ومولده سنة إحدى عشرة وست مئة. هكذا رأيت كمال الدين الأدفوي ذكر هذه الوفاة وهذا المولد، ووافقه على ذلك شيخنا الذهبي. والظاهر أن هذا هو الصحيح، لأن من يولد سنة إحدى عشرة وست مئة، يمكن وفاته سنة سبع وتسعين وست مئة.
ورأيت شيخنا البرزالي قد ذكر وفاته في تاسع عشر شهر رمضان سنة أربع عشرة وسبع مئة، والله أعلم.
وذكر أنه أضر، وأنه رتب صوفياً في خانقاه الطاحون بدمشق.
وقال شيخنا الذهبي: كتب لي بمروياته في سنة سبع وتسعين وست مئة.
ومن مصنفاته كتاب النبراس المضيء في الفقه، وكتاب المنظومة الأسدية في اللغة، مجلدة، وكتاب كنز الحساب في الحساب، مجلدة، وكتاب روضة الأريب في التاريخ، سبعة وعشرون مجلداً، وصنف في السيرة وفي التصوف، وله كتاب الملاحة في الفلاحة.
وله نظم، منه قوله:
زارني في الظلام أهيف كالبد ... ر بوجه منه يلوح النور
قلت: أهلاً لو كنت زرت نهاراً ... قال: مهلاً في الليل تبدو البدور
قلت: هو عكس قول أبي العلاء المعري:
هي قالت لما رأت شيب رأسي ... وأرادت تنكر وازورارا
أنا بدر وقد بدا الصبح في رأ ... سك والصبح يطرد الأقمارا
لست بدراً وإنما أنت شمس ... لا ترى في الدجا وتبدو نهارا
ومن شعر ظهير الدين الكازروني:
مقرطق بالجمال ذو هيف ... يضرب فيه بعشقي المثل
يرمي بسهم من غنج ناظره ... يا بأبي من نبالها المقل
أسهر طرفي فتور ناظره ... والعشق داء دواؤه القبل
ظلم ثناياه بارد شيم ... كأنه في مذاقه عسل
بدر جمال بقلب عاشقه ... عن لوم عذاله به شغل
تاه علينا بحسن صورته ... وغنج طرف يزينه الكحل
قلت: شعر مقبول، وقوله: " والعشق داء دواؤه القبل "، ما له علاقة بنصفه الأول.
قال شيخنا الذهبي: كتب إلي بمروياته عام سبع وتسعين.
علي بن محمد بن خطاب
الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه الأصولي النظار علاء الدين الباجي الشافعي.
سمع بدمشق من أبي العباس التلمساني جزء ابن جوصا.
كان في أهل مصر شامه، ولكل من أم في علم إمامه، قل من جاء بعده مثله ورأى أمامه. طلق العبارة، إذا أرسل سهم بحث لا يخطئ الإشارة. ناظر العلامة
تقي الدين بن تيمية، وفاز دونه بالأولوية. وكان يباحث كل من قل وجل. ويسقي الوبل الغدق لا الطل. ولم يسمع منه بحث نازل، ولا خلت من فوائده ربوع الديار المصرية ولا المنازل.
وكان آية من الآيات، وغاية نأت عن لحاق شأوها من الغايات:
لا تجسر الفصحاء تذكر عنده ... بحثاً ولو كان الهزبر الباسل
ولم يزل يقرئ الطلبة ويفيد، ويبدي الغرائب لهم ويعيد، إلى أن ناجى الباجي حمامه وبكاه حتى على الأراك حمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم الأربعاء سادس ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
صنف وأفتى وناب في الحكم بالشارع خار القاهرة، واشتغل الناس عليه طائفة بعد طائفة. واختصر المحرر في الفقه، والمحصول في الأصول، مختصرين: كبيراً وصغيراً، واختصر كشف الحقائق في المنطق، وصنف في الفرائض والحساب، ورد على ما بيد اليهود من التوراة، ورد على ذلك اليهودي الذي سأل الفتيا نظماً، وقد تقدمت في ترجمة الشيخ علاء الدين القونوي، وعمل رده نظماً.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول: العلاء يطلق عليه عالم. وحضر درسه في المدرسة الصالحية، فوقع بحث في كلام الغزالي في الوسيط، فقال
الباجي: الغزالي عدل في العبارة المقتضية كذا، حتى لا يرد عليه كذا. وهذا العبارة التي قالها يرد عليها خمسة عشر سؤالاً، وسردها. فقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: كم سنك؟ فقال: كذا، فقال: وهذا كله حصلته في هذا السن.
وقال الفاضل كمال الدين الأدفوي: قال شيخنا العالم الثقة نجم الدين الأصفوني: حضرت درس الشيخ تقي الدين، فقال: يا فقهاء جاء شخص يهودي، ويطلب المناظرة. فسكت الناس. وقال الباجي: أحضروه، فنحن بحمد الله مليون بدفع هذه الشبه. وقال لي رحمه الله تعالى لما أحضروا ابن تيمية، طلبت في جملة من طلب، فجئت لقيته يتكلم، فلما حضرت قال: هذا شيخ البلاد، فقلت: لا تطرني ما هنا إلا الحق، وحاقته على أربعة عشر موضعاً، وغير ما كان كتب به خطه.
وكان أخيراً قد نسب إليه كلام، واختفى بسببه مدة، وكان له ابنان فاضلان تكلما عنه، ثم إنه تقشف، وصار بفرجية مفتوحة لطيفة، وعمامة بكراثة لطيفة جداً لا تكاد تظهر.
وتولى تدريس السيفية، وكان معيداً بالمنصورية والصالحية.
