بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 700

وبكى فؤادي وهو منزلٌ حبّهم ... وأحقّ من يبكي الحبة دارهم
وتخلّق الجفن الهمول كأنما ... لمحته عند غروبهم أنوارهم
وذكرت عيني عند عين فراقهم ... لما أثارت لوعتي آثارهم
نذري الدموع عليهم وكأنهم ... زهر الرّبا وكأنها أمطارهم
ويئنّ منة حالي العواذل رحمةً ... لمّا بكيت وما الأنين شعارهم
ويح المحبيّن الذين بودّهم ... قرب المزار ولو نأت أعمارهم
فقدوا خليلهم الحبيب فأُذكيت ... بالشوق في حطب الأضالع نارهم
مولىً تقلّص ظلّ أُنسٍ منه عن ... أصحابه فاستوحشت أفكارهم
كم راقهم يوماً برّؤية وجهه ... ما لا يروقهم به دينارهم
ولكم بدت أسماعهم في حلية ... من لفظه وكذا غدت أبصارهم
كانوا بصحبته اللذيذة رتّعاً ... بمسّرةٍ ملئت بها أعشارهم
يتنافسون على دنوّ مزاره ... فكأنما بلقاه كان فخارهم
لا غيّب الرحمن رؤية وجهه ... عن عاشقيه فإنها أوطارهم
وجلا ظلام بلادهم من بعده ... فلقد تساوى ليلهم ونهارهم
يا سيّداً لي لم تزل ثقتي به ... إن خادعتني في الولا أشرارهم
أصرمت حبل مودتي ولصحبتي ... عرف الطريقة في الوداد كبارهم
أم تلك عادات القلى أجريتها ... فكذا الأحبّة هجرهم ونفارهم
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
أفدي الذين إذا تناءت دارهم ... أدناهم من صبّهم تذكارهم
في جلّق الفيحاء منزلهم وفي ... مصع بقلب الصبّ تضرم نارهم
قوم بذكرهم الندامى أعرضوا ... عن كأسهم وكفتهم أخبارهم


صفحه 701

وإذا الثناء على محاسنهم أتى ... طربوا له وتعطّلت أوتارهم
وإذا هم نظروا لحسن وجوههم ... لم تبق أنجمهم ولا أقمارهم
فهم البدور إذا ادلهمّ ظلامهم ... وهم الشموس إذا استبان نهارهم
دنت النجوم تواضعاً لمحلّهم ... وترفّعت من فوقها أقدارهم
وبكفّهم وبوجههم كم قد همت ... ألواؤهم وتوقّدت أنوارهم
أهدى جمالهم إليّ تحيّة ... منها تدار على الأنام عقارهم
أفقٌ وروضٌ في البلاغة فهي إمّ ... ازهرهم في الليل أو أزهارهم
لك يا جمال الدين سبقٌ في الوفا ... لو رامه الأصحاب طال عثارهم
وتودّدٌ ما زال يصفو ورده ... حتى تقرّ لصفوه أكدارهم
يا بن الكرام الكاتبين فشأنهم ... صدق المودّة والوفاء شعارهم
قوم إذا جاؤوا إلى شأو العلى ... سبقوا إليه ولم يشقّ غبارهم
صانوا وزانوا باليراع ملوكهم ... أسوارهم من كتبهم وسوارهم
ما مثلهم في جودهم فلذاك قد ... عزّت نظائرهم وهان نضارهم
ما في الزمان حلىً على أعطافه ... إلاّ مآثرهم به وفخارهم
تتعلم النّسمات من أخلاقهم ... وينوب عن زهر الرّبا أشعارهم
ولفضلهم ما ابن الفرات يعدّ في ... هـ قطرةً لمّا تمدّ بحارهم
وحماهم يحمي النّزيل بربعه ... من جور ما يخشى ويرعى جارهم
بالرغم مني أن بعدت ولم أجد ... ظلاٍّ تفيّؤه عليّ ديارهم
لو كان يمكنني وما أحلى المنى ... ما غاب عنّي شخصهم ومزارهم
ويح النوى شمل الأحبة فرقت ... فمتى يفكّ من البعاد إسارهم
وكتب رحمه الله تعالى وقد دخلت الديوان بدمشق


