عمر بن داود بن هارون بن يوسف
القاضي زين الدين أبو حفص الصفدي، كاتب الإنشاء بالشام ومصر أصله من نين قرية من مرج بني عامر من صفد، بنونين، بينهما ياء آخر الحروف على وزن بين ودين.
كان كاتباً ذكياً، فاضلاً سرياً، يقع على المقاصد، ويرقب المجرات ويراصد، إذا أخذ كتاباً تأمل فضوله، وتصور محصوله، وأجاب عنه بأجوبة بليغة ساده، دالة على غزارة المادة، وكان قلمه بليغاً إذا كتب مسترسلاً من غير سجع، واتكل على ما عنده في ذلك من الطبع، لأنه يأتي بما يكتبه، بليغ المعاني، مستوفي المقاصد، تام المراد، غير مخل ببيان ولا فاسد.
أما نظمه فكان قليلاً مرذولاً، بطيئاً مهزولاً، ونثره كان أجود منه؛ إلا أنه كان وعر الجادة، ناب عن الطبع غير سار في المادة، وخطه أيضاً قوي منسوب، لكن ما عليه حلاوة، ولا له ما لخط غيره من اللطف والطلاوة؛ إلا أنه كان صبوراً على الكتابة، لا يسأم تواترها، ولا يمل تكاثرها، يقوم بتنفيذ ما في الديوان، ويسد مهماته على أحسن ما يكون وأسده، ولو بلغت إلى كيوان.
تنقل من صفد إلى دمشق إلى غزة إلى الرحبة، ثم إلى دمشق، ثم إلى مصر إلى دمشق إلى مصر كرتين هبة بعد هبة، مع عطلة تخللت ذاك، وكاد الأمر يكون حتماً بغير انفكاك، ولكنه لطفت به المقادير، وأعادت اسمه إلى الدساتير.
ولم يزل على حاله إلى أن بتر الله عمر عمر، وانقبض ابنساطه في الحياة وانقبر.
وتوفي رحمه الله وسامحه بالقاهرة في ثامن عشري صفر سنة تسع وأربعين وسبع مئة، بعد مرض طويل قاسى منه شدة.
ومولده في سنة ثلاث وتسعين وست مئة.
قدم من قريته إلى صفد، وقد عذر في عام ستة عشر وسبع مئة فيما أظن أو قبل ذلك بقليل، ولازم شيخنا نجم الدين الصفدي، وأقام في بيته يبيت ويصبح، واشتغل عليه وكتبه وهذبه ودربه، فكان شيخنا في تلك المدة كاتب سر صفد، فاستكتبه عنده، وتخرج. وكان ذكياً فذاق هذه الصناعة، ومهر فيها. ولما بطل الشيخ نجم الدين من التوقيع كتب زين الدين الدرج للأمير علم الدين سنجر الساقي مشد الدواوين بصفد ووالي الولاة، ولما هرب الأمير علم الدين سنجر الساقي من صفد فاراً من نائبها الأمير سيف الدين أرقطاي توجه زين الدين معه، فأقام بدمشق مدة يتردد إلى شيخنا شهاب الدين أبي الثناء محمود والى القاضي شهاب الدين بن فضل الله، وعرف بين أهل دمشق، وعامل أهلها معاملة جيدة إلى أن أجمعوا على الشكر منه والتوجع له في بطالته، فأقام بها مدة، وحضر شمس الدين الجاولي إذ ذاك نائب غزة، فرأى خط زين الدين وعبارته فأعجبه ذلك. وكان
زين الدين شديد المداخلة للناس، لطيف المؤانسة جريا في الإدلال والكلام والمشاركة مع صاحب المجلس والانخراط في سلكه، فخاف ابن منصور من تقدمه، فعمل عليه وأعاده إلى دمشق. ثم إن الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، جهزه إلى الرحبة موقعاً بإشارة القاضي شمس الدين محمد بن شيخنا شهاب الدين محمود رحمه تعالى بعد ما أقام بدمشق بطالاً تسع سنين فأقام بها قريباً من سنتين.
ولما توجه القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى مصر قال الأمير سيف الدين تنكز لهما: ما بقي في الديوان أحد، فذكراه له، وقالا: يا خوند، كاتب الرحبة زين الدين الصفدي يصلح أن يكون في باب مولانا ملك الأمراء. وكان قد خلا مكان القاضي جمال الدين بن رزق الله من ديوان الإنشاء بدمشق لتوجهه إلى توقيع غزة، فرسم بإحضار زين الدين إلى دمشق، فجاء إليها، وأقام بها دون السنة، ثم إن القاضي شهاب الدين بن فضل الله طلبه إلى الديار المصرية، فأقام يكتب بين يديه قريباً من ثماني سنين إلى أن رسم السلطان الملك الناصر محمد للقاضي شهاب الدين بن فضل الله بأن يلزم بيته، فعمل عليه هو الآخر، وأخرجه السلطان من الديوان، وأقام في القاهرة مدة ملازم بيته، ثم إن طاجار الدوادار أخرجه من القاهرة إلى صفد بطالاً، فأقام فيها إلى أن حضر القاضي شهاب الدين بن فضل الله إلى دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فتحدث له القاضي شهاب الدين وأحضره من صفد إلى دمشق، فبقي فيها بطالاً إلى أن توفي السلطان الملك الناصر محمد فتحدث له القاضي شهاب الدين بن فضل الله مع الأمير علاء الدين ألطنبغا
نائب الشام، فأمر له بالدخول إلى ديوان الإنشاء، فأقام به إلى أن رسم السلطان الملك الصالح بإبطال من أحدث عبد أبيه السلطان الملك الناصر، فبطل، ولازم بيته مدة، ثم إنه دخل مع من دخل فيما بعد.