ورأيت أنا شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي يعظمه كثيراً إلى الغاية، ويثني على فضائله المنوعة. وكان قد ولي وكالة بيت المال بالكرك في الأيام الظاهرية.
وقال شيخنا البرزالي: أجاز لنا جميع ماله روايته.
وأنشدني قاضي القضاة تقي الدين السبكي من لفظه أبياتاً رثاه بها، ومنها:
فلا تعذليه أن يبوح بسره ... على عالم أودى بلحد مقدس
تعطل منه كل درس ومجمع ... وأقفر منه كل ناد ومجلس
ومات به إذا مات كل فضيلة ... وبحث وتحقيق وتصفيد مبلس
وإعلاء دين الله إن يبد زائغ ... فيخزيه أو يهدي بعلم مؤسس
وكان شيخنا العلامة أثير الدين أبو حيان يثني عليه كثيراً. أخبرني قال: قرأ عليه يسيراً من مختصره في أصول الفقه، وسمعن عليه دروساً، وأنشدني من لفظه لنفسه:
رثى لي عذلي إذ عاينوني ... وسحب مدامعي مثل العيون
وراموا كحل عيني، قلت: كفوا ... فأصل بليتي كحل العيون
قلت: كأن الشيخ علاء الدين رحمه الله تعالى نظر في هذا المعنى إلى قول السراج المحار:
شكوت الذي ألقاه من ألم الهوى ... وقلبي عن وصف الأطباء في شغل
وقالوا اشرب المغلي تجد فيه راحة ... فقلت: وذا أصل الذي بي من المغل
وأنشدني الشيخ أثير الدين قال: أنشدنا الباجي لنفسه:
بالبلبل والهزار والشحرور ... يسبى طرباً قلب الشجي المهجور
فانهض عجلاً وانهب من اللذة ما ... جادت كرماً به يد المقدور
وأنشدني شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي إجازة، قال: أنشدنا لنفسه:
حياة وعلم قدرة وإرادة ... وسمع وإبصار كلام مع البقا
صفات لذات الله، جل، قديمة ... كذا الأشعري الحبر ذو العلم والتقى
علي بن محمد بن عبد الله
ابن عبد الظاهر بن نشوان، الصدر الكبير الرئيس النبيل الكاتب علاء الدين بن القاضي فتح الدين بن القاضي محيي الدين.
سمع بقراءة الشيخ شمس الدين الذهبي من ابن الخلال.
وكان القاضي علاء الدين كثير المكارم، بيته مجمع الفضلاء والأدباء، ومحله محط الخاملين والنبهاء والنبلاء، لا يزلا يراعي مصالح الناس ويساعدهم على بلوغ مآربهم البعيدة من القياس. يؤثر الواردين والصادرين بملابيسه ومراكيبه، وينتاشهم من ورطاتهم، ولو كانوا بني ما ضغي الدهر ومخاليبه.
وكان في أيام سلار هو المشار إليه، والمعول فيما يرسم به عن الدولة عليه. وكان
هو الذي خرج بهاء الدين أرسلان وهذبه، وفقهه وكتبه، لأنه كان يهواه، ويغضي طرفه، ويطوي على جوانحه جواه.
ولما عاد السلطان من الكرك، وتولى أرسلان الدوادارية ما شك هو ولا غيره أن كتابة السر تتعداه، ولا أن الملك يضطلع بغيره ويتحداه، فما قدر الله له ذلك، ولم يجئ حساب الدهر هنالك، ولكنه كان يوقع في الدست بين يدي السلطان إلى آخر وقت، والسلطان يضمر له البغض والمقت، ويقول إذا رآه من بعيد: سبحان الرازق، هذا يأكل رزقه على رغم أنفي وأنف الخلائق.
وكان القاضي علاء الدين حسن الشكل ظريف العمامة نظيف الملبوس ظاهر الوسامة طيب الرائحة، يعم مجلساً يكون فيه بهباته الفائحة. يكتب خطاً فائقاً من أين للعقود اتساقه، وللروض اليانع زهراته التي تضمنها أوراقه. قل أن اجتمعت مفرداته في غيره، أو بلغ مترفع في الجو مطار طيره، وإليه كانت الرياسة في زمانه، وإياه عنى مداح عصره وأوانه.
ولم يزل في توقيع الدست إلى أن اجتث منه الدهر جرثومة الرئاسة، وأخلى مصره من السيادة والنفاسة. وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس رابع شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبعين وست مئة.
وكتب الإنشاء في الدولة المنصورية، وعمره إحدى عشرة سنة، سنة ست وثمانين وست مئة.
وكان الملك الناصر يكرهه لكونه قد اختص بالأمير سيف الدين سلار.
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله، قال: قال لي السلطان الملك الناصر: ما كرهته لأجل شيء، وإنما خان مخدومه يعني سلار، لأنه استكتبه شيئاً واستكتمه إياه، فجاء إلي وعرفني به. وأخبرني أيضاً أن السلطان لما جاء من الكرك قال للأمير عز الدين الدوادار: الساعة يجيء إليك طعام من عند علاء الدين بن عبد الظاهر، فأقبله منه، فلم يكن قليل حتى جاءه ذلك فقبله. وعرف به السلطان، فقال له السلطان: الساعة يبعث إليك خرفاناً وأرزاً وسكراً، ويقول: يا خوند، أنا ما عندي من يطبخ ما يصلح لك، دع مماليك يشوون لك هذا، فما كان إلا عن قليل حتى جاء ذلك فأخذه وعرف السلطان به، فقال: الساعة يجهز إليك ذهباً ويقول: هذا أريده يكون وديعة في خزانة الأمير، فإنه أحرز عنده من بيتي، فما كان إلا أن جرى ذلك، وقال: يا خوند، قد بعت لي ملكاً، وأخاف أن