بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 599

أنشدني من لفظه لنفسه يودعني عند توجهي إلى الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة:
ولما اعتنقنا للوداع عشية ... وفي القلب نيران لفرط غليله
بكيت وهل يغني البكا عند هائم ... وقد غاب عن عينيه وجه خليله
وكتبت أنا إليه من الرحبة:
كتبت والدمع قد غطى على بصري ... وبت فيك نجي الهم والفكر
وأشتهي من جوى قلبي وحرقته ... لو أشتري ساعة بالعمر من عمر
وأنشدني له:
قد أثقلتني الخطايا ... فكيف أخلص منها
يا رب فاغفر ذنوبي ... واصفح بحلمك عنها
وأنشدني له:
يا من عليه اتكالي ... ومن إليه مآبي
جد لي بعفوك عني ... إذا أخذت كتابي
وأنشدني له:
يا سائلي كيف حالي في مراقبتي ... وما العقيدة في سري وإعلاني
أخاف ذنبي وأرجو العفو عن زللي ... فانظر فبين الرجا والخوف تلقاني
أنشدني له:
يا سيد الوزراء دعوة قائل ... من بعد إفلاس وبيع أثاث


صفحه 600

أبطت حوالتكم علي كأنها ... تأتي إذا ما صرت في الأجداث
فإذا أتت من بعد موتي فاحسنوا ... بوصولها للأهل في ميراثي
وأنشدني ما كتبه للصاحب شرف الدين يعقوب يشتكي من أيوب:
بليت بالصبر من أيوب حين غدا ... ينكد العيش في أكلي ومشروبي
وزاد يعقوب في حزني لغيبته ... فصبر أيوب لي مع حزن يعقوب
وأنشدني له:
إذا ما جئتكم للغناء فقري ... تقول أبشر إذا قدم الأمير
وقد طال المطال وخفت يأتي ... أميركم وقد مات الفقير
وأنشدني من لظفه له في الحمى:
زارتني الحمى فقلت لها ابعدي ... فغدت تخادعني بلثم شفاهي
قالت أروح فقلت هاذ بغيتي ... قالت أعود فقلت لا بالله
وأنشدني من لفظه له:
أمر على المنازل وهي تشكو ... من الأحباب ما أشكو إليها
كلانا يشتكي لهم فراقاً ... فما عطفوا علي ولا عليها
وأنشدني من لفظه له:
لي حبيب ما زال يتعب قلبي ... فرأيت السلو عين الصواب
تبت لله عنه توبة صدق ... واستراحت عواذلي من عتابي


صفحه 601

وأنشدني من لفظه لنفسه:
إذا أضمر المحبوب هجري وجفوتي ... وعاد ولم يجز المحبة بالبغض
أقول له أحسنت فيما فعلته ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض

عمر بن أبي الحرم
ابن عبد الرحمن بن يونس، الشيخ الإمام العلامة شيخ الشافعية زين الدين أبو حفص الدمشقي المعروف بابن الكتاني..
حدث عن ابن عبد الدائم بالإجازة.
وسمع إسماعيل بن أبي اليسر، وإسماعيل بن المظفر، وعمر بن حامد القوصي، وإسرائيل بن أحمد، ومظفر بن أبي الدل الصالحي، والقاضي حسين بن علي القرشي وغيرهم.
تفقه وناظر، وبرع في الأصول والفروع، وذاكر وحاضر، وتحول من دمشق إلى مصر بعلم جم، وورد القاهرة، فأخجل اليم الذي ثم، وحل بأفقها فاستحيا من كماله البدر الذي تم.


