وكان فاضلاً في أبناء جنسه، عاقلاً لا يستشير في أمره غير نفسه، وافر الهيبة، واضح الشيبة له منزلته مكنية عند السلطان، ومحلة لا يشركه فيها غيره في النزوح والاستيطان، يقوم له إذا أقبل، ويقول له: اجلس فإنك أكبر من هؤلاء وأنبل.
ولم يزل على حاله إلى أن أمسكه الحين فما أفلته، وسل عليه حسامه وأصلته.
ومات وهو في عشر الثمانين بمصر سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
وعمل تاريخاً كبيراً بإعانة كاتبه ابن كبر النصراني وغيره، خمسةً وعشرين مجلداً.
وتولى نيابة مصر في شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة وسبع مئة بعد بكتمر الجوكندار، ودفن بمدرسته التي أنشأها تحت قلعة الجبل، وحضر جنازته نائب السلطان والأمراء وأعتق مماليكه وجواريه، وفرق خيله.
وكان يجلس رأس الميسرة وكان قد أمسك هو والأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، والأمير سيف الدين سنقر الكمالي، وحبسوا في برج بالقلعة ومعهم خمسة أمراء غيرهم.
بيبرس
الأمير ركن الدين حاجب صفد، كان منسوباً إلى سلار.
أخرجه السلطان الملك الناصر محمد إلى صفد بعد سنة سبع وعشرين وسبع مئة،
فأقام بها أميراً إلى أن توفي حاجبها الأمي علاء الدين أقطوان الكمالي، فرسم له بالحجبة مكانة.
ولما رسم السلطان الملك الناصر للأمير بهاء الدين أصلم بنيابة صفد رسم لبيبرس أن يكون في دمشق أميراً حتى لا يجتمعا، لأن أصلم كان سلاريا.
ثم إنه بعد موت الناصر محمد طلب العود إلى صفد، وعاد إليها حاجباً، وكان عاقلاً خبيرا، يصلح أن يكون مدبراً ومشيرا، عديم الشر وادعا، قائلاً بالحق صادعا، له نعمة وسعاده، وفيه الحسنى وزياده.
ولم يزل بصفد إلى أن هيل عليه ترابه، وفقده ذووه وأصحابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب الفرد سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الأحمدي أمير جاندار.
كان من أعيان الدولة في أيام السلطان الملك الناصر، وهو أمير جاندار مقدم ألف، وكان أحد الأبطال، يعجز من مقاومته أبو محمد البطال عنده قوة نفس وعزم، وسوء ظن بالدهر وحزم، قد حلب الدهل أشطره، وقرأ من ريبه أسطره، مع ما فيه من محبة الفقراء، وإيثار الصلحاء.
وعنده من مماليكه رجال يملأ بهم في الحروب سجال، ويقدمون على الأسود في غابها ويجيلون بين نفوس الأعادي وبين رغابها، قد كثر منهم العدد، وقواهم بالخيل
والسلاح والعدد، فإذا ركبوا زلزلوا الأرض، وجابوا طول البسيطة والعرض، لو صد بهم جبلاً صدعه أو رد بهم على سيل حافر كفه عن شأوه وردعه، لا جرم أنه بهم نجا، ووجد له من ضيق الناصر أحمد مخرجا.
وهو أحد من يشار إليه في الحل والعقد، بعد الملك الناصر محمد، وهو الذي قوى عزم قوصون على إقامة المنصور أبي بكر، وخالف بشتاك، وقال: هذا الذي ولاه أستاذكم وهو أبوه، وما اختار الذي تختاره أنت، وأبوهما أخبر بهما.
ولما نسب إلى المنصور ما نسب من اللهو واللعب، واستعمال الشراب حضر إلى باب القصر وبيده دمرتاش، وقال: أيش هذا اللعب؟ فانفل الجماعة الذين كانوا عند السلطان أبي بكر.
ولما توفي الناصر محمد فرغ عن الوظيفة وولى مكانه أروم بغا، ثم إن الناصر أحمد لما جلس على كرسي الملك ولاه نيابة صفد، فخرج إليها وأقام بها مديدة، ولما انهزم الفخري من رمل مصر، ووصل إلى جينين قاصداً الأحمدي هذا، وأشار مماليكه عليه بذلك، ونزل هو من صفد، ولو اجتمعا ما نال أحمد منهما غرضاً، ثم إن الفخري قال: لا، هذا أيدغمش على عين جالوت هنا وهو أقرب، فجاء إليه فأمسكه، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة الفخري، ثم إن الناصر أحمد حقد على الأحمدي ذلك وهم بإمساكه، فأحسن بذلك، فخرج من صفد هو ومماليكه ملبسين عدة السلاح، واتبعهم عسكر صفد فخرج منهم واحد وقتل ركن الدين عمر البتخاصي الحاجب الصغير.
