وذلك أن قولك في صغير ... هو المحمول ليس هو الصغير
وفي الكبرى هو الموضوع فاعلم ... فمن ذياك للشرط الثبور
وإن رمت التوصل باجتلاب ... مقدمة بها يقع العثور
على تحقيق مظروف وظرف ... فمشترك عن المعنى قصير
فمعنى البدر في فلك صغير ... يخالف ما تضمنه الكبير
فلم يحصل لشرطهما وجود ... لذلك أنتجا ما لا يصير
وفي التحقيق لا إنتاج لكن ... لأجلك قلت قولك لي عذير
وأما إن أردت عموم معنى ... وذلك فيهما معنى شهير
فينتج آمناً من كل شك ... وليس عليه إيراد يصير
فذاك جواب ما قد سلت يا من ... غدا في العلم ليس له نظير
وما عنه تقاعس منك فهم ... وكيف ومنك تنل الصخور
فأنت البدر حسناً وانتقالاً ... بأفلاك مضاعفة تسير
لحامله السريع وتالييه ... دليل أن خالقه قدير
يرى ذو الهيئة النحرير فيها ... عجائب ليس يحويها الضمير
فسبحان الذي أنشأه بر ... رحيم قاهر رب غفور
وصلى الله رب على نبي ... هو الهادي به قد تم نور
وكتبت أنا إليه سؤالاً من علم المناظر:
قاضي قضاة الشام يا من له ... فوائد كالديم الهاطلة
ومن له معرفة قد غدت ... لكل علم في الورى شاملة
ومن إذا حل بنا مشكل ... يلقا بالأجوبة الفاصلة
وهو إمام الناس في فنهم ... وفي فنون عنده حاصله
من كذب الحس فما عنده ... بينة تعضده عادله
لكن هذا القطر في جوه ... غدا خطوطاً للثرى نازله
كذلك النقطة فوق الرحى ... تبصرها دائرة جائله
فبين العلة في صدقنا ... أولا فدعواكم إذا باطله
وابق مدى الأيام في نعمة ... بدورها مشرقة كالمة
فكتب هو رحمه الله الجواب إلي مختصراً:
علتها السرعة مع وهمنا ... ومن خيال لم يزل خاتلة
يقضي بها الوهم ويأبى الحجى ... وهو الذي أحكامه عادلة
والحس مقصور على رؤية ... مبصرة للصورة الحاصلة
وكتب أيضاً رحمه الله تعالى جواباً مطولاً في ثلاثة وأربعين بيتاً وقد أثبتها بكمالها في كتابي ألحان السواجع بين البادي والمراجع، وقال لي يوماً: نظمت بيتاً مفرداً من ثماني عشرة سنة، وزدت الآن عليه بيتاً في هذه السنة، وكانت سنة سبع وأربعين وسبع مئة، وهما:
لعمرك إن لي نفساً تسامى ... الى ما لم ينل دارا بن دارا
فمن هذا أرى الدنيا هباء ... ولا أرضى سوى الفردوس دارا
فأعجباني، وقلت في مادتهما، إلا أن بيتيه رحمه الله تعالى أحسن وأصنع من
قولي:
لعمرك إن للباقي التفاتي ... ومالي نحو ما يغني طريقه
أرى الدنيا وما فيها مجازاً ... وما عندي سوى الأخرى حقيقه
وحصل له في وقت ما شرى، فكتب إليه جمال الدين محمد بن نباتة المصري:
يفديك يا قاضي القضاة عليهم ... من كل داء تشتكي كل الورى
شهد الشرى لك حين زارك بالتقى ... والصبر والصدقات لما خبرا
لا تعدم المدح الروائح سيداً ... هذي خلائقها بتخبير الشرى
فلما حضرت عنده أراني إياها، فلا وقفت عليها علمت ما أراده من خطأ التورية مع الناظم فمضيت من عنده وعدت إليه وقد كتبت أنا إليه بعد ذلك:
لما اشتكى قاضي القضاة فديته ... من كل سوء يشتكي منه الورى
عاينته لأذى الشرى متصبراً ... فعلمت حقاً أنه أسد الشرى
وربحت توريتي التي قعدت وما ... خسرت ولم أنطق بتخيير الشرى
فأعجبه ذلك وجبر على عادته معي، وفساد التورية مع الناظم الأول هو أن الشرى، بفتح الشين، مقصور؛ وهو المرض المعروف عند الأطباء بالماشرى، وهو الخراج الصغار التي تتولد من مادة دموية لذاعة، والشِرى بكسر الشين، مصدر شرت شرى، ففسدت توريته.
