الحسين بن مظفر بن علي بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله العوكلاني، بالعين المهملة المفتوحة والواو الساكنة، وبعدها كاف مفتوحة ولام ألف، ونون وياء النسبة: ابن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
القاضي الكاتب الناظم الناثر شهاب الدين أبو عبد الله الحسيني المعروف بابن قاضي العسكر، موقع الدست الشريف بالقاهرة.
إن نظم قلت: البحر يلتطم، وإن نثر قلت: السيل يحتد ويحتدم كأنه يترسل، ومترسل يتوصل بالبلاغة ويتوسل، بديهته تسبق قلمه، ورويته تلحق بالدر كلمه، ذو نفس ممتد، وفكر محتد، وإنشاء معناه مبيض في خلال السطر المسود. كم أنشأ من تقليد، وكتب من توقيع نسخ بين دفتي التجليد، وقضي لذكره بالتخليد، وراسل إخوانه بكتاب ألقى إليه البيان بالإقليد، وولد معانيه الغامضة فتضرج خد البلاغة من توريد ذلك التوليد، وكان قد أنشأ شيئاً كثيراً، وخلد منه ما لا يعرف له نظيراً، وباشر كتابة السر في حلب، ولم تطل المدة حتى انقلب، فرجع إلى وطنه باختياره، وفرحت مصر بازدياده.
ولم يزل على حاله على وظيفته إلى أن تلاشى كيانه، وأودى بيانه، وسكتت الشقائق، وقرطست تلك الأسهم الرواشق.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشر شعبان يوم الاثنين سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
وسألته عن مولده فذكر أنه في سنة ثمان وتسعين وست مئة بالقاهرة في سويقة الصاحب.
اجتمعت به ورافقته في ديوان الإنشاء بقلعة الجبل، وبدمشق لما قدم متوجهاً لكتابة سر حلب، وأنشدني كثيراً من نظمه إلى الغاية، وأسمعني من إنشائه ما يزيد على الوصف، ورأيته يكتب وهو ينشي ما يكتبه، وينشدني من شعره غير ما يكتبه،
وكان مطيقاً على فني النظم والنثر، له قدرة تامة. كتب بديوان الإنشاء من التقاليد والتواقيع شيئاً كثيراً إلى الغاية. وأجاز لي، على ما ذكره من لفظه، الشيخ شرف الدين الدمياطي وقاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد والأبرقوهي. قال: وحفظت التنبيه وبحثته، واشتغل على الشيخ علاء الدين القونوي، ورسم له بالتوقيع بين يدي السلطان الملك الكامل شعبان في سنة ست وأربعين وسبع مئة عوضاً عن القاضي زين الدين محمد بن الخضر لما خرج لكتابة سر الشام، وكان بيده خطابة وتدريس فيما أظن.
وكتبت إليه من رحبة مالك بن طوق:
ما لقلبي عن حبّكم قطّ سلوه ... كلّ حالٍ منكم لدى الصبّ حلوه
إن بخلتم حاشاكم بوفاءٍ ... أو ثنتكم بعد التّعطّف قسوه
فلكم قد قضى وما نقض العه ... د محبٌّ ولي بذلك أُسوه
يا ابن بنت النّبي قل لي وقولي ... يا بن بنت النبي أفضل دعوه
هل بدا في الوفاء منّي نقضٌ ... أو جرى في الحفاظ منّي هفوه
فعلام الإعراض والصّدّ عمّن ... لم يجد في سوى معاليك صبوه
كيف أنسى ساعات وصل تقضّت ... وبعطفي منها بقيّة نشوه
ما خلت خلوة ولم ألق فيها ... من عذارى حديثك العذب جلوه
حيث لي من حديثك النظم والنث ... ر متى ما أردت كاسات قهوه
ومعانٍ كالحور زفّ حلاها ... منطقٌ تشخص الأفاضل نحوه
كان في مصر لي بقربك أنسٌ ... عن أُناسٍ لهم عن الخير نبوه
وأرى رقّة الحواشي التي عن ... دك تغنى عمّن غدا فيه جفوه
وإذا ما أتيت ألفيت صدراً ... منك لي في حماه حظٌّ وحظوه
واقتعدت الفخار بين البرايا ... وتسنّمت في السّيادة ذروه
وأرى أن لي إذا زرت أرضاً ... أنت فيها التشريف في كلّ خطوه
كيف لا والولاء في قومك الغرّ ... أراه في الدين أوثق عروه
منيتي أن أرى حماك بعيني ... لا أراك الحمى ولا دار علوه
آه لو تنصف الليالي إذ ما ... حكمت بالبعاد من غير عنوه
أو لوانّ الفراق يقبل مني ... في اقتراب الدّيار من مصر رشوه
يا زماناً بمصر ولّى حميداً ... هل يجيب الإله لي فيك دعوه
فكتب إلي الجواب عنها تسعةً وستين بيتاً:
أنسيم الصّبا على الروض غدوه ... سحبت ذيلها على كلّ ربوه
وسرى لطفها إلى الدّوح فارتا ... ح فكم رنّحت معاطف سروه
أم سقيط النّدى على الورد كاليا ... قوت إذ يجعل اللآلئ حشوه
أم تثنّي الغصون في حلل الزّه ... ر سقاها السحاب كاسات قهوه
أم مسيل المياه بين رياضٍ ... بنضار الأصيل أمست تموّه
أم غناء الحمام غرّد في البا ... ن وأضحى به يرجّع شدوه
أم نجوم السماء زهرٌ أم البد ... ر منيرٌ أم مشرق الشمس ضحوه
أم وصال الحبيب بعد صدودٍ ... فأتى ذا لذا فأسرع محوه
أم حديث العذيب يعذب في ك ... ل لهاةٍ لمن تذكر لهوه
أم كتابٌ قد جاءني من خليلٍ ... بارع فالخليل لم ينج نحوه
رحب باعٍ لرحبة الشام وافى ... ذو وفاء وعفّة وفتوّه