ولم يزل يكتب في ديوان الإنشاء بدمشق إلى أن حضر القاضي بدر الدين محمد بن فضل الله، فسلم إليه الأمر، ورأى من السعادة ما لا رآه في عمره مدة ثلاث سنين. ثم إن القاضي علاء الدين بن فضل الله طلبه إلى الديار المصرية، فتوجه هو ووالده القاضي شهاب الدين أحمد في البريد يوم عيد الأضحى سنة سبع وأربعين وسبع مئة، فأقام بها موقعاً في الدست، وولده في جملة كتاب الإنشاء، إلى أن توفي رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور.
وكنت قد كتبت إليه إلى دمشق من صفد:
عن عيني مذ غاب شخصك عنها ... يأمر السهد في كراها وينهى
بدموع كأنهن الغوادي ... لا تسل ما جرى على الخد منها
وكتبت إليه مع غلام حسن الوجه وهو بغزة:
يا نازحاً صورته في خاطري ... فرميت للتصوير بالنيران
إن لم يبلغك النسيم تحيتي ... فلقد أتاك بها قضيب البان
وكتب هو إلي من دمشق وأنا بصفد سنة ست عشرة وسبع مئة:
أشتاق من دون الأنام خليلا ... فلذاك أصبو بكرة وأصيلا
مولى رحلت وسرت عن معروفه ... فعدمت من إحسانه تنويلا
لو كان في عصر مضى لم يعتمد ... إلا على ألفاظه الترسيلا
هو فارس في فنه كم جدل الأقران في ميدانهم تجديلا
ليس اليراع بكفه في طرسه ... إلا حساماً هزه مصقولا
فإذا ترسل خلته من لطفه ... أضحى يدير على الأنام شمولا
نبت الكتابة عن سواه فلم تجد ... إلا بضافي الظل عنه بديلا
فلذاك وجه الدهر راح بفضله ... لمن اجتلاه أو رآه جميلا
أرجو اجتماع الشمل منه لأنه ... قد لا يكون به الزمان نحيلا
والله ما لاحت بروق في الدجا ... إلا تجدد لي بكى وعويلا
ولربما سمح الزمان بعودتي ... فأبل من شوقي إليه غليلا
لا زال جودك بالمرام كفيلا ... ولطيف صنعك بالأنام جميلا
أنس قريضك مذ تطلع نيراً ... بسما البديع كثيراً وجميلاً
قط اليراع لسانه عن وصفه ... مذ مد باعاً في البديع طويلا
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
يا سيداً أضحى عظيم فخاره ... أبداً على هام العلا إكليلا
وكسا برود النظم من ترصيعه ... غرر البيان وزادها تحجيلا
لاحت تباشير الصباح بطرسه ... من أسطر أفنيتها تقبيلا
راقت محاسنه ورق شمائلا ... فغدا يمج من البيان شمولا
أما التشوق والحنين فلا تسل ... فالخطب منه لا يزال جليلا
مذ غبت عني فالدموع على الولا ... لو كن سيلاً ما وجدن مسيلا
وتلهب الزفرات في طي الحشا ... خلى محل الصبر عنك محيلا
فاسعف بقربك إنه جل المنى ... لتكيد ضداً أو تسر خليلا
فالجسم في صفد أقام وقلبه ... بل قد تشحط في دمشق قتيلا
وكتبت أنا إليه من صفد:
يا بارقاً سال في عطف الدجى ذهبا ... أذكرتني زمناً في جلق ذهبا
لئن حكيت فؤادي في تلهبه ... فلست تحيكه لا وجداً ولا حربا
ويا نسمياً سرى والليل معتكر ... وهب وهناً إلى أن هزني طربا
أراك تنفح عطراً في صباك فهل ... تركت ذيلاً على جيرون منسحبا
أم قد تحملت من صحبي تحيتهم ... فكان ذلك في طيب الصبا سببا
قوم عهدت الوفاء المحض شيمتهم ... وإن شككت سل العلياء والأدبا
صرفت إلا عناني عن محبتهم ... وبت نضواً حيلف الشوق مكتئبا
لا الدار تدنو ولا السلوان ينجدني ... وعز ذلك مطلوباً إذا طلبا
أحبابنا إن ونت عني رسائلكم ... فلست أسأل إلا الفضل والحسبا
وحياتكم ما لنفسي عنكم بدل ... كلا ولا اتخذت في غيركم أربا
أعيذ ودكم من أن يغيره ... نأي ولو جردت من دون ذاك ظبا
