بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 432

سارت جنازته والخلق تتبعها ... والحزن عمّهم فينا وغشّانا
حتى ملائكة الرّحمن مذ علموا ... طاروا إليه زرافات ووحدانا
نعى النّعاة وضجّوا بالنعيّ له ... فأورثوا القلب أشجاناً وأحزانا
جار الزمان ولم يقصد بمصرعه ... إلا ليهدم للمعروف أركانا
إن الخطوب التي ساقت منيّته ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا
من ذا يوفّي علاه بالرثاء ولو ... كان المرثّي له قسّاً وسحبانا
لم أقض بالشعر حقاً من علاه ولو ... نظمت في كلّ يوم فيه ديوانا
لو قيل: من فاق أرباب الصّلاح تقىً ... كان الجواب: سليمان بن ريّانا
إني لأعلم أنّ الله يجعله ... أوفى البريّة عند الله ميزانا
حيّرتنا بمثال فيه تعزيٌ ... به اتّعظنا وعزّانا وسلاّنا
فيه قريضٌ بديع النّظم مشتملٌ ... على معانٍ حسانٍ فقن حسّانا
إن رمت تشبيهه بالرّوض كان له ... فضلٌ على الرّوض لا يحتاج برهانا
الرّوض يذبل في وقتٍ ونظمك قد ... وقاه فكرك طول الدّهر ماشانا
أو قلت ألفاظه مثل الكواكب لم ... أكن موفّيه بالأوصاف تبيانا
إذ الكواكب في ضوء النهار أرى ... أنوارها تختفي في الجو أحيانا
لكن أقول هذا العقد الثّمين وقد ... نظمت ألفاظه درّاً وعقيانا
في أحمر الطرس قد سطّرت أحرفه ... كالدّرّ خالط ياقوتاً ومرجانا
حفظت عهدك في حال الحياة ومن ... بعد الممات فحيّا الله مولانا


صفحه 433

كذا تكون صفات الحرّ يحفط من ... عهد المودّة أصحاباً وإخوانا
لا ذقت فقد حميم بعدها وحمت ... وقاية الله مولانا وإيانا

سليمان بن حسن
الشيخ حسام الدين بن بدر الدين، ابن الشيخ الكبير القدوة العارف غانم المقدسي.
كان حسام الدين شيخ الحرم بالقدس، له همة وفيه مكارم، وعنده خدمة للناس.
حدث عن الشيخ تقي الدين الواسطي.
وسمع منه أمين الدين بن الواني.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشري شعبان سنة تسع وعشرين وسبع مئة.
ومولده في شهر رجب سنة أربع وخمسين وست مئة.

سليمان بن حمزة
ابن أحمد بن عمر بن الشيخ أبي عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة: الشيخ الإمام المفتي شيخ المذهب، مسند الشام قاضي القضاة تقي الدين أبو الفضل المقدسي الجماعيلي الدمشقي الصالحي الحنبلي.


صفحه 434

سمع الصحيح حضوراً في الثالثة من ابن الزبيدي، وسمع صحيح مسلم وما لا يوصف كثرةً من الحافظ ضياء الدين، وربما عنده عنه ست مئة جزء. وسمع حضوراً من جده الجمال أبي حمزة، وابن المقير، وأبي عبد الله الإربلي، وسمع من ابن اللتي، وجعفر الهمداني، وابن الجميزي، وكريمة الميطورية وعدة.
وأجاز له محمد بن عماد، وابن باقا، والمسلم المازني، ومحمود بن مندة، ومحمد بن عبد الواحد المديني، ومحمد بن زهير شعرانة، وأبو حفص السهروردي، والمعافى بن أبي السنان، والمقرئ ابن عيسى وخلق كثير.
وخرج له ابن المهندس مئة حديث، وخرج له شيخنا الذهبي جزءاً فيه مصافحات وموافقات، وخرج له ابن الفخر معجماً ضخماً.
وروى الكثير بقراءة شيخنا علم الدين البرزالي، وتفقه بالشيخ شمس الدين وصحبه مدة.
ودرس بالجوزيرة وغيرها. ولي الجوزية والقضاء عشرين سنة. ومن تلاميذه ولده قاضي القضاة عز الدين، وقاضي القضاة ابن مسلم، والإمام محمد بن


