بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 386

وكان هذا ظريف القد، أسيل الخد، وجفنه يجرد سيفاً ماضي الحد، وخده كأنما ورد الورد وما رد، ظريف العمة، لبق الشمائل، يود الغصن لو ضمة، والبدر لو وهبه كماله وتمه. يتجمل به الموكب إذا كان في دارته، والأفق إذا تخيل أنه في شارته. ومع حسنه البارع فكان لطيفاً، إذا خطا رأيت الجمال به مطيفاً، سهل الإنقياد، كثير الوداد، ليس فيه شمم، ولا عنده عن طلب الميل صمم.
ولم يزل إلى أن أذبل الموت ورد خده، وكف عن جفنه غرب حده.
وتوفي رحمه الله تعالى في أوائل شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ولم يبقل وجهه.

علي بن طنبغا قوين باشي
علاء الدين ابن الأمير علاء الدين نائب حمص ونائب غزة. تقدم ذكر والده في مكانه من حرف الطاء.
كان هذا علي ذا صورة جميلة، وطلعة كم جعلت القلوب من حسنها دمنة، والعيون كليلة، أرشق من الغصن إذا عطفته النسمات، وأعدل من الرمح إلا أن هذا ألطف حركات، كم فتن قلباً، وجعل من الصب دمعه صبا.
بينا هو بدر في ليالي كماله إذا به قد انخسف، وبينا هو غصن يميس في اعتداله إذا هو قد انقصف، وأنشد الناس قبره:
ما أنت يا قبر لا روض ولا فلك ... من أين جمع فيك الغصن والقمر
وتوفي رحمه الله تعالى بكرة الثلاثاء رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة، ومات عن اثنتين وعشرين سنة، وصلى عليه بسوق الخيل، وحضره الأمير سيف الدين والأمراء.
وكانت جنازته حافلة، وكان قد حج مرتين، وأثنى الناس عليه، وتألموا له ولوالده.

علي بن عثمان
ابن يعقوب بن عبد الحق السلطان أبو الحسن بن أبي سعيد بن أبي يوسف المريني، صاحب مراكش وفاس وغيرهما، المريني، تقدم ذكر والده في مكانه.
ملك أبو الحسن هذا، رحمه الله تعالى، بعد موت والده سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة. وكان سلطاناً فاضلاً، مناظراً للفقهاء ولأرباب السلاح مناضلاً.
قام بالجهاد مدة ملكه، ونظم كثيراً من البلاد في سلكه، امتشق الصوارم واعتقل الأسل، واشتار العسل من غزواته وما اختار الكسل، وباشر القتال بنفسه، وأقام وجهه للنبل مقام ترسه، ووجد ضرب المواضي أحلى من الضرب، وجاد بروحه للخطوب حتى كأنما له في قتله أرب. يكر على الأبطال، والسيف مصلت بكفه، ويقدم على الصفوف باجتهاد، كأنه يخاف أن يطعن من خلفه، فما حمل على جيش إلا أباده، وأبان للملائكة كره، وفره وطراده، وأجال في حومات الوغي


صفحه 387

جياده، وارتجل المنايا للأعادي وباده، وعلى صرح الإسلام وشاده، وأصلح فساد الدهر وأهله فساده، هذا مع فضائل بحرها زخار، وعلوم نيرها سيار.
ولم يزل في جهاد مع الفرنج، وحروب نصره الله فيها، وقد ظن أنه لم ينج، إلى أن أدبر سعده، وأخلفه الزمان وعده، وطالما صدق وعده، وخانه حتى ابنه، وساعده عليه حتى أدبرت شجاعته وأقبل جبنه، وهذه قاعدة الأيام التي قل ما انخرمت، وطالما أصبحت جمراتها رماداً بعد ما اضطرمت.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة خمس وخمسين وسبع مئة.
وكان هذا السلطان أبو الحسن قد صادق سلطاننا الأعظم الملك الناصر محمد بن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون، وهاداه وراسله، وجهز إليه التحف والطرف، وجهز إليه مرة في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة خمسين فرساً بسروجها وعددها المغربية صحبة الجهة التي حضرت للحجاز، وتدعى الحرة، وحضر معها شيء كثير من التحف النفائس.
قيل: إنها أحضرت معها صورة كرمة تحمل على رؤوس النساء، عناقيدها الجواهر النفيسة، وأحضرت من الثياب البيض الرفاع جملة وافرة. وكانت هذه السروج على كل ركاب منها طلاء ذهب، ستة سبعة دنانير، وأمر السلطان لها بجميع ما دعت حاجتها إليه من آلات الحج وزاده وماعون مائه لها ولمن حضر معها، وكان


