تمرّ أوقاته في حفظ سؤدده ... فما رأيت له وقتاً يضيع سدى
يقري الورى جفنات ثم يقرئهم ... مجلداتٍ لمن وافى ومن وفدا
وحين جاور من جور الزمان وقد ... أنضى إلى مكة العيرانة الأُجدا
وكان خير فتى أدّى فرائضه ... في عصره وتردّى الصّبر والجلدا
وكل يوم يزيد البّر في عمل ... منه على أمسه حتى يسرّ غدا
مضى إلى الله محفوفاً برحمته ... حتى يلاقي غدا في الحشر ما وعدا
أكاد من حسن ظني في طريقته ... أني أشاهده في جملة الشهدا
يا بن العلائيّ إني قد قضيتك من ... حق الرثاء الذي أبصرته رشدا
فاذكر أخاك إذا حيّتك نافحةٌ ... من روح ربك أو بلّت لديك صدى
فأنت ضيف عظيم الجود وهو إذا ... ما جاد لم ينس من معروفه أحدا
وقم إلى الله يوم الحشر في دعةٍ ... فأنت عندي معدودٌ من السّعدا
خليل بن أيتمش
الأمير صلاح الدين بن الأمير أيتمش المحمدي، والده تقدم ذكره في مكانه من حرف الهمزة.
وكان هذا صلاح الدين له صورة سبحان من أبدعها، ولو شاء لذهب بالشمس وأطلعها، بديع الجمال، وافر الحسن، يشهد له البدر بالكمال قد تأنى الحسن فيه وتألق، وتملأ القمر بنظره لما رآه فتملق، بقد من أين للغصن تخطره، ونشر من أين لزهر الروض في السحر تعطره، ووجه حلا نظره، وتمنى الأفق لو أنه شمسه أو قمره، وعيون من نفاثات السحر في عقد القلوب، وجفون كم وقع أسد منها في أقلوب، وفم
تبسم مرجان شفته عن لآلئ منظومه، ووجنات كأنها بأزاهر الحدائق مرقومه، وشعر يخط في الأرض إذا خطا، ويحسده الغزال إذا عطا، زان بجماله المواكب، وزاحمته الكواكب على حسنه بالمناكب.
فلو قدر البدر كان الذي ... تطلّع ما بين أطواقه
وما أطمع الظبي إن رام أن ... يحاكيه يوماً بأحداقه
بينا هو في أمر صعوده، ومنازل سعوده، إذ أنزله الحمام من حصنه، وبكى الحمام على غصنه وتجرع أبوه كأس فقده المر، وود لو كان بدله في تلك الحفر، فتأسف الناس على شبابه، وبلوا بوبل دموعهم ما جف من ترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ليلة الأربعاء تاسع شهر رمضان، سنة سبع وعشرين وسبع مئة.
وكان ممن يحبه ويهواه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، ولكنه كان يحب من غير إتيان محرم أو معصية غير النظر.
اللقب والنسب
ابن الخليلي الصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز، وولده شرف الدين عبد الرحمن.
خوبي
بضم الخاء المعجمة، وسكون الواو، وبعدها باء موحدة وياء آخر الحروف.
كانت جارية الأمير سيفا الدين بكتمر الساقي، اشتراها بعشرة آلاف دينار
مصرية، كانت مغنية عواده، بادية الحسن والطرب عواده، لم يكن دخل مصر لها نظير، ولا غنى الحمام على مثل قدها النضير، اشتراها وهام في هواها، وسكنها في داره على بركة الفيل التي ما اقتنى أحد مثلها ولا حواها، إذا جست أوتارها أخذت من القلوب أوتارها، وجرى من لطف أناملها الماء في العود، وقيل: هذا البدر في السعود. فإذا غنت أغنت عن الأطيار، وإذا عنت عنت قلوب البررة الأخيار.
ثم إنها نقلت بعده إلى ملك بشتاك، وزن فيها ستة آلاف دينار، ودخل معها قماش وحلي، وغير ذلك بعشرة آلاف دينار، ثم إنه وهبها لمملوكه ألطنبغا فيمن أظن، وهنا آخر علمي بأمرها.
