يسرق ثمنه، وقد أرصدته للحجاز، وأريد أن يكون في خزائنك، فأخذ الورقة، وعرضها على السلطان، فقال له السلطان: اكتب في قفاها: يا علاء الدين، نحن ما نغير شرف الدين بن فضل الله، وإن غيرناه فما نولي إلا علاء الدين بن الأثير، فوفر ذهبك عليك، وخله عندك.
وكان القاضي علاء الدين كثير الرياسة والإحسان إلى من ينتمي إليه.
وللعلامة شيخنا شهاب الدين محمود فيه أمداح كثيرة، ولما مات رثاه بقصيدة طنانة كتب بها إلى ناصر الدين شافع رحمهم الله أجمعين أنشدنيها إجازة، وهي:
الله أكبر أي ظل زالا ... عن آمليه وأي طود مالا
أنعي إلى الناس المكارم والندى ... والجود والإحسان والإفضالا
ومهذباً ملأ القلوب مهابة ... والسمع وصفاً والأكف نوالا
حاز الرئاسة فاغتدى فيها به ... أهل المفاخر تضرب الأمثال
وحوى من الآدب ما أضحى به ... أهل البيان على علاه عيالا
طلق المحيا لو يقابل وجهه ال؟ ... أنواء ظل جهامها هطالا
متمكن من عقله فكأنه ... قد شد فيه عن الهنات عقالا
رحب الندى تنسي بشاشة وجهه ... ما زاده أوطانه والآلا
طرقته أيدي الحادثات فزعزعت ... منه مآلاً للعفاة ومالا
وسطت على الشرف الرفيع فقلصت ... عن ذك الحرم المنيع ظلالا
فجعت يتامى من ذؤابة هاشم ... أمسى أباً لهم وإن يك خالا
فقدت أياماهم بفقد عليهم ... وكذا اليتامى عصمة وثمالا
ونضت مكلاءة كل مكرمة ضفت ... عنها فعاد لباسها الأسمالا
وأعادت المجد المؤثل بعده ... كأنا غدير حياً فعادا آلا
من للسماحة والفصاحة بعده ... قولاً يقال وكان قبل فعالا
من للوجاهة والنباهة بعده ... إن قال في نادي الندى أو قالا
من للفتوة والمروة أزمعا ... لما ترحل بعده الترحالا
من للكتابة حين أضحى جيدها ال؟ ... حالي بدر بيانه معطالا
قد كان فارسها الذي بيراعه ... كم راع قبل أسنة ونصالا
وجوادها إن رام سبقا حازه ... فيها وقرطس إن أراد نضالا
وخطيبها ما أم منبر كفه ... قلم فغادر للأنام مقالا
من للبلاغة رامها من بعده ... كل فكانت كالنجوم منالا
يا نجل فتح الدين أغلق رزئكم ... باب الرجاء وأوثق الأقفالا
لهفي على تلك البشاشة كم بها ... بسطت لوافد رفده آمالا
لهفي على تلك المكارم كم سقت ... ظامي الرجاء البارد السلسالا
لهفي على تلك المروءة كم قضت ... سولاً لمن لم يبد منه سؤالا
لهفي على آلائه كم ثقلت ... ظهراً وكم قد خففت أثقالا
لهفي على تلك المآثر لم تطع ... في فعلها اللوام والعذالا
أبكي عليه وقل مني أنني ... أبكي عليه وأكثر الإعوالا
أدعو دموعي والعزا فيجيبني ... ذا هاملاً ويصد ذا إهمالا
وإذا اعتبرت الحزن كان حقيقة ... وإذا اعتبرت الصبر كان محالا
وإذا غفلفت أقام لي إحسانه ... في كل وقت من سناه مثالا
وإذا هجعت فإنما زار الكرى ... ليروع قلبي أن أراه خيالا
قد كان يكرم جانبي ويجلني ... وإذا ذكرت أطابه وأطالا
ويجلني كأبيه في تبجيله ... حتى أقول قد استوينا حالا
فعلام لا أبكي وأستسقي له ... سحب القبول من الكريم تعالى
ولقد صحبت أباه قبل وجده ... وهما هما مجداً سما وكمالا
فوجدته قد حاز مجدهما معاً ... فرداً ونال من العلا ما نالا
ومضى حميداً طاهراً ما دنست ... أيدي الهوى لبروده أذيالا
عجل الحمام على صباه فلا ترى ... إلا دموعاً تستفيض عجالا