صفحه 388

معها فيما أظن خمس مئة نفر، ولما عادت أرسل السلطان معها من تحف مصر وقماش إسكندرية، وقماش العراق شيئاً كثيراً.
وكان قد جهز إلى مكة، شرفها الله تعالى، ختمة بخط يده، وقر بعير مذهبة مليحة في بابها، والى القدس الشريف ختمة أخرى نظيرها صحبة ابن فرقاجة، وجهز معه مبلغاً اشترى به ملكاً ووقفه على من يقوم بقراءة القرآن هنا وهنا.
وكانت المكاتبات ما تنقطع بينهما كل قليل. وورد منه كتاب على السلطان الملك الصالح إسماعيل في أواخر شعبان سنة خمس وأربعين وسبع مئة على يد كاتبه ابن أبي مدين يعزي السلطان فيه بأبيه، ويهنئه بالجلوس على تخت الملك، ويذكر واقعة جرت له، ويطلب الدعاء، ويستنجد به على الأعداء، ونسخته بعد الحمدلة والصلاة: من عبد الله علي أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين، المنصور بفضل الله، المتوكل عليه، المعتمد به جزيع أموره ما لديه، سلطان البرين، حامي العدوتين، مؤثر المرابطة والمثاغرة، ومؤازر حرب الإسلام، مظاهر دين الملك العلام، ابن مولانا أمير المسلمين المجاهدين في سبيل رب العالمين، فخر السلاطين، حامي حوزة الدين، ملك البرين، إمام العدوتين، ممهد البلاد، مبدد شمل الأعاد، مجند الجنود، المنصور الرايات والبنود، محط الرحال، مبلغ الآمال، أبي سعيد ابن مولانا أمير المسلمين المجاهد في سبيل رب العالمين، حسنة الأيام، حسام الإسلام، أبي الأملاك، شجى أهل العناد والإشراك، مانع البلاد، رافع علم الجهاد، مدوخ


صفحه 389

أقطار الكفار، مصرخ من ناداه للاسنتصار، القائم لله بإعلاء دين الحق، أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق، أخلص الله لوجهه جهاده، ويسر في قهر عداة الدين مراده.
إلى محل ولدنا الذي طلع في أفق العلا بدراً تما، وصدع بأنوار الفخار فجلى ظلاماً وظلماً، وجمع شمل المملكة الناصرية، فأعلى منها علماً، وأحيا بها رسما، حائط الحرمين، القائم بحفظ القبلتين، باسط الأمان، قابض كف العدوان، الجزيل النوال، الكفيل تأمينه بحياطة النفوس والآمال، قطب المجد وسماكه، حسب الحمد وملاكه: السلطان الجليل، الرفيع الأصيل، الحافل العادل، الفاضل الكامل، الشهير الخطير، الأضخم الأفخم، المعان المورث المؤيد المظفر، الملك الصالح، أبو الوليد إسماعيل ابن محل أخينا الشهير علاؤه، المستطير في الآفاق ثناؤه، زين الأيام والليال، كمال عين إنسان المجد، وإنسان عين الكمال، وارث الدول، النافث بصحيح رأيه في عقود أهل الملل والنحل، حامي القبلتين بعدله وحسامه، النامي في حفظ الحرمين أجر اضطلاعه بذلك وقيامه، هازم أحزاب المعاندين وجيوشها، هادم الكنائس والبيع " فهي خاوية على عروشها "، السلطان الأجل الهمام، الأحفل، الأفخم، الأضخم، الفاضل العادل، الشهير الكبير، الرفيع الخطير، المجاهد المرابط، المقسط عدله في الجائر والقاسط، المؤيد المظفر المنعم المقدس المطهر، زين السلاطين، ناصر الدنيا والدين، أبي المعالي محمد ابن الملك الأرضى الهمام