ثم إن الأحمدي قصد دمشق وليس لها يومئذ نائب، فخرج الأمراء ليلاً لإمساكه فقال: أنا قد جئت إليكم غير محارب، فإن جاء أمر السلطان بإمسكاي أمسكوني وأنا
ضيف عندكم، فأخرجوا له الإقامة، تلك الليلة، وأصبح والأمراء معه، وجاء البريد من الكرك بإمساكه فكتب الأمراء إلى السلطان يسألونه فيه وأن هذا مملوكك ومملوك والدك، وهو ركن من أركان الدولة، وماله ذنب، واليوم يعيش وغداً يموت، ونسأل صدقات السلطان العفو عنه، وأن يكون أميراً بدمشق. فرد الجواب بإمساكه، فردوا الجواب بالسؤال فيه، فأبى ذلك وقال: أمسكوه وانهبوه، وخذوا أمواله لكم وابعثوا إلي برأسه، فأبوا ذلك، وخلعوا طاعته وشقوا العصا عليه.
وبعد أيام قليلة ورد الأمير سيف الدين طقتمر الصلاحي من مصر مخبراً بأن المصريين خلعوا أحمد وولوا الملك الصالح إسماعيل.
وبقي الأحمدي مقيماً بقصر تنكز بالمزة إلى أن ورد المرسوم له بنيابة طرابلس، فتوجه إليها، وأقام بها قريباً من شهرين، ثم طلب إلى مصر، فتوجه إليها وحضر عوضه الأمير سيف الدين أروم بغا نائباً، ثم إن الأحمدي جهز إلى الكرك يحاصر الناصر أحمد فحصره مدة، وبالغ، فلم ينل منه غرضاً، وتوجه إلى مصر، وأقام بها إلى أن أتاه الأمر الذي لا يرده بواب، ولا يحول دونه حجاب.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل سنة ست وأربعين وسبع مئة، ومات وهو في عشر الثمانين.
ولما كان في تلك المدة مقيماً بدمشق جاء حريم طشتمر من الكرك بعد ما نهبن بالكرك وسلبن موجودهن، فدفع الأحمدي إليهن مبلغ خمسة آلاف درهم.
بيبرس
الأمير الصالح الخير ركن الدين أبو أحمد بن عبد الله التركي القيمري ثم الظاهري السلاح دار.
روى عن ابن المقير، والمكرم بن عثمان، وغيرهما. ولما كان بمصر لازم الشيخ شرف الدين الدمياطي، واستنسخ بعض مصنفاته وسمع الغيلانيات على غازي الحلاوي، وحصل بها نسخة. وكان يحفظ كثيراً من الأحاديث والآثار والأدعية المأثورة.
وحدث بالقاهرة وبدمشق والحجاز.
قرأ عليه الشيخ علم الدين البرزالي بعرفة الأربعين لابن المقير، ثم إنه ورد دمشق، ثم إنه حبس وقطع خبره، ثم أفرج عنه وانقطع في بيته، وأقبل على شانه، وعمل على ما يرجح كفة ميزانه، وأقام على ذلك مدة سنين لا يجتمع بالدولة، ولا بأحد من أرباب الصولة، ولا يتردد إلى أحمد من نواب السلطنة، ولا يدانيه ولا يتوجه إليه ولا يراه ولا يرائيه، إلى أن أتاه الأمر الذي يرد فلا يرد، ويصد فلا يصد.
وكانت وفاته رحمه الله تعالى في ذي الحجة سنة أربع وسبع مئة.
بيبرس
الأمير ركن الدين الفارقاني نائب قلعة دمشق.
كان شيخاً طويلا، قديم الهجرة جليلا، فيه خير وديانه، وبر وصيانه، أحسن نيابة القلعه، وخبر ما وجد فيها من سلعه، ولم يزل بها على حاله إلى أن أنزله الموت من حصنه، وما أمكنه الفرار ولو علا على ظهور حصنه.
ووفاته في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ولما كان بالديار المصرية جهزه السلطان إلى القاضي كريم الدين الكبير، فتولى
ما أمره به، وكان يحكى عنه ما عامله به من المكارم وكيف تلقى ذلك برضىً وتسليم لأمر الله تعالى.
بيبغا
الأمير سيف الدين الأشرفي.
كان في وقت نائب الكرك فيما بعد العشرين وسبع مئة فيما أظن، ثم إنه عزل منها، وحضر إلى دمشق وجهز إلى قلعة صرخد، فيما أظن أيضاً، وكان قد أضر بأخرة فعدم قمريه المنيرين، وفقد نقديه البصيرين.
ولم يزل على حاله إلى أن دعاه باريه فلباه، وقال نادبه. وارباه.
ووفاته رحمه الله تعالى في ...
