بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 346

فآثر الانقطاع والعزلة، فآوى إلى الجباية بباب الميدان ظاهر الموصل، ولا ماء لها هناك إلا من الآبار المحفورة، طول البير خمسون ذراعاً وستون ذراعاً وأكثر وأقل فكان الشيخ زين الدين يتوجه في كل يوم إلى الشط، ويملأ إبريقين، ويحملهما، ويجيء بهما لأجل شربه ووضوئه. فمكث على ذلك مدة، وهو يقاسي مشقة لبعد المسافة، فلما كان في ليلة، رأى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول له: احفر لي عندك حفيرة، يظهر لك الماء، فلما انتبه استبعد ذلك، لأن الآبار هناك بعيدة الغور، ولبث مدة، فرأى تلك الرؤيا، فاستبعد ذلك، وقال: لو حفرت بعكاز طلع لك الماء. فقص ذلك على بعض أصحابه، وحفر في ذلك المكان تقدير ثلاثة أذرع أو أكثر، فأجرى الله تعالى هناك عيناً، وهي مشهورة هناك، فمن ثم قيل له شيخ العوينة، وكان من الصلحاء الكبار. انتهى.
ولما بلغتني وفاة الشيخ زين الدين المذكور، قلت أنا في رثائه:
الشيخ لما توفي ... وقدر الله حينه
سالت دموعي عيوناً ... على ابن شيخ العوينة
وأنشدني الشيخ زين الدين رحمه الله من لفظه لنفسه. ما كتب به إلى الشيخ شمس الدين الحيالي:
سلام مثل أنفاس العبير ... على من حبه زاد المسير
ونهج سبيله حرز الأماني ... ومصباح الهداية للبصير


صفحه 347

عوارفه لأهل الكشف قوت ... وإحياء لعلمهم الغزير
إشارته النجاة لمن وعاها ... ومنطقه شفاء للصدور
تحية من ذريعته إليه ... خلاصة نية وصفا ضمير
وفي جمل الفصول له مثير ... الى المقصور في تلك القصور
ولو واتاه تيسير وفوز ... بتكميل المقاصد والسرور
وقابل سره وجه التهاني ... ولاح طوالع السعد المنير
سعى ورمى جمار البعد عنه ... وطاف بكعبة الحرم الخطير
ولم يقنع بتحفة بنت فكر ... ولا اعتاض السطور عن الحضور
وأنشدني من لفظه لنفسه يمدح سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحرم الشريف في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة:
دعاها تواصل سيرها بسراها ... ولا تردعاها فالغرام دعاها
ولا تخشيا منها كلالاً من السرى ... وحقكما إن الكلال عداها
فإن مل حاديها وحار دليلها ... هدها إلى تلك القباب سناها
عسى ينقضي في مسجد الخيف خوفها ... وتلقى مناها في نزول مناها
وتجرع من ماء الأجيرع شربة ... وتنقع من حر الذميل صداها
متى ما تخللت النخيل بيثرب ... بها عدمت تثريبها وغناها
ولم يبق من أكوارها في ظهروها ... ظهور إذا ما بطن مر حواها
إليك رسول الله سعى عصابة ... تعد خطاها فيك محو خطاها


صفحه 348

أتت وقراها موقر بذنوبها ... فأحسن كعادات الكرام قراها
وليس لها عند الإله وسلية ... سواك إذا ما النار شب لظاها
وأنشدني من لفظه ما كتبه لصاحب ماردين، يودعه، وقد توجه للحج سنة خمسين وسبع مئة:
ودعتكم وتركت قلبي عندكم ... ورحلت بالمخلوق من صلصال
فالقلب في الفردوس يشهد حسنكم ... والجسم في نار التفرق صال
ومن شعره أيضاً يمدح صاحب ماردين:
إلهي إن الصالح المصلح الذي ... بدا غزه في آل أرتق يزهر
وألبسته من نور وجهك حلة ... تكاد لأبصار الخلائق تبهر
إذا برقت يوماً أسرة وجهه ... على الناس قال جل المنور
وقالوا كما قالت صواحب يوسف: ... أذا ملك أم آدمي مصور
يؤمل أن يدعوك ظناً بأنني ... لديك وجيه مستجاب موقر
إلهي فلا تخلف بي الظن عنده ... وإن لم أكن أهلاً فحلمك يستر
وهذي يدي مرفوعة بتضرع ... فيسر عليه كل ما يتعسر
وآمنه من خوف فقد أمن الورى ... بهيبته مما يخاف ويحذر
وأحسن له العقبى وبلغه بيتك ال؟ ... حرام على وجه يحب ويؤثر
وحط ملكه حتى يؤوب مسلماً ... وقد حطت الأوزار وهو مطهر
فما في اعتقادي في السلاطين مثله ... وأنت بما يخفى ويعلن أخبر