صفحه 702

يقول جماعة الديوان فيه ... فسادٌ لا يزال ولا يزاح
فقلت فساده سيزول عمّا ... قليل إذ بدا فيه الصّلاح
فكتبت أنا الجواب إليه:
هويت جماعة الديوان دهراً ... فلمّا ضمّنا بدمشق مغنى
نظرت إليهم نظر انتقادٍ ... فكنت جمالهم لفظاً ومعنى
وكتب إلي من دمشق، وأنا بصفد ضعيف:
كتابك قد أتى عيني وفيها ... فساد نوىً لشوقي وارتياحي
فجدّده فليس يزول إلاّ ... إذا عاد الصّلاح إلى الصّلاح
فكتبت أنا الجواب إليه:
كتابك جاءني فنفى همومي ... وآذن سقم جسمي بالزوال
وأذكر ناظري زمناً حميداً ... تمتّع بالجمال من الجمال
وكتب هو يوماً إلي:
قد أصبح المملوك يا سيّدي ... يختار أن يفترع الرّبوه
وقد أتى صحبتكم خاطباً ... فأسعفوا واغتموا الخلوه
فكتبت أنا الجواب إليه ارتجالاً:
ما لي على الربوة من قدره ... لأنني أعجز عن خطوه
وليس مركوبي هنا حاضراً ... فمرّ نحو الخلوة الحلوه


صفحه 703

وكتب هو إلي وأنا بالقاهرة:
سار دمعي مني إليك رسولا ... حين أخليت ربعك المأهولا
وفؤادي استقرّ إذ أنت فيه ... يتراآك بكرةً وأصيلا
ونسيم الصّبا تحمّل من وص ... ف اشتياقي فيه حديثاً طويلا
ترك القلب في الأضالع يظما ... فيسقّيه الاشتياق غليلا
فاستمع ما يملّي النسيم بعلمٍ ... عن غرامي إذ كان مثلي عليلا
وقميص الكرى مزقٌ فإن زا ... ر خيالٌ وصّلته توصيلا
حبّذا قربك الذي كان أندى ... في فؤادي من النّسيم بليلا
وليالٍ كم غازل الطرف من أُن ... سك في جنحهنّ وجهاً جميلا
ومدام كأنّها لون دمعي ... عندما أزمع الحبيب رحيلا
كأسها في الدّجا تبدّى شهاباً ... وكسا المزج رأسها إكليلا
فتهدّيت للسرور برؤيا ... هـ وإن كان للهدى تضليلا
كم ركبنا لها سوابق لهوٍ ... كان جرس الغناء فيها صهيلا
قرّب الله عهدنا من ليالٍ ... لم أكن لاقترابهنّ ملولا
أتلظّى جوىً وفرط حنين ... إن تذكرت ظلهنّ الظليلا
وإذا ما احترقت شوقاً فقولي: ... ليت لم أتخذ فلاناً خليلا
يا صلاح الدين الذي فسد العي ... ش لنا مذ نأى وساء مقيلا
قد أتتني أبياتك الغرّ تحكي ... نسمات الصّبا تجرّ ذيولا
أو نبات الربا يصافحه القط ... ر فيغدوا رطب الحيا مصقولا


صفحه 704

فتذكرت منك جودا عميما ... ومحيا طلقاً وفضلاً فضيلا
ورأيت السطور تحكي ليالي ال ... قرب حسناً ورقّةً لا طلولا
حبذا عهدهن والعيش فيه ... إذ أنا مالك إليه وصولا
كنت أجني ثمار أنسك فيه ... نّ فبدلت بالنوى تبديلا
وكتبت أنا إليه من دمشق، وهو بغزة في الصيد جواباً عن كتاب فيه عتب:
حيث الخيام برمل غزّه ... لي سادةٌ عندي أعزّه
وأنا كثيّر حبّهم ... وهم كما أختار عزّه
سيما جمالهم الذي ... في فضله طرفي تنزّه
مولىً بعطف يراعه ... طربٌ يرنّحه وهزّه
أضحى يوشّي طرسه ... ويحوك بالأسجاع طرزه
يملي عليه بدائعاً ... يكسو المهارق خير بزّه
لو فاخر الروض البسي ... م بكتبه لأبان عجزه
ألفٌ حكت غصن النقا ... صدحت عليه حمام همزه
من ميم ميلي عنه لا ... أدخلت قلبي تحت رزّه
وظفرت منه بمعقلٍ ... لا تطرق الأحداث حرزه
وبه تبيّن لي الهدى ... وحللت من معناه رمزه
وبه ملأت يدي غنىً ... من فضله وفتحت كنزه
فالله يحرس مجده ... ويديم للآداب عزّه
يقبل الأرض، ويصف شوقه الذي شق الجوانح، وجرح الجوارح، وملأ الفؤاد