ولما اشتراها بكتمر الساقي بلغ أمرها امرأته أم أمير أحمد، فقالت له: أريد أنزل إلى دارك التي على البركة لأتفرج هناك، فعلم المقصود، فنزل إلى خوبي وقال لها: الست إذا جاءت إلى هنا اجلسي على يديها والعود في حجرك، واضربي قدامها، وغني لها نوبة مطربة، فلما نزلت ودخلت الدار أول ما توجهت إلى الشباك المطل على البركة، واشتغلت ساعة، ثم التفتت بعد ذلك إلى جهة جواريها، فرأت جارية تركية بيضاء، وجميع ما عليها أبيض مصقول من غير زركش ولا حلي ولا مصاغ فأنكرت ذلك، وقالت: من هي هذه؟ فباست الأرض وقعدت، ووضعت العود في حجرها، وقالت: دستور، وغنت نوبة كاملة مطربة، فقالت الست: من هي هذه؟ فقالوا: هذه جارية الأمير. فقالت: هذه خوشداشتي، ثم أخذت بيدها، وأجلستها إلى جانبها وأحضرت لها بدلة كاملة بطرز زركش وباولي وزركش، وحلياً ومصاغاً مما هو يجمله، وقالت لمن يثق إليها: والله لما قالوا اشترى الأمير جارية بعشرة آلاف دينار وسكنها في داره على البركة، ظننت أنها تكون مثلي في الحشم والخدم والجواري والملبوس. ثم إنها طلعت بعد ذلك إلى القلعة ولم تنكر من أمرها شيئاً، واطمأنت نفسها إلى ذلك.
قلت: ضعيفان يغلبان قوياً، لأن بكتمر الساقي رحمه الله تعالى تداهى فيما قاله لخوبي، وزادت هي في الدهاء عليه، فما حصل لهما بذلك إلا خير.
ولما توفي بكتمر الساقي رحمه الله تعالى في طريق الحجاز قال السلطان: والكم أول ما تصلون القاهرة احترزوا على عود خوبي، فإنها أول ما تسمع خبر بكتمر تكسر عودها. وكان الأمر كما قال، فقيل: إنها أول ما بلغها ذلك قبل وصول السلطان كسرت عودها. وغضب السلطان عليها، وأباعها لبشتاك بستة آلاف دينار، ولكنها لم تقع من قلب بشتاك بموقع.
اللقب والنسب
ابن خواجا إمام محمد بن عمر ابن أبي الخوف أحمد بن محمد ابن الخيمي مجد الدين إبراهيم بن علي ابن الخلاطي الكاتب محمد بن نجيب
حرف الدال
الألقاب والأنساب
الداراني القاضي صدر الدين
سليمان بن هلال.
دانيال بن منكلي بن صرفا
القاضي ضياء الدين أبو الفضل التركماني، القاضي بالشوبك.
سمع بالكرك من ابن اللتي. وقرأ القراءات على السخاوي بدمشق، وسمع من كريمة، ومن جماعة. وسمع ببغداد من ابن الخازن وعبد الله بن عمر بن النخال، وهبة الله بن الدوامي وإبراهيم بن الخير. وبحلب من ابن خليل. وبمصر من يوسف الساوي وابن الجميزي.
وولي قضاء الشوبك مدة. وولي القضاء بأماكن. وخرج له علاء الدين علي بن بلبان مشيخةً قرأها عليه شرف الدين الفزاري. وخرج له ابن جعوان أربعين حديثاً.
وسمع منه المزي والبرزالي.
وكان شيخاً متميزا، سكن من الوقار حيزا، شكله تام، وفضله في العلم عام، قد تنقل في الولايات، وحكم في عدة جهات.
ولم يزل على حاله إلى أن أمسى الموت في دانيال دانيا، وطرف الحمام إليه رانيا.
وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة ست وتسعين وست مئة بالشوبك.
ومولده سنة سبع عشرة وست مئة.
داود بن إبراهيم بن داود الشافعي
سمع من الشيخ شمس الدين بن أبي عمر وابن البخاري وغيرهما.