صفحه 602

وكان جيد الذهن كثير النقل لمذهبه، بارعاً في التفقه، لا يثبت له أحد إن ناظره أو تمسك بسببه، مائلاً إلى الدليل والحجة، قائلاً بالبحث لا يرى التقليد من عظيم المحجة، يوهي بعض المسائل لضعف دليلها، وخفاء صحتها، وظهور عليلها، يلقي دروساً مفيدة، ويأتي بأشياء فوائدها عتيدة، لا يحتمل أن أحداً يعارضه أو يراسله أو يقارضه، فينفر فيه ويزبره، يكسره بالقول ولا يجبره.
وكان في خلقه زعارة وشراسة، وحدة لا ينكس الكبر لها رأسه، لا يخضع لأمير ولا لقاض، ولا ينفعل لإبرام ولا لانتقاض، وله في ذلك حكايات مشهروة، ووقائع بين أهل مصر مأثورة، إلا أنه فرط في علم الحديث من حيث الرواية، وأهمل أمره، ولم يكن له فيه عناية، فكان صغار الطلبة يحضرونه دروسه، ويعيبونه عليه كثرة تصحيفه، وما يقع له من الخلل في أسماء الرجال، ولا يجسرون على تعنيفه، وكان به وسواس في تكبيره الإحرام، وتطويل حتى يفوته بالركون الإمام.
ولم يزل على حاله إلى أن دخل في العدم، وكثر عليه التأسف والندم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة.
مولده سنة ثلاث وخمسين وست مئة.
وكان قد اشتغل بالفقه والأصولين على ابن أبي الثنا محمود بن عبيد الله المراغي، والعلامة الشيخ تاج الدين الفزاري، وغيرهما.


صفحه 603

ودخل إلى مصر، فولاه قاضي القضاة ابن بنت الأعز قضاء الحكر مدة، ثم استنابه العلامة ابن دقيق العيد في مصر، وولاه دمياط الشرقية، ثم استنابه في القاهرة، ثم إن قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ولاه الغربية، ثم إنه وقعت له بالمحلة واقعة، فعزل نفسه، وأقام بالقاهرة، وترك الاجتماع بقاضي القضاة ابن جماعة، وصار يتكلم فيه ويأسى إليه، وصارت الإساءة له عادة، فاستعملها مطلقاً، وتعدى إلى الأموات، ونفر الناس منه.
وتصدر بالجامع الأموي الحاكمي مدة، وأعاد بالقراسنقرية، ثم ولي تدريس المنكوتمرية.
ولما مات أبو الحسن بن جابر ولاه الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك درس الحديث بالقبة المنصورية، وذلك في شهر رجب سنة خمسة وعشرين وسبع مئة، فتكلم الناس في ذلك. وكان الطلبة الصغار يضحكون منه، ويجيؤون إلى العلامة شيخنا أبي الفتح، ويقولون: صحف اليوم في كذا. وهم في كذا، وقال في ذلك الفاضل كمال الدين الأدفوي:
بالجاه تبلغ ما تريد فإن ترد ... رتب المعالي فليكن لك جاه
أوما ترى الزين الدمشقي قد ولي ... درس الحديث وليس يدري ما هو
وولي مشيخة خانقاه طيبرس التي على البحر، وشكا منه بعض أولاد الواقف إلى الحاجب، فعزل منها، وكان وقد فهم من الناس هذا الحال، فيقول: ولونا ما يضحك فيه الصبيان علينا، ومنعونا ما نضحك فيه على الأشياخ.


صفحه 604

وكان شيخنا فتح الدين إذا ذكروا أمر وسوسته يقول: هذا تصنع. ولما ولي خطابة جامع الصالح برا باب زويلة ترك الوسوسة ضرورة.
وكان في القضاء محمود السيرة، ظاهر العفة، طاهر الكف، وكان كثير الاشتغال، دائم المطالعة، وأولع في آخر عمره بمناقشة الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى، وكتب على الروضة حواشي، ولما وقف عليها شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى أجاب عما وقف عليه من ذلك قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى في الروضة: وإذا وقعت في الماء القليل نجاسة. وشك هل هو قلتان أو لا، الذي جزم به صاحب الحاوي وآخرون أنه نجس، لتحقق النجاسة، ولإمام الحرمين فيه احتمالان والمختار، بل الصواب الجزم بطهارته، لأن الأصل طهارته وشككنا في نجاسة منجسه، ولا يلزم من النجاسة التنجيس.
قال الشيخ زين الدين الكتاني رحمه الله تعالى: وإذا وقع في الماء القليل نجاسة وشك هل هو قلتان أو لا لفظ متناقض، وحكمه بالطهارة باطل إذ فرض الماء قليلاً، والقليل دون القلتين، وإلا فإن كان قلتين فهو كثير، وإن كان الماء دون القلتين وحصل فيه نجاسة غير معفو عنها فهو نجسن لا خلاف فيه، فعلم من هذا ا، قوله: الصواب الجزم بطهارته باطل، وكان صوابه أن يقول: ما شك في كثرته ووقعت النجاسة فيه، ولو فرضه لذلك، وهو مراده بحكمه بأن الصواب الجزم بطهارته غير صواب، بل الصواب: الحكم بالنجاسة، لأن النجاسة محققة، وبلوغ الماء قلتين الأصل عدمه، ولا يجوز للآخذ بالاستصحاب مع نفس ما يعارضه، وهو نفس وقوع