صفحه 435

العز، والإمام شرف الدين أحمد ابن القاضي، وطائفة.
وسمع منه المزي، وابن تيمية، وابن المحب، والواني، والشيخ صلاح الدين العلائي، وابن رافع، وابن خليل، وعدد كثير.
وقرأ طرفاً من العربية، وتعلم الفرائض والحساب، وحفظ الأحكام لعبد الغني، والمقنع.
وكان حاكماً عادلا، لا يقبل في الحق عاذلا، وكان جيد الإيراد للدروس، خبيراً باجتناء ثمار العلم من الغروس، يحفظ درسه من ثلاث مرات أو أكثر، ويسرده كأنه عقد تنضد إذا كان عند غيره قد تبعثر. وبرع في مذهبه وجوده، وأجرى جواد ذهنه فيه على ما عوده. وكانت له معرفة تامة بتواليف الموفق، وإذا تكلم فيها رأيت الغصن رقص والطير غنى والنهر صفق. وتخرج به الأصحاب، وجر السحاب خلفه ذيله السحاب.
وكان إذا أراد أن يحكم قال: صلوا على رسول الله، فإذا صلوا، حكم، وذل الخصم له ولو كان مروان بن الحكم.
ولم يزل على حاله إلى أن قطع الله من الحياة أمله، والتقى التقي عمله.
وتوفي رحمه الله تعالى حادي عشري العقدة سنة خمس عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ثمان وعشرين وست مئة.


صفحه 436

وكان الجاشنكير قد عزله سنة تسع وسبع مئة بالقاضي شهاب الدين بن الحافظ، ولما حضر السلطان من الكرك اجتمع به وولاه.

سليمان ابن داود
ابن سليمان بن محمد بن عبد الحق، الشيخ الإمام الفاضل الأديب الفقيه الرئيس القاضي صدر الدين أبو الربيع ابن الشيخ ناصر الدين الحنفي.
فقيه تأدب فبرع، وبلغ إلى الغاية من أول ما شرع، نظم سائر الفنون، وصدح في أيك الأدب والغصون. وقعدت معه التورية فأطربت، وزادت محاسن نظمه على الروض وربت.
وكان مطرحاً عديم الوقفه، لا يكلف بالكلفه، ولا يأنس إلى وطن المناصب، ولا يفرق بين الشيعة والنواصب. قد أصبح في عالم الإطلاق، وتمسك بما يؤدي إلى مكارم الأخلاق. جاب البلاد، وجال بين العباد، ولم يدع شاماً إلا شام برقه، ولا عراقاً إلا ونبش عرقه، ولا حجازاً إلا كشف حجابه، ولا يمناً إلا وأم ملوكه وأربابه. وولي مناصب القضاء وغير ذلك، وانسلخ من الجميع يقول:
وما الناس إلاّ هالكٌ وابن هالك
طالما تمزر الفقر وتمزق، وأنف من ذلك فتزود للرتبة العالية وتزوق:
يوماً يمان إذا لاقيت ذا يمن ... وإن لقيت معدّياً فعدناني