صفحه 349

فإن لم يكن فاجعله حيث ظننته ... فأنت على قلب الحقائق أقدر

علي بن الحسين بن علي بن بشارة
الفاضل علاء الدين أبو الحسن الشبلي، بالشين المعجمة والباء الموحدة واللام، الدمشقي الحنفي.
سمع كثيراً من اليونيني، وسمع بنفسه، وكتب، وأعاد، وتأهل للإفتاء.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة تسعين وست مئة في غالب الظن.
وولي إعادة المدرسة الشبلية. قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمع معنا كثيراً، ورافقته في الحج رحمه الله تعالى.

علي بن الحسين بن محمد بن عدنان
السيد الشريف علاء الدين بن الشريف زين الدين بن الشريف محيي الدين بن أبي الجن الحسيني.
كان أولاً خليعاًن ظريفاً خريعاً، فيه دماثة أخلاق، وسعة صدر في حالتي يسر وإملاق. قل أن يرى إلا وهو يضحك، ولسلامة صدره يعتقد ودك ونصحك. وكان الناس يتطفلون على عشرته، ويعتقدون وده لعدم شرته، ولم يكن في باطنه حقد، وخيره دون شره نقد. إلا أنه لسلامة باطنة يتظاهر بمذهب الاعتزال، وإذا أنكرنا عليه حاله في الوقت زال. ومع ذلك فكان عامياً خالياً من العلم، قد ملئ باطنه وظاهره من الحلم.


صفحه 350

ولم يزل على حاله إلى أن طفئت شعلته، وراح إلى الله تعالى ومعه نحلته.
وتوفي رحمه الله تعالى في سلخ شعبان سنة سبع وأربعين وسبع مئة.
وكان قد ابتلي بحمى الربع وطالت به مدة سنتين، ثم إنه راح إلى الربوة، وأكل سمكاً ولبناً، وربما أنه نزل في النهر، فمات رحمه الله تعالى.
وكان أولاً بيده شهادة المواريث الحشرية، وله فيها أخبار.
وكنت قد كتبت له توقيعاً بنقابة الأشراف بدمشق في شهر رجب الفرد سنة تسع وثلاثين وسبع مئة، وهو: الحمد لله الذي زان أشراف هذه الأمة بعليها، وجعله من الذرية المنسوبة إلى نبيها، ورفع شأنها إلى رتب تحف الملائكة بناديها والملوك بنديها، وقمع من شأنها برفع لوائها في آفاق الفخار إلى غاية لا يترجل علوي عن علويها، نحمده على نعمه التي لا تزال تجود وليها بجود وليها، ومننه التي طاب عرف رياها، وطار عرف ريها، وأياديه التي بلغت النفوس آمالها بماليها خيراً ومليها، وعوارفها التي نأت عن لحاق الشكر فيما نجد عبارة، وفيها حق وفيها.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يلمع الإيمان من محيا ألمعيها، وتميس أعطاف قائلها تحت اللواء المعقود في حلالها وحليها، وترد نفس معتقديها الحوض المورود، فتبل غلتها بشهي كوثريها.


صفحه 351

ونشهد أن سيدنا محمداً عبده الذي ابتعثه من سادة لم يلو المجد عن لؤيها، ولا أقصى الله المحامد عن قصيها، ورسوله الذي انتخبه من أنجاب كم أنجاب الظلام بسنا السنان من سمهريها وخفية الذي انتفاه من أمجاد لم تستقم طرق النجابة حتى شقها سنبك أعوجيها. صلى الله عليه وآله وصحابته الذين هم خير جماعة، ركبت إلى الشرف مطامطيها، وأعز فئة لم تخط غرض الصواب سهام قسيها، وأفضل زمرة تفرق الأبطال إذا انحسر فوق كميها، وأشرف سادة عاد غنيها على فقيرها، وعاذ فقيرها بغنيها.
صلاة ترفل الأقلام من الطروس في سندسيها، وتبسم شفاه الطروس اللعس عن جوهري كلمها ولؤلؤيها، وشرف ومجد وكرم.
وبعد، فإن أولى النسب بأن ترعى له الأقلام حدوداً، وترفعه إلى غاية تعقد له على السماك ألوية تخفق عذباتها وبنوداً، وتودع في غاب متى دخله دعي داخله الخوف مما ملئ أساود وأسودا، وينتهي إلى محل إذا سرحت العيون في أفيائه لم تلق إلا نعمة وحسوداً.
نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نوراً ونم فلق الصباح عمودا
فهو بيت النبوة الذي أذهب الله عنه الرجس وطهره، وأعلاه على كل ذي شرف باذخ، وأظهره، وفرعه من شجرة أصلها ثابت من أبي القاسم، كما حرره النقل