ووصل الخبر مع البريد من مصر بوفاته قدس الله روحه في يوم الجمعة سابع جمادى
الآخرة سنة ست وخمسين، فكتبت مرثية إلى ابنه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب، وأنشدت في صبيحة العزاء بالعادلية، وهي:
أي طود من الشريعة مالا ... زعزعت ركنه المنون فزالا
أي ظل قد قلصته المنايا ... حين أعيا على الملوك انتقالا
أي بحر قد فاض بالعلم حتى ... كان منه بحر البسيطة آلا
أي حبر مضى وقد كان بحراً ... فاض للواردين عذباً زلالا
أي شمس قد كورت في ضريح ... ثم أبقت بدراً يضي وهلالا
مات قاضي القضاة من كان يرقى ... رتب الاجتهاد حالاً فحالا
مات من فضل علمه طبق الأر ... مسيراً وما تشكى كلالاً
كأن الشمس في العلوم إذا ما ... أشرقت أصبح الأنام ذبالا
كان كل الأنام من قبل ذا العص؟ ... ر عليه في كل علم عيالا
؟ كان فرد الوجود في الدهر يزهى ... بمعالي أهل العلوم جمالا
فمضوا قبله وكان ختاماً ... بعدهم فاعتدى الزمان وصالا
كملت ذاته بأوصاف فضل ... علم البدر في الدياجي الكمالا
وأنام الأنام في مهد عدل ... شمل الخلق يمنة وشمالا
لمن بعده نشيد رحاباً ... ولمن بعده نشد رحالا
وهو إن رمت مثله في علاه ... لم تجد في السؤال عنه سوى لا
أحسن الله للأنام عزاهم ... فهم بالمصاب فيه ثكالى
ومصاب السبكي قد سبك القل؟ ... ب وأودى منا الجلود انتحالا
خزرجي الأصول لو فاخر النج؟ ... م علا مجده عليه وطالا
خلق كالنسيم مر على الرو ... ض سحيراً وعرفه قد توالى
ويد جودها يفوق الغوادي ... تلك ماء همت وذا صب مالا
أيها الذاهب الذي حين ولى ... صار منه عز الدموع مذالا
لو أفاد الفداء شخصاً لجدنا ... بنفوس على الفدا تتغالى
أنفس طالما تنفس عنها ... منك كرب يكظها واستحالا
أنت بلغتها المنى في أمان ... فاستفادت غنى غزت منالا
من لنا إن دجت شكوك شكونا ... من أذاها في الذهن داء عضالا
كنت تجلو ظلامها ببيان ... حل من عقلنا الأسير عقالا
من يعيد الفتوى إلى كل قطر ... منه جاءت جوابها يتلالا
قد صببت الصواب فيها وأهدي؟ ... ت هداها وقد محوت المحالا
فيقول الورى إذا ما رأوها ... هكذا هكذا وإلا فلا لا
فليقل من يشاً ما شاء إن المو ... ت أردى الغضنفر الرئبالا
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
قد تقضى قاضي القضاة تقي ال؟ ... دين سبحان من يزيل الجبالا
فالدراري من بعده كاسفات ... وإذا ما بدت تراها خجالى
كان طوداً في علمه مشمخراً ... مد في الناس من بنيه ظلالا
فبهاء بها ونعمت وتاج ... فوق فرق العلياء راق اعتدالا
هو قاضي القضاة صان حماه ... من عوادي الزمان ربي تعالى
وهداه للحكم في كل يوم ... فيه يرعى الأيتام والأطفالا
وحباه الصبر الجميل ووفا ... هـ ثواباً يهمي سحابا ثقالا
ليبيد العدى جلاداً ويغدو ... فيفيد الندى ويبدي الجدالا
وكتبت بعد ذلك إلى ولده الشيخ الإمام بهاء الدين أحمد بمصر أعزيه:
؟ وهكذا جيشه المعهود نصرته ... على أعاديه بعد اليوم ينهزم
أهكذا جبل الإسلام ينهدم ... وهكذا سيفه المسلول ينثلم
وهكذا مجده الراسي قواعده ... تنحط منه أعاليه وتنحطم
وهكذا البدر في أعلى منازله ... وسعده قد محت أنواره الظلم
وهكذا البحر يمشي وهو ذو يبس ... من بعد ما كان في عرنينه شمم
وهكذا كل ميت حل في جدث ... بكى له الفاقدان العلم والكرم
وقد نعى العدل منه سيرة كرمت ... يحفها الزاهران الحلم والنعم