وأجاز لي بخطه في سنة ثلاثين وسبع مئة.
داود بن أسد
الأمير بهاء الدين القيمري.
كان من رجال الدهر في السعي والتقدم، وأهل الزمان في التوصل إلى خراب بيوت أعاديه والتهدم، إلا أنه لا يدوم له حال، ولا تثبت له قدم، حتى يرميه الدهر بالانتقاد والانتقال.
ولم يزل بين هبوط وصعود، ونحوس وسعود، ومباشرة أملاك وعمائر، ونصب دلالات وأمائر، حتى قمر الدهر من القيمري عمره، وأنفذ الحمام فيه أمره.
وورد الخبر إلى دمشق بوفاته في العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
أول ما عرفت من حاله أنه تعلق على الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب الشام لما كان بغزة، وخدمه. ولما نقل إلى نيابة الشام حضر معه إلى دمشق، ولم يزل يسعى إلى أن حصل إمره عشرة بغزة، ثم صار يتعلق على واحد بعد واحد ممن يظهر في كل دولة بالديار المصرية واحداً بعد واحد، إلى أن أعطي في وقت إمرة طبلخاناه، وهو يجتهد في التقرب إلى خواطر الأمراء بالضمانات والزراعات والتجارات، إلى أن تعلق أخيراً على الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي، كل هذا وهو في غزة.
ولما حضر السلطان الملك المنصور محمد في واقعة بيدمر حضر في ركاب الأمير سيف الدين يلبغا فأعطي إمرة طبلخاناه بالشام، فأقام بدمشق قليلاً، وتوجه إلى بلاده بغزة، فأقام هناك، وفي الساحل وفي نابلس فوق الشهرين إلى أن وصل الخبر بوفاته رحمه الله تعالى.
وكان قد ولي في وقت نظر القدس الشريف، وبلد سيدنا الخليل عليه السلام. وكان قد تعلل في نابلس وأمر أن يحمل إلى القدس، فحمل على باب، وأظنه مات هناك.
وقيل: إنه خلف ثماني مئة ألف درهم.
داود بن أبي بكر بن محمد
الأمير نجم الدين بن الزيبق، بالزاي والياء آخر الحروف، والباء الموحدة وبعدها قاف.
كان من رجال المباشرات وأولي الدربة في الولايات. إذا تولى جهة أصلحها
بالسياسه، وصال على أهلها بالصرامة والنفاسه، وله في دسته العبسه، والمهابة الزائدة في الجلسه، يطرق ولا يطرف، ويعرف أشياء، ويري أنه ما يعرف.
اشتهرت حرمته في البلاد، وعلم أنه صاحب جدال وجلاد، وإذا ذكر اسمه للمفسد ود أنه لم يخلق، ورأى أنه يموت ولا يرى ابن الزيبق، هذا إلى لطف وحسن أدب، إذا خلا بأصحابه، ومن يأنس إليه من إخوانه وأترابه. وكان يرعى صاحبه ولا ينساه، ويخدم الناس، ولو دب على المنساه.
تنقل في ولايات الشام ومصر سنين، وقمع الله به جماعةً من المفسدين.
ولم يزل على حاله إلى أن غرب من عمره نجمه، ومحي في رمسه رسمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس شهر رجب الفرد سنة ثمان وأربعين وسبع مئة، ودفن بالصالحية عند تربة الشياح.
أخذ العشرة، وباشر في أيام سلار خاص الساحل والجبل، ثم باشر خاص القبلية، وبعد ذلك باشر الخاص بدمشق عوضاً عن الأمير سيف الدين بكتمر، ثم باشر شد الديوان بحمص، ثم باشر شد الأوقاف بدمشق، ثم تولى جبل نابلس، ثم إنه نقل إلى شد الدواوين بدمشق عوضاً عن الأمير بدر الدين بن الخشاب في جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ثم باشر شد غزة والساحل والجبل. وشكر للسلطان الملك الناصر فطلبه إلى مصر وولاه ولاية مصر وشد الجهات والصناعة والأهراء، وأعطاه طلبخاناه، ولم يداخل القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص، وراج عليه الأمير علاء الدين علي بن