لعل دهراً قضى بالبعد يجمعنا ... وقلما جاد دهر بالذي سلبا
أرضى بحكم زماني وهو يظلمني ... فيكم وأجني ببعدي عنكم التعبا
ولن يظفرني إلا بودكم ... يا حيرتي فيكم إن رد ما وهبا
نسيتموني ولم أعتد سوى كرم ... منكم يبوؤني من فضلكم رتبا
حاشاكم أن تروا هجري بلا سبب ... أو تجعلوا البين فيما بيننا حجبا
عاقبتموني ولا ذنب أتيت به ... فقل عن الصخر إذ يقسوا ولا عجبا
عودوا إلى جبر كسري لا فجعت بكم ... فقد لقيت ببعدي عنكم نصبا
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
يا خير من خط في الأوراق أو كتبا ... وخير من حاول العلياء والأدبا
ومن علا فغلت فيه مودتنا ... وفاق فضلاً وفات العجم والعربا
أنت قصديك الغراء باسمة ... عن نقط أحرفها لما حكى الحببا
فرنحت أنفساً بالبعد قد تلفت ... وحركت كل عطف قد قسا طربا
فهل بعثت بعتب جاء عن قلق ... أو لطف نظمك قد أهدى نسيم صبا
حاشى المودة أن يعتادها ملك ... أو أن يكون النوى في مثله سببا
وإنما الدهر بالإزراء حاربني ... وجار في الحكم لما بت مغتربا
وما ترق على ذلي عواطفه ... ولا تمد إلى العلياء لي طنبا
وكلما قلت قد لينت شرته ... يزيد ناري على تأجيجها حطبا
فاعذز فإنك أولى الناس كلهم ... ببسط عذري إن لم أبعث الكتبا
فأنت تعلم أني قد جعلتك من ... دون البرية في الدنيا أخاً وأبا
فلا تؤاخذ إذا ما هفوة عرضت ... ممن يكون إلى علياك منتسبا
وكتبت أنا إليه من الرحبة أهنئه بمولود ذكر:
هناء به وجه الزمان تهللا ... وبشرى بها الإقبال وافى وأقبلا
فهنئت مولوداً أتى فتشوفت ... إليه عيون الفضل والمجد والعلى
وأكرم بنجم لاح فينا ومن يقل ... بنجل فحرف الميم باللام بدلا
إذا ضوأ الآفاق نور هلاله ... فكيف إذا ما صار بدراً مكملا
سيرضيك في أفعاله ومقاله ... إذا طال في أوج العلا أو تطولا
وترعف أقلام السيادة كفه ... ويرعف أعداء ويرعد ذبلا
ويستخدم البيض الرقاق يراعه ... إلى أن يرد الصعب سهلاً مذللا
ويسعى إلى أبوابه السعد صاغراً ... ويأتي إليه وهو طفل تطفلا
يقبل الأرض وينهي أنه جلس بهذه البشرى على سرر السرور، والتحف منها بحبر الحبور، وملأ كفه بالدرر من هذه الأفراح، وملأ طرفه بالبدور، ونطقته هذه المسرات بالمحامد فارتجل وارتجز، وأمكنته الفرصة من التهاني، فانتهب وانتهز، وقرن الهناء بالدعاء فابتهج وابتهل، تخير ساعات الإجابة فانتقد وانتقل، وكيف لا يبتهج المملوك بمخدوم تجدد، ويتمسك بفضل تعدد، ويسر بدوح تفرع، وإن كان أصله بالمزايا تفرد، وهو هذا إلا بيت تمد في العلياء أطنابه، ترفع في السيادة أعلامه وقبابه، وتتسع لبني الآمال ساحاته ورحابه:
وهذا هدية رب العلا ... فثق بهدايا هداياته
وما أقول إلا أن مولانا ليث وقد أشبل، وبحر زخر لجه حتى مد بجدول، ومن حرمان المملوك أنه ما شافه السمع الكريم بالتهاني، ولا فاز برصد هذا الهلال كيف يترقى إلى الإبدار على الدقائق والثواني، ولا عاين لسلوك المحبين إليه طريقة، ولا حضر لهذه الجوهرة النفيسة يوم عقيقة، وما ضر الأيام لو كنت لجوهره عرضاً أدنى، أو لو ساعفت بالقرب فأكون حاضراً بالصورة إذ قد حضرت بالمعنى، والله تعالى يمتع عينه الكريمة بهذه القرة، ويهبه أمثالها حتى يرى في كل ذرة من الزمان دره، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.