والورق تملي لنا في وصفه خطباً ... يقلها المنبران البان والسلم
ولو أراد الأعادي كتمها اعترفت ... بفضلها الشاهدان العرب والعجم
قل للعدى إن جهلتم قدر رتبته ... فالبيت يعرفه والحل والحرم
والليل والذكر والمحراب شاهده ... والشرع والحكم والتصنيف والقلم
ومن يقل إنه يدري مكانته ... فما خفي عنهم أضعاف ما علموا
فكم كماة من النظار قد مهروا ... في البحث جاؤوا بما ظنوا وما زعموا
فكر فيهم بلا فكر وجد لهم ... جداله ثم لما سلموا سلموا
؟ وقصروا عن مبادي غاية حصلت ... له وأين عقاب الجو والرخم
ولوا فراراً وقد ألقوا سلاحهم ... وهم أناس على التحقيق قد وهموا
عليه هزمهم في كل معركة ... وما عليه بهم عار إذا انهزموا
شكوا فتوراً رأوه في بصائرهم ... ولو ألموا به من قبل ما ألموا
ما الناس إلا سواء في بيوتهم ... ما الشأن في أمرهم إلا إذا التحموا
كل يرى أنه راح منفرداً ... ليث وأقلامه من حوله أجم
فإن تضمهم وقت الجدال وغى ... فغندها تظهر الأقدار والقيم
تزايد الحلم من زاكي سجيته ... فلم يكن من عداه قط ينتقم
موفق الحكم والفتوى على رشد ... ما ند منه على ما قد مضى ندم
كم بات ينصر مظلوماً رآه وقد ... أودى وجانبه بالضعف يهتضم
كان ابن تيمية بالفضل معترفاً ... وهو الألد الذي في بحثه خصم
يثني عليه وقد أبدى بفكرته ... أوهامه فيراها وهو يبتسم
وما أقر لمخلوق سواه وفي ... زمانه كل حبر علمه علم
قاضي القضاة تقي الدين حين قضى ... غدا أولو العلم لم يهناهم حلم
وكيف يهنأ عيش بعده وبه ... قد كان شمل الهدى بالحق يلتئم
فاليوم أقفر ربع المكرمات وقد ... شط المزار وأقوت دونها الخيم
مات الذي كان إن تسأله غامضة ... خلاك من حلها في العلم تحتكم
يا سائراً فوق أعناق الرجال وكم ... سعت له في المعالي والهدى قدم
خدمت علمك وقتاً والأنام إلى ... يوم القيامة فيما قلته خدم
تركت فينا تصانيفاً تخاطبنا ... فأنت حي ولما تنشر الرمم
ما مثل سيرتك المثلى إذا ذكرت ... بالحمد تبدو وبالتقريظ تختم
أقمت في مصر والأخبار نافحة ... طيباً تسير بها الوخادة الرسم
ما كنت إلا إمام الناس قاطبة ... في النقل والعقل تقضي كلما اختصموا
وكل مشكلة في الدين معضلة ... يضيق فيها على سلاكها اللقم
تحل شبهتها من حيثما عرضت ... بالحق إذ لست في الترجيح تتهم
مطهر الذات من ريب تضيء لنا ... منك العوارف والأخلاق والشيم
يكاد من رقة فيه يهب صباً ... هذا وقد برحت أحداثه الحطم
من أجل ذا غدت أيامه غرراً ... بيضاً ولم يقض فيها أن يراق دم
كف على عدد الأنفاس في هبة ال؟ ... أموال ما سامها من بذلها الديم
يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم
لكن صبرنا على التفريق وهو أذى ... وما لجرح إذا أرضاكم ألم
مهما نسيت فما أنسيت برك بي ... عند الظما ونداك البارد الشبم
وفرط جبرك إذ تثنيني علي بما ... لا أستحق وذاك الحفل مزدحم
حتى أغالط نفسي في حقيقة ما ... أدريه منها وفي علمي بها أهم
فعال من طبع الباري سجيته ... على مكارم منها الناس قد حرموا
وكاد دهري لياليه تسالمني ... وكاد يصرف عني الشيب والهرم
والله لا فترت مني الشفاه عن الد ... عا ولا افتر لي من بعد ذاك فم
فاصبر أبا حامد فالناس قد فجعوا ... فيمن مضى لم تخصص أنت دونهم
تشارك الناس في هذا العزاء كما ... نعمى أياديه فيها الناس تقتسم
وانظر وقس يا إمام الناس كلهم ... فإن سلمت فكل الناس قد سلموا