بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 306

وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة بالقدس.
وكان بدء اختلاطه في سنة اثنتين وأربعين وسبع مئة.
وكان يذكر الجن كثيراً في كلامه، ويقول: قد وعدوني بأن يسوقوا إلي نهراً من النيل، ونهراً من زيت نابلس إلى داري هذه، ويعد لذلك أماكن يكون فيها الماء وأماكن يكون فيها الزيت، وأشياء من هذه المستحيلات. وكابد فقراً مراً مع هذه الحالة. نسأل الله تعالى العافية من كل بلاء.

علي بن شاه بن أبي بكر
التوريزي، الوزير الكبير.
خدم القان بوسيعد ملك التتار، وتمكن منه عظيماً، وجعل عقد وزارته نظيماً. وهو الذي قام على الرشيد الوزير، وأهلكه، وساق إليه حتفه حتى أدركه.
وكان داهية ذا هبة، غير مفكر في أمر دنياه الذاهبة. وكان محباً لأهل تالسنة، قوي اليقين في ذاك والمنة. صافي السلطان الملك الناصر، وهاداه، وكان إلباً على من خالفه وعاداه. ولم تزل رسله ترد، وسيل هداه إلى دمشق ومصر يجري ويطرد، وكلمته مقبولة وإشارته على العين محمولة.
وكان في أول أمره سمساراً. فما زال يرقى إلى أن صار النجم له جاراً.
ولم يزل على حاله إلى أن حمل على شرجعه، وعز على ذويه أوان مرجعه.


صفحه 307

وتوفي رحمه الله تعالى بأرجان في أواخر جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
وهو والد الأمير ناصر الدين خليفة، أحد أمراء دمشق، المقدم ذكره في مكانه.
وكان قد أهدى إلى السلطان الملك الناصر ربعة مليحة في قطع نصف البغدادي في ورق جيد، وهي مكتوبة، جميع أجزائها الثلاثين، بليقة ذهب، بقلم محقق كبير، مزمكة، في غاية الحسن. رأيتها في الخانقاه بسرياقوس. وأهدى أخرى مثلها إلى الأمير سيف الدين تنكز، أظنه جعلها في جامعة.

علي بن أبي بكر
بن محمد
ابن محمود بن سلمان بن فهد، القاضي علاء الدين بن القاضي شرف الدين، وقد تقدم في حرف الباء، ابن القاضي شمس الدين، وسيأتي ذكره في حرف الميم، ابن العلامة شهاب الدين محمود، وسيأتي ذكره.
كان قد شدا طرفاً من الأدب، وعني بالإنشاء وكتب. ونظم ونثر، وجرى إلى الغاية فما شارفها حتى عبر.
وكان يتودد إلى الناس، ويخدمهم بما يقدر عليه من غير إلباس.
ولم يزل على حاله إلى أن كبا جوداه في وسط الميدان، وخلا منه صدر الدست وقلب الديوان. وتوفي رحمه الله تعالى في نهار الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى سنة أربع وستين وسبع مئة.


صفحه 308

ومولده فيما أظن سنة ثلاثين وسبع مئة.
كان قد دخل إلى الديوان، وكتب الإنشاء. ولما توفي أخوه القاضي شهاب الدين أحمد وكان يوقع في الدست، دخل هو بدل أخيه، ووقع في الدست بدمشق المحروسة. وحج إلى بيت الله الحرام في سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
وكان رحمه الله تعالى كثير الأسقام، ضعيف التركيب.
وكان في وقت قد أهدى إلي صحن حلوى مشبك، وتحته قطائف، فكتبت إليه:
يا سيدي إن الذي أهديته ... عطف الموائد من حلاه مائد
وافى فأذكرني عهود مكارم ... والخير منك كما يقال عوائد
صحن لأنواع الحلاوة جامع ... ذا راكع فيه وهذا ساجد
نصبت بساحته شباك مشبك ... وقطا القطائف تحتهن رواكد
وبأفقه أقراص ليمون بدت ... فكواكب قد رصعت وفراقد
والسكر المذرور فيه مجرة ... أو لا فمن فوق النحور قلائد
إن كنت قد فرغته أكلاً فقد ... ملأته مني في علاك محامد
لا زلت تهدي للموالي مثله ... في كل صوم فيه عيد عائد
علي بن أبي بكر
علاء الدين بن البرقعيدي الكحال.
ما رأيت مثله في العمل بالحديد، قطع عندي لإحدى بناتي شرانيق من عينها في