بيبغا
الأمير سيف الدين مملوك الملك المؤيد صاحب حماه رحمه الله تعالى.
كان من جملة أمراء الطبلخاناه بحماة.
ولم يزل بها على إمرته، وصحبة من ارتضاه وعشرته، إلى أن فقده ودوده وعاث في لحمه حشرات الأرض ودوده.
ووفاته رحمه الله تعالى سنة ست وأربعين وسبع مئة.
بيبغاروس
الأمير سيف الدين نائب السلطنة بالديار المصرية.
أول ما ظهر وشاع ذكره في الأيام الصالحية إسماعيل، وهو الذي جاء في أول دولة الكامل يطلب طقزتمر نائب الشام إلى مصر، ثم لما قتل المظفر حاجبي ظهر واشتهر، وباشر النيابة بمصر على أحسن ما يكون وأجمل ما باشره غيره لأنه أحسن إلى الناس وبسط لهم إلإيناس، ولم يظلم أحداً ولم يتخذ على من تهتك رصدا، وكان إذا مات أحد أعطى ولده إقطاعه، وكل من طلب منه شيئاً قال: سمعاً وطاعه، فأحبه الناس ودعوا، وحفظوا عهده ورعوا، ومشوا في ركابه وسعوا، وتباركوا بطلعته، وتقرب كل أحد إليه بنفاق سلعته، وكان الطاعون في أيامه، وذلك الوباء داخلاً في أقسامه، فيقال: إنه كفن مئة ألف أو يزيدون، وأعطى الإقطاعات للأولاد، أراد الأمراء ذلك أو لا يريدون.
قيل: إنه جاءت إليه امرأة وقالت: مات زوجي وليس له إلا إقطاعه وترك لي هاتين الابنتين، فرق لها، فقال لناظر الجيش: اكشف عبرته. فقال: خمسة عشر ألف، فقال: من يعطي في هذا عشرين ألف درهم فقال واحد: أنا أعطي اثني عشر ألف درهم فقال: هاتها، فوزنها، فقال للمرأة: خذي هذه الدراهم وجهزي بنتيك، وأعطى الإقطاع لذلك الذي سلم الدراهم.
وكان في النيابة فيه خير كثير، وإحسان إلى الناس غزير إلا أنه كان يعكف على حسو السلافه، ويرى أنه بتعاطي كؤوسها قد نال الخلافه، ماله رغبة في غير اجتلاء
شوسها وتناول كؤوسها، واجتلاء أنوارها من يدي سقاتها الأقمار وتذهيب أشعتها لما عليهم من الأطمار، لا يقابل من قابله بها برده، فهي تغرب في فمه وتطلع في خده، ومع ذلك فما يخل بالجلوس في الخدمة أوقات الخدم، وثبات مالها في الدول المعروفة من قدم القدم.
وكان قد ولى أخاه الأمير سيف الدين منجك الوزارة، فاختلف في أمره فيما بين الخاصكية، فأرضاهم بعزله أياماً قلائل، ثم إنه أخرج أمير أحمد الساقي إلى صفد نائباً، ثم أخرج بعده الأمير سيف الدين الجيبغا إلى دمشق، ثم أخرج حسام الدين لاجين العلائي زوج أم المظفر إلى حماه، وأقام على حاله إلى أن عزم على الحج، فقال له أخوه منجك: لا تحج، والله يتم لنا ما تم للفخري وطشتمر، فلم يسمع منه، وتوجه إلى الحجاز في سنة إحدى وخمسين وسبع مئة، ومعه فاضل ومامور، وحج معه الأمير سيف الدين طاز، والأمير سيف الدين بزلار وغيرهم من الأمراء، فأمسك بعد توجهه الأمير سيف الدين منجك بأيام قلائل، وقبض عليه الأمير سيف الدين طاز في الينبع في سادس عشري القعدة سنة إحدى وخمسين وسبع مئة. فقال لطاز: أنا ميت لا محاله، فبالله دعني أحج، فقيده وأخذه معه وحج وطاف وسعى، وهو مقيد على إكديش، ولم يسمع بمثل ذلك، ولما عاد من الحجاز تلقاه الأمير سيف الدين طينال الجاشنكير، وأخذه وحضر به إلى الكرك، وسلمه إلى نائبها، وتوجهوا بأخيه فاضل إلى القاهرة مقيداً، فدخلها، أعني النائب بيبغا إلى الكرك في سابع المحرم سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة. وقلت أنا فيه رحمة له:
تعجّب لصرف الدّهر في أمر بيبغا ... ولا عجبٌ فالشمس في الأفق تكسف
لقد ساس أمر الملك خير سياسةٍ ... ولم يك في بذل الندى يتوقّف
وأمسك في درب الحجاز ولم يكن ... له عن رضى السلطان في ذاك مصرف