صفحه 352

والنقد، وحبره، وفرعها في السماء، تتشعب غصونه من التبول وحيدره، ولم تزل نقابة الطالبيين تساهمهم الخلافة العباسية في المناصب، وتزاحمهم في كواكب المواكب بالمناكب، وتشركهم في كل عقد وحل، وتجاذبهم سقيا رياضهم بكل وابل وطل، وقد قال الشريف الرضي للطائع، وما استحيا، مهلاً أمير المؤمنين فإننا لم نتفرق في درجة العليا.
ولما خلت الآن هذه الوظيفة السنية، والرتبة العلية العلوية، من النقيب عماد الدين موسى بن جعفر، قدس الله روحه تطاول كل عرابة لتلقي راية مجدها بيمينه، ونظر بعين صلفه، وخطر بعطف شرفه، وشمم عرنينه، واحتاجت العصبة الطاهرة، والأنجم التي كل منها نير فكلها بحمد الله تعالى زاهرة إلى من يسد مسده، ويبلغ أشده الذي لا يبلغ الوصف حده أجمعوا رأيهم على من عقدوا عليه الخناصر، وحكموا بأن الأحق لما حواه من كرم الأصول، وطيب العناصر، واتفقت كلمتهم عليه بمجلس الحكم العزيز الشافعي زاده الله علواً، وأفاد أحكامه رفعة وسمعوا، وقال لسان حاله لما ولي:
لا سيف إلا ذو الفقار ... ولا فتى إلا علي
ولما كان الجناب العلالي الأميري العلائي أدام الله عزي شرفه، ونفع ببركة سلفه هو الذي أسر القلم ضميره، وحكم الفكر فيه بصفاء السريرة، وأشارت الصفات إليه،


صفحه 353

وكادت سماته الصادقة تدل الرائد عليه. فلذلك رسم بالأمر العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري، ولا زال الشرف بأوامره المطاعة يزيد علاء، ويفوق على مدى الأيام سناً وسناء أن يغوص إليه نقابة الطالبيين بدمشق المحروسة على عادة من تقدمه بحكم رضى السادة الأشراف به، لما حازه من مفاخرة التي تبتلج بها الوجه الوضاء، ومآثره التي يترنم بها الركبان على ذات الأضاء، ومناقبة التي انساقت إليه من الحسين إلى زين العابدين إلى محمد الباقر إلى جعفر الصادق إلى موسى الكاظم إلى علي الرضى، إلى محمد الجواد، وهلم جرا، حتى انتهى صباح ذلك إليه فأسفر بمساعيه وأضا، ولأنه من بيت أحياه محييه، وزاده زيناً، وجعل رئاسته، أعزه الله تعالى، في ذمة الزمان إلى هذا الوقت ديناً، وسماه علياً تفاؤلاً بعلوه، ولذلك جعل أول اسمه عيناً، فليفخر بهذا النسب الذي أضحى على هامة الجوزاء مرخى الذوائب والبيت الذي علت شرفات شرفه، فكأنما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب، والمكارم التي شرح الجود بها التباس المذاهب، وليجمع السادة الأشراف عليه بأحسانه، ويودع كبيرهم وصغيرهم من الحنو والرأفة سرادق أجفانه، وينشر عليهم ملاءة عارفته وعرفانه، ويعاملهم بالبر والتقوى حتى يروا طرف الزمان الذي عمه عمه، كيف من الله علي بإنسانه. وليحفظ عليهم أنسابهم المتصلة، ويضبط ما تفرع من أغصانه المتهدلة، حتى لا تشذ شذرة من مكانها، ولا تتركب حبة مع غير جمانها، ولينزهم عن مناكحة غيرهم من الأجانب، ومخالطة من لا يعادلهم في الدرج والمراتب، فقبيح بالجواهر أن ينخرط الجزع في أسلاكها، وغير لائق بالدراري أن لا تدور في غير أفلاكها، وليصنهم عن التبذل في اكتساب المعاش، والتظاهر بغير ما ألفوه من زينة اللباس والرياش.