صفحه 309

دفعة واحدة، من أسرع ما يكون. فتق الجفن الأعلى، واستخرج منه شيئاً شبيهاً بالشحم الأصفر، ولم يعمل ما يعتمده غيره من تعليق الصنانير في الأجفان، وحك الشرانيق بالسكر النبات، لأن ذلك أمر مطول مؤلم.
وكانت عنده مشاركة في الطب وغيره، وكان كحالاً بالبيمارستان النوري بدمشق.
وأنشدني من لفظه لنفسه، وادعاه أنه نظمه في مشد الدواوين بدمشق:
مشدنا في الشام قد شقيت ... مما تقاسي من جوره الأمم
يذبح الناس ما يرق لهم ... كأنما الناس عنده غنم
وتوفي رحمه الله في حادي عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبع مئة.

علي بن بكتمر
الأمير علاء الدين بن الأمير سيف الدين الأبو بكري. أحد الأمراء أخيراً بمصر.
كان هو وإخوته قد أخرجهم الملك الناصر محمد بعد موت أبيهم في حبس الإسكندرية إلى دمشق، فأقاموا بها. وقد تقدم ذكر أخيه الأمير شهاب الدين أحمد.
وطلب السلطان الملك الناصر حسن الأمير علاء الدين هذا، وأخاه الأمير سيف الدين أسنبغا إلى مصر، وأقبل عليهما.


صفحه 310

ولم يزل الأمير علاء الدين بمصر أميراً إلى أن جرى للملك الناصر حسن ما جرى، وتصاف هو والأمير سيف الدين يلبغا، وتناوشوا القتال، فحصلت للأمير علاء الدين جراحة في وجهه، فمات منها بعد يويمات، على ما قيل، ووصل الخبر بموته إلى دمشق في أواخر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبع مئة.
ولما كان بالشام توجه إلى الرحبة نائباً مرتين، وأنا شاك في الثالثة. وكان من أبناء الستين أو ما يزيد عليها.
كان شكلاً تاماً ذا رواء، وهمة في الأمور واعتلاء. يكتب ويقرأ، ويد لو أنشأ نظماً ونثراً، لأنه بمصر كان يجتمع بالأفاضل، ويرامي الأقران بالجدال ويناضل. وله ميل كثير إلى الألغاز، ولم يكن كغيره يهواها، وهو في العمي ضائع العكاز.
ولما كنت بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، طلب مني لغزاً، فكتبت إليه:
أيا سيداً حاز العلا وهو يافع ... فراوي الندى عنه كثير ونافع
ومن حاز فضل السيف في معرك الردى ... فبارقه في ظلمة النقع ساطع
ومن إن سألنا: من أولو الفضلو والنهى ... أشارت إليه عند ذاك الأصابع
ومن نفق الآداب بعد كسادها ... وجلى دجاها من محياه لامع
ومن هو ذخر للعفاة وملجأ ... إذا صدهم حظ من الدهر صادع
أحاجيك ما اسم، أعوز الناس قطرهم ... فلما دعا انجابت عيون هوامع
كتابته في الطرس لا شك أربع ... وعدته خمس وفي العكس سابع
وإن زال منه ثالث فقبيلة ... لها في قراع الدارعين وقائع