يا ناصر الدين ادرع صبراً فقد ... فارقت ثم صبرت ذاك الخالا
ورزيت قبل فراق خالك بابنه ... فحملت أعباء الخطوب ثقالا
وختام هاتيك الحوادث فقد ذا ... فأعاد حزناً كان مر وزالا
فاسلم لتبلغ بابنه العليا التي ... فسحت لهم فيها النجوم مجالا
فالأجر جم والعزاء طريقه ... فاصبر فلست ترى لها أمثالا
هي هذه الدنيا كشمس إن علت ... وافت عزوباً بعده وزوالا
كم خيبت أملاً وأتبعت الرجا ... يأساً وغادرت المصون مذالا
يسري بنا الآمال فيها غرة ... فيزيرنا ذاك السرى الآجالا
تباً لها من غفلة فإلى متى ... نرجو البقاء ونرجئ الآمالا
أو ما ترى فعل المنون بغيرنا ... نادتهم فتتابعوا إرسالا
سيما لمن قد جاز معتك الردى ... وغدا لقطب رحى المنون ثفالا
عجباً لبال في غد تحت الثرى ... أنى يرى في اليوم ينعم بالا
كم تخطئ الأسقام من أضحى لها ... هدفاً وقد بعثت إليه نبالا
سيان من نزل القبور اليوم والسفر الذين غدوا غداً نزالا
مع أنهم قطعوا الطريق وخلفوا ... للخالف الأوجاع والأوجالا
فأعاننا الرب الرحيم على مدى ... بلغوا وحسن للجميع مآلا
وسقته من عفو الإله سحائب ... يتلو سرى غدواتها الآصالا
ومن إنشاء القاضي علاء الدين رحمه الله تعالى رسالة في المفاخرة بين الرمح والسيف، وهي: بعثت إليك رسالتي وفي ذهني أنك الكمي الذي لا يجاريك ند، والشجاع الذي أظهر حسن الائتلاف لو شك الضد، والبطل المنيع الجار، والأسد الذي لك الأسل وجار، والباسل الذي كم لخمر الغمود بتجريدك عن وجوه البيض انحسار. ولك معرفة في الحرب ولاماتها، والشجاعة وآلاتها، وإليك في أمرها التفصيل، ولديك علم ما لجملتها من تفصيل. وها هي احتوت على المفاضلة بين الرمح والسيف، ولم تدر بعد ذلك كيف فإن السيف قد شرع يتقوى بحده، ولا يقف في معرفة نفسه عند حده، والرمح يتكسر بأنابيبه ويستطيل بلسان سنانه، ولم يثن في وصف نفسه
فضل عنانه. قد أطرقتهما حماك لتحكم بنيهما بالحق السوي وتنصف بين الضعيف والقوي: أما السيف فإنه يقول: أنا الذي لصفحتي الغرر، ولحدي الغرار، وتحت ظلالي في سبيل الله الجنة، وفي إطلالي على الأعداء النار، ولي البروق التي هي للأبصار والبصائر خاطفه، وطالما لمعت فسحت سحب النصر واكفه، ولي الجفون التي ما لها غير نصر الله من بصر، وكم أغفت فمر بها طيف من الظفر، وكم بكت علي الأجفان لما تعوضت عنها الأعناق غموداً، وكم جابت الأماني بيضاً والمنايا سوداً، وكم ألحقت راساً بقدم، وكم رعيت في خصيب نبته اللمم، وكم جاء النصر الأبيض لما أسلت النجيع الأحمر، وكم اجتني ثمر التأييد من ورق حديدي الأخضر، وكم من آية ظفر تلوتها لما صليت وانقد لهيب فكري فأصليت فوصفي هو لذاتي المشهور، وفضلي هو المأثور، فهل يتطاول الرمح إلى مفاخرتي وأنا لجوهر وهو العرض، وهو الذي يعتاض عنه بالسهام وما عني عوض، وإن كان ذاك ذا أسنة، فأنا أتقلد كالمنة، كم حملته يد فكانت حمالة الحطب، وكم فارس كسبه بحملاته فما أغنى عنه ما كسب، حدث ليس من جنسه، ونفعه ليس من شأن نفسه، وأين سمر الرماح من بيض الصفاح، وأين ذو الثعالب من الذي تحمى به أسود الضرائب. وهل أنت إلا طويل بلا بركة، وعامل كم عزلتك النبال بزائد حركة؟!