صفحه 705

فوادح، ويذكر حنينه الذي شغله عن ذاته، وأذهله حتى عن تمني اللقاء ولذاته، ونغص صفو عيشه بالبعد، وهذه أحسن حالاته. وينهي ورود المثال العالي فتلقى منه أكرم وارد، وحوى من ألفاظه الغر مصائد الشوارد، وشافهه منها ألسن عتب لها في القلب وقع السيوف، وإن كانت فصاحتها مثل المبارد، وأضرمت في الحشا نيراناً لها الزفرات دخان، والضلوع المحنية مواقد، فقابلها بأعذاره الملفقة، فقالت حرارة تلك السطور: دعنا من عذرك البارد، ونظر من تلك الحروف المنظمة إلى نونات كأنها براثن الأسود، وإلى ميمات كأنها عيون الأساود:
وكأن ذاك الطرس أصبح سلّة ال ... حاوي وهاتيك السطور أفاعيا
ثم إن المملوك كابر نفسه، وقال: ربما تصحف عليه ما تصفح، وترجى أن يكون هذا القدر هو الذي ترجح، وجانس بين آساته وعطفه، فذاك ترنم، وهذا ترنح:
ويدلّ هجركم على ... أنّي خطرت ببالكم
وعلل نفسه بقول الآخر:
................................. ويبقى الودّ ما بقي العتاب
وقال: هذا هو العتب المحمود العواقب، وهذا التأديب الذي يعقب الرضى ولا يعاقب. وقد عاد المملوك إلى صوب الصواب، وتضرع من تلك السطور على عتبات العتاب، وظن أنما فتن، فاستغفر ربه، وخر راكعاً وأناب:
وهذا الذنب أوّل كلّ ذنب ... وآخره إلى يوم الحساب
فليغفر مولانا هذه الهفوه، وليقله عثرة هذه الخطوه، التي لم يلق فيها حظوه،


صفحه 706

والله يمتع العيون والنفوس بجماله وجلاله، ويزين الوجود بمحاسنه التي يخجل منها البدر في كمال بمنه وكرمه، إن شاء الله.
وحكى لي رحمه الله تعالى، قال: رأيت البارحة في المنام، كأن في بيتي نهراً عظيماً صافياً، وأنت من ذلك الجانب، وأنا من هذا الجانب، وكأني أنشدك:
يا خليلي أبا الصّفا لا تكدّر ... منهلاً من نمير ودّك أروى
فجميع الذي جرى كان بسطاً ... ولعمري بسط المجالس يطوى
فقلت لي: لا بل انظم في زهر اللوز شيئاً، فأنشدتك:
أيا قادم الزهر أهلاً وسهلاً ... ملأت البرايا هدايا أرج
فوقتك فضّ ختام السرو ... ر وعهدك فرجة باب الفرج
فكتبت أنا إليه عندما قص علي هذه الرؤيا:
حاشى لله أن أكدّر عهداً ... لم يزل من وفائك المحض صفوا
وإذا ما حديث فضلك عندي ... ضاع مني في نشره كيف يطوى
وكنت وعدته بعارية رسالة لابن رشيق سماها ساجور الكلب، فتأخرت، فكتب هو إلي:
يا جواداً عنانه في يد الجو ... د تباخلت لي بساجور كلب
لا تضع رتبة التفضّل والإيث ... ار فالأمر دون بذل العتب
وإذا لم يكن من العتب بدّ ... فمرادي إن شئت غير الكتب
فجهزتها إليه، وكتبت الجواب:


صفحه 707

أيها الأروع الي فاق مجدا ... لا تؤنّب من لا أتاك بذنب
أنت تدري أن الوفاء الموفّى ... لي طباعٌ في الودّ من غير كسب
أنا أخبا لو كان طوق عروس ... عنك حتى أصون ساجور كلب
وبيني وبينه مكاتبات كثيرة نظم ونثر، وقد أوردتها في كتابي ألحان السواجع.

عبد الله بن علي
بن عمر
ابن شبل بن رافع بن محمود، الشيخ الصالح المحدث نجم الدين أبو بكر الصنهاجي الحميري الشافعي الصوفي.
اعتنى به والده، وأسمعه صحيح البخاري من الشيوخ الثلاثة: ابن عزون، وابن القاضي رزين، وابن رشيق، وسنن أبي داود من النجيب عبد اللطيف، ومسند الإمام أحمد من النجيب أيضاً، ورحل به إلى دمشق ومعهما فخر الدين بن النويري، فسمع بها صحيح مسلم من ابن عبد الدائم، ومن أصحاب الخشوعي وابن طبرزد، وسمع بالإسكندرية أيضاً من أصحاب ابن موقا.
وكان مكثراً صبوراً على التسميع، ذاكراً لمسموعاته، وحدث بالكثير، ومن جملة ما حدث به الكتب الستة.