صفحه 437

ولم يزل ينجد ويغير، ويقطع الآفاق بالمسير، حتى ابتزه الدهر ثوب حياته، والتقطه طائر الموت فيما التقط من حباته.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول سنة إحدى وستين وسبع مئة بالمهجم من بلاد اليمن.
ومولده سنة سبع وتسعين وست مئة.
قرأ القرآن على الشيخ مبشر الضرير، وسمع على أشياخ عصره مثل الحجار، وابن تيمية، والمزي، وغيرهم.
وقرأ المنظومة على عمه القاضي برهان الدين بن عبد الحق وحفظها، وقرأ ألفية ابن معطي، وحفظ النكت الحسان في النحو، وعرضها على مصنفها شيخنا أبي حيان، وكتب له عليها، وأثنى عليه، وعلق عليها حواشي من أولها إلى آخرها بخطه من كلام الشيخ، وبحث الأصلين على الشيخ صفي الدين الهندي بدمشق، وعلى تاج الدين بن السباك ببغداد، وقرأ تلخيص المفتاح على الخيلخاني.
ودخل بغداد سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، واجتمع بفضلائها. وسافر إلى خراسان والري، وعاد إلى مادرين. ثم رد إلى القاهرة ثانياً، وكان قد دخلها أولاً مع عمه قاضي القضاة برهان الدين، وكان يقرأ له الدرس في مدارسه بالقاهرة، وأذن له في الإفتاء.


صفحه 438

ودرس بالديلمية، وحضر درسه أول يوم قاضي القضاة جلال الدين القزويني وبقية القضاة.
ودخل اليمن سنة خمس وأربعين وسبع مئة بعدما حج، واجتمع بصاحبه، فأقبل عليه وأنس به، ورأيت خطه إليه في عدة أوراق بآداب كثيرة ولطف زائد وخوله نعماً أثيلة. وباشر عندهم، ثم إنه تزوج بابنة الوزير، وحد صحبة الملك المجاهد صاحب اليمن في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، فجرت لهم تلك الأحوال ونهبوهم.
أخبرني صدر الدين من لفظه قال: عدم لي في البر والبحر ما قيمته خمسة وعشرون ألف دينار.
وحضر إلى دمشق ومعه جملة من الجواهر الثمينة. ثم إنه توجه إلى القاهرة، وسعى في أيام الأمير سيف الدين شيخو، فباشر توقيع الدست بالقاهرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة - فيما أظن - وبعد قليل رسم له بنظر الأحباس مع توقيع الدست.
وجرت له حركة بسبب جاري تزوجها من جواري السلطان تخلخل أمره فيها ثم سكن، فلما أمسك الأمير سيف الدين صرغتمش أخرجوه إلى دمشق موقعاً في سنة ستين أوائلها، فجاء إليها ولم يباشر شيئاً، وأقام في دمشق لا يظهر، إلى أن سافر منها واختفى خبره، ثم ظهر أنه مقيم بنابلس لا يظهر، ومعه مملوك له مليح الصورة يدعى طشتمر، ثم توجه إلى الحجاز سنة ستين وسبع مئة، ثم إنه دخل اليمن ومملوكه معه، فلما وصل إلى المهجم توفي رحمه الله تعالى. قيل: إنه قتل لأنه كان معه قطعة بلخش عظيمة، كان يدعي أنها لصاحب اليمن.


صفحه 439

وكان قد تولى القضاء ببغداد وبماردين أيضاً.
وكان رحمه الله تعالى عديم الكلفة، مطرحاً للرئاسة، يمشي في باب اللوق، ويمشي تحت قلعة دمشق، وكان هشاً بشاً، رضي الأخلاق. اجتمعت به غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، وكان جيد النظم، تقعد معه التورية والاستخدام وصناعة البديع، وجود فنون الشعر من الموشح والزجل والمواليا والقريض وغير ذلك.
أنشد لنفسه بالقاهرة سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة:
أيري كبيرٌ والصّغير يقول لي: ... اطعن حشاي به وكن صنديدا
ناديت هذا لا يجوز، فقال لي: ... عندي يجوز، فنكته تقليدا
وأنشدني لنفسه سنة اثنين وخمسين وسبع مئة:
عشقت يحيى، فقال لي رجلٌ: ... لم يبق فيك من الغرام بقيّا
تعشق يحيى تموت، قلت له: ... طوبى لصبّ يموت في يحيى
وأنشدني لنفسه:
قال حبيبي: زرني ولكن ... يكون في آخر النهار
قلت أُداري الورى وآتي ... لأيّ دارٍ فقال: داري
وأنشدني لنفسه:
طال حكّي وعندما ... قلت: خذه لوقته
ضرط العلق ضرطةً ... دخل الأير في استه