فنطق الرمح بلسان سنانه مفتخراً، وأقبل في علمه معتجراً، وقال: أنا الذي طلت حتى اتخذت أسنتي الشهب، وعلوت حتى كادت السماء تعقد علي لواء من السحب. كم ميل نسم النصر غصني وميد، وكم وهى بي ركن للملحدين، وللموحدين تشيد. وكم شمس ظفر طلعت وكانت أسنتي شعاعها. وكم دماء أطرت شعاعها. طالما أثمر غصني الرؤوس في رياض الجهاد، وغدت أسنتي فكأنما صيغت من سرور فما يخطرن إلا في فؤاد، وكم شبهت أعطاف الحسان بمالي بمن ميل، وضرب طبول ظل قناتي المثل، وزاحمت في المناكب للرياح بالمناكب، وحسبي الشرف الأسنى أن أعلى الممالك ما علي يبنى، ما لمع سناني في الظلماء إلا خاله المارد من رجوم السماء، فهل للسيف فخر يطال فخري، أو قدر يسامي قدري، ولو وقف السيف عند حده لعلم أنه القصير وإن كان ذا الحلى، وأنا الطويل ذو العلا، وطالما صدع هاماً، فعاد كهاما، وقصر عن العدى، وألم بصفحته كلف الصدا، وفل حده، وأذابه الرعب فلولا غمده.. فهل يطعن في بعيب، وأنا الذي أطعن حقيقة بلا ريب، ومن ههنا آن أن أمسك عنك لسان سناني، ونرجع إلى من يحم برفعه شانك وشأني، ونسعى إلى بابه، ونبث محاورتنا برحابه.
وقد أوردهما المملوك حماك، فاحكم بما بصرك الله وأراك.
ومن شعر علاء الدين، وقد رتبت معاليمهم على شطنوف:
يا أميراً له من الجود بحر ... فهو يجري لنا بغير وقوف
قد غرقنا في بحر هم وغم ... فطلعنا بذاك من شنطوف
ولما دخلت أنا في سنة سبع وعشرين وسبع مئة وجدت جماعة قد لهجوا بالمقامة التي أنشأها القاضي علاء الدين وسماها مراتع الغزلان، فكلفني بعض أصحابي الأعزة أن أنشئ رسالة في مادتها، فأنشأت رسالتي عبرة اللبيب بعبرة الكئيب.
علي بن محمد بن سلمان بن حمائل
الشيخ الإمام الصدر الرئيس الكاتب الشاعر، صدر الشام، القاضي علاء الدين بن غانم.
كان حسنة من حسنات الزمان، وبقية مما ترك أول الفضل والإحسان، ذا مروءة فاتت الواصف، وجود أخجل هتانه الغمام الواكف. تأذى من الدولة مرات، وما رجع عما له من العصبية والخير من كرات، يسدي الجميل إلى من يعرف والى من لا يعرف، ويتكل على الله تعالى فيما يتصرف بقلمه ويصرف. وكان وجيهاً في الدولة يعرف الناس قدره، ويعلمون أن المروءة لا تنزل إلا في قلبه، ولا تسكن إلا صدره.
وكان حسام الدين لاجين وقبجق والأفرم ومن بعده إلى تنكز يرعون قدره ويراعونه، ويعلمون أنه ما يبخل أ، يعير ماعونه، لا يبخل بجاهه وماله على أحد من أبناء جنسه، ولو أن ما يف كفه غير نفسه.
ولم يزل على حاله إلى أن حج وعاد إلى تبوك، فغنم ابن غانم أجله، وراح إلى الله تعالى، ولم يقصر به كرمه ولا اعتراه خجله.
وتوفي رحمه الله تعالى في المحرم سنة سبع وثلاثين وسبع مئة. وله ست وثمانون سنة.
وكان الشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى يقول: ما أعرف أحداً في الشام إلا ولعلاء الدين بن غانم في عنقه مانة قلدها بصنيعة أو ماله أو جاهه.
وكان الشيخ كمال الدين بن الزملكاني رحمه الله تعالى يكرهه ويؤذيه ويحط عليه ويقول: كيف أعمل بهذا ابن غانم، أي من أردت أن أذكره عنده بسوء يقول: ما في الدنيا مثل ابن غانم، أو كما قال.
وكان وقوراً مليح الهيئة منور الشيبة، ملازم الجماعة، مطرح الكلفة.
حدث عن ابن عبد الدائم، والزين خالد، وابن النشبي، وجماعة.
وأجاز لي بخطه في سنة ثلاثين وسبع مئة، ولما دخلت ديوان الإنشاء اجتمعت به غير مرة، وأنشدني كثيراً من شعره، ووجدت منه خيراً وبراً رحمه الله تعالى.
وهو كان آخر من بقي من رؤساء دمشق، لأن بيته كان مقصداً لكل غريب وغياثاً لكل ملهوف.
كتب إليه الشيخ جمال الدين بن نباتة في بعض ما كتبه من أمداحه:
علوت اسماً ومقداراً ومعنى ... فيا لله من فضل جلي
كأنكم الثلاثة ضرب خيط ... علي في علي في علي
قلت: أخذ الثاني برمته من قول علاء الدين الوداعي رحمه الله تعالى نقلت ذل من خطه، وقد اجتمع بأصحابه، وكلهم يدعى علياً: