بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 623

الأذى لتنقى القلوب من السخط كما كانت في نفسها نقية، ومن وعى فواضل هذا الكرم الطاهر فليقل: يا مقيلات الجدود العواثر.
والله تعالى يجعل مولانا من المتوكلين عليه ليزيده إيماناً، ويرزقه كما رزق تلك الديار التي غدت من الظمأ خماصاً، وراحت من الري بطاناً، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
ولما كنت أنا بالديار المصرية سنة تسع وعشرين وسبع مئة ألزمني القاضي شهاب الدين بن فضل الله رحمه الله تعالى أن أنشئ كتاباً في المعنى، فكتبت، وبالله التوفيق: ضاعف الله تعالى نعمةالجناب وسر نفسه بأنفس بشرى، وأسمعه من الهناء كل آية هي أكبر من الآخرى، وأقدم عليه من المسار ما يتحرز ناقله ويتحرى، وساق إليه كل طليعة إذا تنفس صبحها تفرق ليل الهم وتفرى، وأورد لديه من أنباء الخصب ما يتبرم به محل المحل ويتبرا.
هذه المكاتبة إلى المجلس العالي تخصه بسلام يرق كالماء انسجاماً، ويروق كالزهر ابتساماً، وتتحفه بثناء جعل المسك له ختاما، وضرب له على الرياض النافحة خياما، وتقص عليه من نبأ النيل الذي خص الله الديار المصرية بوفادة وفائه، وأغنى قطرها عن القطر فلم تحتج إلى مد كافه وفائه، ونزهه عن منه الغمام الذي إن


صفحه 624

جاد فلا بد له من شهقة رعده ودمعة بكائه، فهي البلاد التي لا يذم للأمطار في جوها مطار، ولا يزم للقطار في بقعتها قطار، ولا ترمد الأنواء فيها عيون النوار، ولا تشيب بالثلوج فيها مفارق الطرق ورؤوس الجبال، ولا تبيت البروق ساهرة لمنع العيون من تعهد الخيال، ولا تفقد فيها حلى النجوم لاندراج الليلة تحت السحب بين اليوم وأمس، ولا يتمسك المساكين في شتائها كما قيل بحبال الشمس. وأين أرض يخمد عجاجها بالبحر العجاج، وتزدحم في ساحاتها أفواج الأمواج من أرض لا تنال السقيا إلا بحرب لأن القطر سهام والضباب عجاج قد انعقد، ولا يعم الغيث بقاعها، لأن السحب لا تراها إلا بسراج من البرق إذا اتقد، فلو خاصم النيل مياه الأرض لقال: عندي قبالة كل عين إصبع، ولو فاخرها لقال: أنت بالجبال أثقل وأنا بالملق أطبع.
والنيل له الآيات الكبر، وفيه العجائب والعبر، منها وجود الوفاء عند عدم الصفاء، وبلوغ الهرم إذا احتد واضطرم، وأمن كل فريق إذا قطع الطريق، وفرح قطان الأوطان إذا كسر والماء كما يقال سلطان، وهو أكرم منتمي، وأشرف منتدى، وأعذب مجتنى، وأعظم مجتدى. إلى غير ذلك من خصائصه وبراءته مع الزيادة من نقائصه، وهو أنه في ذا العلم المبارك جذب البلاد من الجدب، وخلصها بذراعه، وعصمها بخنادقه التي لا تراع من تراعه، وحصنها بسواري الصواري تحت قلوعه وما هي إلا عمد قلاعه.
وراعى الأدب بين أيدينا الشريفة في مطالعتنا الشريفة في كل يوم بخير قاعة في رقاعه، حتى إذا أكمل الستة عشر ذراعاً، وأقبلت سوابق الخيرات سراعاً، وفتح


صفحه 625

أبواب الرحمة بتغليقه، وجد في طلب تخليقه، وتضرع بمد ذراعيه إلينا، وسلم عند الوفا بأصابعه علينا، ونشر علم ستره، وطلاب لكرم طباعه جبر العالم بكسره.
فرسمنا بأن يخلق، ويعلم تاريخ هنائه ويعلق، فكسر الخليج وقد كاد يعلوه فرح موجه، ويهيل كثيب سده هول هيجه، ودخل يدوس زرابي الدور المبثوثة، ويجوس خلال الحنايا كأن له في هذا خبايا موروثة، ومرق كالسهم من قسي قناطره المنكوسة، وعلا زبد حركته ولولاه ظهرت في باطنه من بدور أناسه أشعتها المعكوسة، وبشر بركة الفيل ببركة الفال، وجعل المجنونة من تياره المتحدر في السلاسل والأغلال، وملأ أكف الرجاء بأموال الأمواه، وازدحمت في عبارة شكره أفواج الأفواه، وأعلم الأقلام بعجزها عما يدخل من خراج البلاد، وهنأت طلائعه بالطوالع التي نزلت بركاتها من الله عز وجل على العباد. وهذه عوائد الألطاف الإلهية بنا التي لم نزل نجلس على موائدها، ونأخذ منها ما نهبه لرعايانا من فوائدها.
ويخص بالشكر قوادمها فهي تدب حولنا وتدرج، وتخص قوادمها بالثناء والمدح والحمد فهي تدخل إلينا وتخرج.
فليأخذ الجناب العالي حظه من البشرى التي جادت المن والمنح وانهلت أياديها الغدقة بالسح والسفح، وليتلقاها بشكر يضيء به في الدجا أديم الأفق، ويتخذها عقداً يحيط به من العنق إلى النطق، وليتقدم الجناب العالي بأن لا يحرك الميزان


صفحه 626

في هذه البشرى بالجباية لسانه، وليعط كل عامل في بلادنا المحروسة بذلك أمانه، وليعمل بمقتضى هذا المرسوم الشريف حتى لا يرى في إسقاط الجباية خيانة.
والله تعالى يديم الجناب العالي لقص الأنباء الحسنة عليه، ويمتعه بجلاء عرائس التهاني والأفراح لديه، بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكتبت أنا إلى زين الدين المذكور، وقد أعارني نسخة الفلك الدائر:
فديت مولى خالني مقتراً ... فعمني بالنائل الغامر
لم يرض بالأرض على قدره ... فجاد لي بالفلك الدائر
فراح وصفي في علا مجده ... مشتهراً كالمثل السائر
وأنشدني من لفظه لنفسه في ضوء البدر بين الغصون:
نظرت للشهب وقد أحدقت ... بالبدر منها في الدياجي عيون
والروض يستجلي سنا نوره ... فتحسد الأرض عليها الغصون
وكلما صانته أوراقه ... نازعها الريح فلاح المصون
فقلت حتى البدر لم تخله ... ريب الليالي في السما من عيون
فقلت له: والله حسن، ولكن أطلت فيه النفس في أربعة أبيات، ولو كان ذلك في بيتين لكان أحسن. وأنشدته لنفسي في ما بعد ذلك:
كأنما الأغصان لما انثنت ... أمام بدر التم في غيهبه
بنت مليك خلف شباكها ... تفرجت منه على موكبه


صفحه 627

وسيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة جمال الدين يوسف النابلسي الصوفي شيء من هذا المعنى.
وأنشدته يوماً الأبيات التي أوردتها في ترجمة شيخنا نجم الدين حسن بن محمد خطيب صفد، وأولها:
ولقد ذكرتكم بحرب ينثنى ... غن بأسها الهزبر الأغلب
فأنشدني هو لنفسه في هذا المعنى:
ولقد ذكرتك عندما بلغ الزبا ... عرق الجياد وفاض ماء النيل
والبحر بر بالوحول وقد طمى ... بالبر بحر فرسخ في ميل
والناس قد خاضوا فأغرق بعضهم ... ونجا القليل بضجة وعويل
وقلوبهم من روعها في غمرة ... ويطب ذكرك بينهم تعويلي
ولما رسم بعوده إلى ديوان الإنشاء بدمشق في أيام الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب دمشق، كتبت أنا إليه توقيعاً، ونسخته: رسم بالأمر العالي لا زال يزيد الأولياء زينا، ويزين الأكفاء بمن إذا حل صدراً كان عيناً، ويرتجع لكل مستحق ما كان له في ذمة الزمان ديناً، أن يستقر المجلس العالي الزيني في كذا، لأنه الكاتب الذي دبج المهارق، ورقم طورسها فكان لها نظرات الحدق ونضارة الحدائق، وخط سطورها التي إذا رملها غدت من الحسن كالريحان تحت الشقائق، وصرع بها أطيار المعاني لأن دالات السطور قسي، والنقط بنادق، وزان آفاقها بنجوم أسجاعه فلم يصل أحد إلى درجات فصاحتها لما فيها من


صفحه 628

الدقائق، وأصدرها في الروح والروع يرجى الحيا منها وتخشى الصواعق، وأودعها نفائس إنشائه فأثنى عليها أئمة البلاغة، ولو سكتوا أثنت حقائب الحقائق. طالما كتب بالأبواب الشريفة تقليداً، وجهز في المهمات كتباً ملأت البحر حرباً والبر بريداً، ووشى أمثلة صدرت عنها فطارت في الآفاق، ولكن أوثقتها الأفهام تقييداً، وعاد الآن إلى الشام فنفس عنه خناق الوحشة بقربه، وتلقها بالرحب علماً بأنه يغني عن الكتائب بكتبه، وأحله في رتبة يشرفها الولي بسلمه ويسوء العدو بحربه، شوقاً إلى أنس ألفه من لطفه، وعرفه من عرفه في نفح عرفه، فطاب به الواديان كلاهما، وتنافسا في أخذ حظيهما من قربه، فما تساهلا تساهماً، فهو من القوم الذين تسقى البلاد بهم وتسعد، وإذا قربوا من مكان تخطاهم السوء للأبعد، وإذا قاموا بمهم كانوا فيه أقعد، وإذا باشروا المعالي كانوا أسعد الناس وأصعد، وإذا كتبوا كبتوا العدا، لأن كلامهم لمع فأبرق وطرسهم قعقع فأرعد.
فليباشر ذلك على ما عهد من أدواته الكاملة، وكلماته التي تركت محاسن البرايا بائرة وأزاهر الخمائل خاملة. والوصايا التي تملا كثيرة، وكم شرع لها قرطاسه وشرعها بأقلامه، ونضد عقودها بإحكام أحكامه، وملأ بجيوشها صدور مهامه. فما يلقى إلى بحره منها دره، ولا يذكر لطود فضله منها ذره، ولا يطلع


صفحه 629

القلم في أفق فضل كله شموس من ذلك بدره، ولا يدل مثله على صواب، فقبيح بالعوان أن تعلم الخمرة، ولكن لا بد للقلم من لفتة جيد، وفلتة نفث تكون كالخال في الوجنة ذات التوريد.
وهي الذكر بتقوى الله تعالى التي من عدمها فقد باء بخسران متين، ومن لزمها فقد جاء بسلطان مبين.
والله يتولى رفعة مجده وسعة رفده. والخط الكريم أعلاه حجة بالعمل بمقتضاه. والله الموفق بمنه وكرمه. إن شاء الله تعالى.
وقد أوردت كثيراً من كلامه في ترجمته في التاريخ الكبير الذي أسميته الوافي بالوفيات.
؟؟

عمر بن سعد الله
الإمام زين الدين الحراني الحنبلي، المعروف بابن بخيخ، بباء موحدة وخاء معجمة مفتوحة، وياء آخر الحروف ساكنة، وخاء ثانية.
سمع الكثير، وحضر على الفخر، وكان بالفقه بصيراً، وبالنحو خبيراً، تخرج بالعلامة الشيخ تقي الدين بن تيمية وبغيره ممن ساد بعلمه في البرية. وناب في الحكم


صفحه 630

لابن المنجا، وخلص الحقوق ونجى، وكان يقول برأي الشيخ تقي الدين في المسائل التي انفرد بها ووقع له ما وقع بسببها، ويحكم بها وتسطر، ويذيب بها قلوب المخالفين فتفطر.
وكان شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى يتألم ويتأذى منه وما يتحلم، ولا ينفذ ما يحكم به ولا ما يراه، ولا يصل به أسبابه ولا عراه، ونازعه في ذلك مرات ولم يرجع، وأصر عليها إلى أن ركب على الشرجع.
ولم يزل على حاله إلى أن بخبخ الموت لابن بخيخ، وأتاه ما يأتي على الطفيل والشييخ.
وتوفي رحمه الله تعالى في أول شهر رجب سنة تسع وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة بضع وثمانين وست مئة.
وتألم الناس له.
وكان قد ولي مشيخة الضيائية، وألقى فيها دروساً محررة، وكان قد ناب في الحكم لقاضي القضاة علاء الدين بن المنجا الحنبلي بعد القاضي برهان الدين الزرعي رحمهم الله تعالى.
وقال يوماً قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى لقاضي القضاة علاء الدين بن المنجا: إن كنت تقول إن هذه الأحكام التي يحكم بها نائبك مذهب