صفحه 605

النجاسة، إذاً لا خلاف في أن شرط الاستصحاب عند القائلين به أن لا يقطع بوجود المنافي له.
وقوله: لا يلزم من النجاسة التنجيس، إنما هو في نجاسة معفو عنها لاقت ماء كثيراً، ولم يتغير، وليس الكلام في ذلك إذ كثرة هذا الماء مشكوك فيها، بل ملاقاة النجاسة سبب للتنجيس، وقضية السبب إعماله إلا لمانع والأصل عدم المانع، وهو الكثرة، فصار في جانب التنجيس أصلان: عدم بلوغ الماء قلتين، وإعمال السبب الثاني الذي هو النجاسة، ومن جانب الطهارة أصل مستصحب مع يقين ما يعارضه، واستصحاب مثل هذا ممنوع، فصار الظاهر الحكم بالنجاسة وملاقاة النجاسة محسوسة، فتصير هذه الصورة كالغدير مع الظبية التي بالت فيه، ووجد الماء متغيراً، واحتمل التغير بول الظبية، وطول المكث، وقد نص الشافعي على نجاسته، وقطع به جمهور الأصحاب، ومع هذا البحث الراجح الواضح كيف يقول: الصواب الجزم بالطهارة، فلا الصواب الجزم بالطهارة، ولا الظاهر، فضلاً عن الجزم، وقد قال الغزالي في الوسيط: الأصل بقاء النجاسة إلى أن يتبين الكثرة الدافعة، أو يقال الأصل طهارة الماء إلى أن يستيقن الصنان.
والاحتمال الأول أظهر، فلو أصاب النووي لم يعتقد الجزم بالطهارة؛ بل لو تردد معذوراً مع أن الصواب الجزم بالنجاسة؛ لكنه وقف به نظره أو وقفه، وإنما بسطت وأسهبت لئلا يغلو فيه غر.
قال شيخنا العلامة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي، رحمه الله


صفحه 606

تعالى: أما المناقشة في لفظ قليل فصحيحة، وكان الأولى حذفها، لكنه تجوز فيها، واستصحب اسم القليل مع الشك، أو لأنه يعد في العرف قليلاً وإن لم يكن في الشرع كذلك، والإمعان في الحكم بنجاسته إذا كان قليلاً لا معنى له، إذ لا نزاع فيه، وليس بمراد، وأما كون الصواب الحكم بنجاسته ما شك في كثرته فيرد عليه أنه حكم بالنجاسة مع الشك إذ الأصلان متعارضان، وهما طهارة الماء وقتله المقتضية للتنجيس، وهنا إذا تعارض أمران متضادان وجب التوقف، فكيف والقلة ليست مضادة للطهارة؛ بل مقتضية لضدها في هذه الصورة، وهذا معنى يصلح لترجح الطهارة، لأن المعارض لها أضعف منها، لكونه مقتضياً للضد لا نفس الضد، وإنما كان أضعف لكون المقتضي قد يتخلف المقتضى.
وقوله: إن أصل الطهراة تيقناً ما يعارضه مع يقين ما يعارضه ممنوع إذ الغرض الشك، ومع الشك كيف يدعي اليقين.
وقوله: في جانب الطهارة أصل مستصحب مع يقين ما يعارضه، إن أراد ما يرفعه ممنوع، وإن أراد ما يعارضه ويقاومه فيحصل الشك ويمتنع الحكم بالنجاسة، على خلاف غرضه، فإنه متى تقاومت المعارضة لا يجوز الحكم بالنجاسة، ويبقى الحال على ما كان عليه من الطهارة.
وقوله: في جانب التنجيس أصلان، عدم بلوغ الماء قلتين، وإعمال السبب الذي هو النجاسة، أعلم أن عدم بلوغ قلتين وحده ليس بأصل معارض للطهارة بل بما ضم إليه من السبب، والسبب وحده لا يسمى أصلاً، وإنما يسمى ظاهراً، فإما أن يجعله مع عدم بلوغ الماء قلتين سبباً واحداً في التنجيس، وحينئذ يعارضه أصل الطهارة، وإما أن يجعله سبباً، والقلة شرط أو الكثرة مانعة وحينئذ يقال: إن الشرط