صفحه 390

الأقضى، والد السلاطين الأخيار، عاقد لواء النصر في قهر الأرمن والفرنج والططار، محيي رسوم الجهاد، معلي كلمة الإسلام في البلاد، جمال الأيام، ثمال الأعلام، فاتح الأقاليم، صالح ملوك عصره المتقادم، الإمام المؤيد المنصور المسدد، قسيم أمير المؤمنين فيما تقلد، الملك المنصور، سيف الدنيا والدين قلاوون مكن الله له تمكين أوليائه، ونمى دولته التي أطلعها السعد شمساً في سمائه، وأحسن إبزاغه للشكر أن جعله وارث آبائه.
سلام كريم يفاوح زهر الربا مسراه، وينافح نسيم الصبا مجراه، يصحبه رضوان يدوم ما دامت تقل الفلك حركاته، ويتولاه روح وريحان تحييه به رحمة الله وبركاته.
أما بعد حمد الله مالك الملك، جاعل العاقبة للتقوى صدعاً باليقين ودفعاً للشك، وخاذل من أسر في النفاق النجوى، فأصر على الدخن، والإفك. والصلاة والسلام على نبينا محمد ورسوله الذي محا بأنوار الهدى ظلم الشرك، ونبيه الذي ختم به الأنبياء، وهو واسطة ذلك السلك، ودحا به حجة الحق، فمادت بالكفرة محمولة الأفلاك، وماجت بهم حاملة الفلك، والرضا من آله وصحبه الذين ملكوا سبل هاده، فسلك في قلوبهم أجمل السلك، وملكوا أعنة هواهم، فلزموا من محجة الصواب أسحج الهلك، وصابروا في جهاد الأعداء، فزاد خلوصهم مع الابتلاء. والذهب


صفحه 391

يزيد خلوصاً على السبك، والدعاء لأولياء الإسلام، وحماته الأعلام بنصر لمضائه في العدا أعظم الفتك، ويسر بقضائه درك آمال الظهور، وأحفل بذلك الدرك، فكتبنا إليكم - كتب الله لكم رسوخ القدم، وسبوغ النعم - من حضرتنا بمدينة فاس المحروسة وصنع الله سبحانه تعرف مذاهب الألطاف، وتكيف مواهب تلهج الألسنة في القصور عن شكرها بالاعتراف، وتصرف من أمره العظيم وقضائه المتلقى بالتسليم ما يتكون بين الكاف والنون، ومكانكم العتيد سلطانه، وسلطانكم المجيد مكانه وولاؤكم الصحيح برهانه، وعلاؤكم الفسيح في مجال الجلال ميدانه، والى هذا زاد الله سلطانكم تمكيناً، وأفاد مقامكم تحصيناً وتحسيناً، وسلك بكم من سنن من خلفتموه سبيلاً مبيناً، فلا خفاء بما كانت عقدته أيدي التقوى ومهدته الرسائل التي على الصفاء تطوى بيننا وبين والدكم نعم الله روحه وقدسه، وبقربه مع الأبرار في عليين آنسه - من مؤاخاة أحكمت منها العقود تالية الكتب والفاتحة، وحفظ عليها محكم الإخلاص معوذتاها المحبة والنية الصالحية، فانعقدت على التقوى والرضوان، واعتضدت بتعارف الأرواح عند تنازح الأبدان حتى استحكمت وصلة الولاء، والتحمت كلحمة النسب لحمة الإخاء، فما كان إلا وشيكاً من الزمان، ولا عجب في قصر زمن الوصلة أن يشكوه الخلان ورد وارد أورد رنق المشارب، وحقق قول: " ومن يسأل الركبان عن كل غائب "، أنبأ باستئثار الله بنفسه الزكية وإكنان درته السنية، وانقلابه إلى ما أعد له من المنازل الرضوانية بجليل ما وقر لفقده في الصدور، وعظيم ما تأثرت له النفوس لوقوع ذلك المقدور حناناً للإسلام بتلك الأقطار وإشفاقاً من أن يعتور قاصدي بيت الله الحرام من حر الفتن عارض الأضرار، ومساهمة في مصاب الملك الكريم،