صفحه 311

وعدة ما يبقى لعكس ثلاثة ... ولكنه سبع، ففيم التنازع
وإن تم معكوساً وصحفت لفظه ... تجده منى من قد غدا وهو جائع
فصحفه بعد القلب من غير نقصه ... فذلك في التصحيف والقلب شائع
أبن لي معماي الذي قد سترته ... فغيرك فيه مثل أشعب طامع
ودم وارق في أوج المفاخر والعلا ... مدى الدهر ما غنت بأيك سواجع
فحله في عباس. ولم يكتب الجواب نظماً.
وطلب الزيادة مني، فكتبت إليه أيضاً ملغزاً في أبيات، منها:
تقدم لعز قبل ذا وحللته ... فمن يقتن العليا بفضلك يقتد
فما اسم رباعي الحروف وإنما ... تركب من حرفين من رامها هدي
رسول إلى قوم كريم كتابه ... به خاطب القرآن كل موحد
ويقتل عند الشافعي ومالك ... وعند الفتى النعمان والحبر أحمد
له في أعالي كل غصن تلاوة ... بلحن كأن الدوح معبد معبد
تكاد قوافي ذا القريض تذيعه ... فقد زينت منه بحرف مردد
ودم راقياً في أفق كل سعادة ... بنى لك منها الدهر أشرف مقعد
فحله في هدهد وهو صحيح.


صفحه 312

علي بن بلبان
الأمير امفتي المحدث النحوي، أبو الحسن علاء الدين الفارسي المصري الجندي الحنفي.
سمع من الحافظ شرف الدين الدمياطي جزء ابن ديزيل، وسمع من محمد بن علي بن ساعد، وبدمشق من البهاء بن عساكر وغيره.
وكان جيد الفهم، لا يرد له عن إصابة الصواب سهم، حسن المذاكرة، كثير الفوائد في المحاضرة. وله تقدم في الدولة المظفرية، ووجاهة في الدولة الناصرية. وله شعر مموه بالبديع، ويوهم أنه مفيد، وهو طعام من ضريع. إلا أنه مقبول غير مردود. وفيه دلالة على أنه برز من خاطر مكدود. وكان مليح الشكالة، وافر الجلالة.
ولم يزل على حاله إلى أن بلغ الأجل كتابه، وهيل عليه ترابه.
وتوفي رحمه الله تعالى في تاسع شوال سنة تسع وثلاثين وسبع مئة في منزله بشاطئ النيل.
ومولده سنة خمس وسبعين وست مئة.
وكان قد تفقه بقاضي القضاة أبي العباس أحمد السروجي، وبفخر الدين عثمان بن التركماني وبمحيي الدين الدمشقي وغيرهم.


صفحه 313

وقرأ المنطق والأصول على الشيخ علاء الدين القونوي، والنحو على العلامة شيخنا أبي حيان، وصحب الأمير سيف الدين أرغون النائب، وكان قد تقدم في أيام المظفر.
وله تصانيف، منها: شرح كتاب الجامع تصنيف صدر الدين الخلاطي. ورتب صحيح ابن حبان على أبواب الفقه، وكذلك معجم الطبراني الكبير بإعانة الشيخ قطب الدين عبد الكريم.
وانتشا ولده جمال الدين، فتفقه لأبي حنيفة، ثم تحول شافعياً، فتألم والده لذلك.
وكان علاء الدين الفارسي يصلح للقضاء لسكونه وعلمه وتصونه.
ومن شعره:
سرت نسمة طابت بطيبة للذكر ... فأرجت الأرجاء من عرفها العطر
وجاءت بها البشرى فسرت بما سرت ... وأحيت بما حيت إلى مطلع الفجر
فيا حسنها بخدية زمزمية ... أضاء لها من ثغرها زاهر الدر
تبسم منها كل قلب وقالب ... فتيق نسيق الشيح والرند والزهر
تجلت فجلت بالشفا كل غلة ... وحلت فحلت بالصفا عقدة الهجر
أباحت حباء من حبائل شعرها ... تصيد به صيد الصناديد عن قسر