صفحه 392

والولي الحميم، عميت الأخبار، وطويت طي السجل الآثار، فلم نر مخبراً صدقاً ولا معلماً بمن استقر له ذلك الملك حقاً، وفي أثناء ذلك أحفزنا الحركة عن حضرتنا لاستصراخ أهل الأندلس وسلطانها وتواتر الأخبار بأن النصارى أجمعوا على خراب أوطانها، ونحن أثناء ذلكم الشأن نستخبر الوارد من تلكم البلدان عما أجلى عنه ليل الفتن بتلكم الأوطان.
فبعد لأي وقعنا منها على الخبير، وجاءنا بوقاية حرم الله بكم البشير، وتعرفنا أن الملك استقر منكم في نصابه، وتداركه الله منكم بفاتح الخير من أبوابه، فأطفأ بكم نار الفتنة وأخمدها، وأبرأ من أدواء النفاق ما أعل البلاد وأفسدها. فقام على سبيل الحج سابلا، وتعبد طريقه لمن جاء قاصداً أو قافلاً، ولما اجتمعت بهذا الخبر القرائن، وتواتر بنقله الحاضر له والمعاين، أثار حفظ الاعتقاد البواعث، والود الصحيح تجره حقاً الموارث، فأصدرنا لكم هذه المخاطبة المتفننة الأطوار، الجامعة بين الخبر والاستخبار الملبسة من العزاء والهناء ثوبي الشعار والدثار، ومثل ذلكم الملك رضوان الله عليه من يجل المصاب لفقدانه، وتحل عرا الاصطبار لموته ولات حين أوانه، ولكن الصبر الجميل أجمل ما ارتداه ذو عقل حصين، والأجر أولى ما اقتناه ذو دين متين، ومثلكم من لا يخف وقاره، ولا يشف عن ظهور الجزع للحادث اصطباره ومن خلفكم فما مات ذكره، ومن قمتم بأمره فما زال بل زاد فخره، وقد طالت والحمد لله العيشة الراضية بالحقب، وطاب بين مبتداه ومحتضره هنيئاً بما من الأجر اكتسب،


صفحه 393

وصار حميداً إلى خير المنقلب، ووفد من كرم الله على أفضل ما منح موقناً ووهب، فقد ارتضاكم الله بعده لحياطة أرضه المقدسة، وحماية زوار بيته مقيمة أو معرسة، ونحن بعد بسط هذه التعزية نهنئكم بما خولكم الله أجمل التهنئة، وفي ذات الله الإيراد والإصدار، وفي مرضاته سبحانه الإضمار والإظهار، فاستقبلوا دولة ألقى العز عليها رواقه، وعقد الظهور عليها نطاقه، وأعطاها أمان الزمان عهده وميثاقه، ونحن على ما عاهدنا عليه الملك الناصر رضوان الله عليه من عهود موثقة، وموالاة محققة وثناء كمائمه عن الزهر غب القطر مفتقه، ولم يغب عنكم ما كان من بعثنا المصحفين المكرمين اللذين خطتهما منا اليمين، وأوت بهما الرغبة من الحرميين الشريفين إلى " قرار مكين "، وأنه كان لوالدكم الملك الناصر؛ تولاه الله برضوانه وأورده موارد إحسانه؛ في ذلك من الفعل الجميل، والصنع الجليل، ما ناسب مكانه الرفيع، وشاكله فضله من البر الذي لا يضيع حتى طبق فعله الآفاق ذكرا، وطوق أعناق الوراد والقصاد براً، وكان من أجمل ما به تحفى وأتحف، وأعظم ما يعرف إلى رضا الملك العلام في ذلك تعرف، إذنه للمتوجهين إذ ذاك في شراء رباع توقف على المصحفين، ورسم المراسم المباركة بتحرير ذلك الوقف مع اختلاف الجديدين، فجرت أحوال القراء فيها بذلك الخراج المستفاد وبما يصلهم من خراج ما وقفناه عليهم بهذه