وجاء بالجوهر الثمينجزلاًحتىاغتلى على عقود المدح الرصين
فطرسه جامع الفرائدرائدإلى الصواب
ولفظه زينة القصائدصائدفصل الخطاب
وكله نخبة العقائدقائدالى العجاب
وذكره صار في القرونيتلىحتى علامنابر الأيك والغصون
أقول للغيث في سحابهحابهفي وبله
فجوده للورى وشى بهشابهفي طله
ولم يقم قط في منابهنابهمن شكله
أفاض من فضله المعينسجلا ًملا الملاوسار في بحره سفيني
نظمي على رتبة الأفاضلفاضلديباجه
كأنه فيك بالأصائلصائلنواجه
فانظر لمن صار في المحافلآفلسراجه
ومن على ذروة الفنونحلاواستفلاسواه في حمأة وطين
موشحي رائق الطرائقرائقفي فنه
ما مثله قط في الخلائقلائقفي وزنه
إن عد يوماً من النوافقوافقلوزنه
فأنت فرد بلا قرين أملى ... سرح العلا حتى انجلت ظلمة الظنون
ومن موشحات السراج المحار رحمه الله تعالى:
أرقت لبرق لاح من أرض حاجري ... فأجرى دموعي من شؤون محاجري
وهيج لي التذكار ... فأضرمت الأفكار
في قلب الكئيب ... أو كادت تذيب
نيران الوجيب ... حشاشة الأشواق
كتمت الهوى جهدي ... وهل أنا كاتم
وقد جد بي وجدي ... وشوقي لازم
ونمت بما عندي ... دموع سواجم
فما حيلتي والدمع يبدي سرائري ... ويظهر ما جنت عليه ضمائري
ولم يبق لي أنصار ... سوى جلدي إن صار
لقلبي جلد، وإلا فقد ... براه الكمد وضاقت به الآفاق
؟ أعرت حمام البان ... بعض توجعي
فناحت على أفنان ... وجدي ولم تعي
ولو سقت الأغصان ... فائض أدمعي
لأورق منها كل ذاو وناضر ... بما رويت من ماء جفني وناظري
ولو كانت الأطيار ... إذا نحت في الأسحار
قبيل الصباح مثلي في النواح ... ما راشت جناح ولا لبست أطواق
فؤادي الذي أصماه ... سهم من النوى
فكابد ما يلقاه ... من ألم الجوى
وبي رشا لولاه ... لم أدر ما الهوى
ولا حل في قلبي سواه وناظري ... فيا نفس جدي في هواه وخاطري
ولا ترهبي الأخطار ... عسى تدركي الأوطار
فكم من هوى في نار الجوى ... وحكم الهوى تذل له الأعناق
دعاني إلى حبيه ... خد مورد
عليه لمن يجنيه ... صدغ مزرد
ومن جفنه يحميه ... سيف مجرد
فويلاه من تلك الجفون الفواتر ... تصول على عشاقه ببواتر
نضتها يد الأقدار ... لمن يجتني الأزهار
فيا من نظر سيوف الحور ... بأيدي القدر تسل من الأحداق
أسلت من البلوى ... سيول مدامعي
تنم يما تطوى ... عليه أضالعي
ولي كبد تكوى ... بنار مطامعي
فكن ناصري إن قل يا دمع ناصري ... عسى عاذلي في الحب يصبح عاذري
ومن يعشق الأقمار ... ولم يكتم الأسرار
يقاسي الولوع وفيض الدموع ... ونار الضلوع كذا صفة العشاق
فكلفت أنا معارضته، فقلت، وبالله التوفيق:
تغيبت يا بدري فطالت دياجري ... ولم أرج أنصاري وأنت مهاجري
وما تنفع الأنصار ... إذا زاغت الأبصار
وبات الغمام، يبكي المستهام ... وانجر الحمام إلى النوح بالأطواق
خلائقك الحسنى ... فتنت بها الورى
ومقلتك الوسنى ... سبت مني الكرى
ومبسمك الأسنى ... تنضد جوهراً
وجفنك يحمي الريق منك بباتر ... فيا بارداً قد راح يحمى بفاتر
ولو كانت الأزهار ... وقد راقت الأسحار
تروي عن شذاك وتحكي سناك ... لكانت هناك، حدائقها الأحداق
حبيبي قد أضحى ... هواك منيتي
ولي كبد قرحى ... لعظم بليتي
وجاء الذي يلحى ... تمام مصيبتي
فإن قلت إني في الهوى غير جائر ... فما ضر لو أصبحت بالوصل جابري
؟ وإلا فكم من جار ... على ذي غرام جار
ولا يختصر ولا يقتصر حتى ينتصر ... على الصب بالأشواق
يقرر في هجري ... دليل دلاله
ويمنع مع فقري ... جميل جماله
وينكر مع ضري ... وصول وصاله
ويقدم في سفك الدما غير قاصر ... بقسوة فتاك اللواحظ قاسر
وقد أصبح الخطار ... إذا ماس في أخطار
يشكو ما دهي إلى ملده ... ومن قده يشكو الغصن في الأوراق
له مبسم ألمى ... حلا وهو بارد
؟ به اتسقت نظماً لآلي فرائد
إلى رشفه نظمأ ... وما ثم وارد
وقد دار في خد من الورد ناضر ... له عارض قد راق في كل ناظر
له خبر قد طار ... وقد ملا الأقطار
فما ينكر لما يشكر ... ولا يذكر إلا فاق في الآفاق
تجنى وما أبقى ... وسر معاندي
ورق لما ألقى ... من السقم عائدي
وجفناه قد شقا ... حبالة صائد
؟ وهل يكتفي صب نوافث سامر ... بقلب سليب فاقد الصبر حاسر
ومن ذا الذي قد ثار ... وحاول أخذ الثار
من سهم مرق بطرف رمق ... وسحر الحدق لوا نصره خفاق
؟
عمر بن مظفر
ابن عمر بن محمد بن أبي الفوارس، الشيخ الإمام الفقيه النحوي الأديب الشاعر الناثر زين الدين أبو حفص بن الوردي المعري الشافعي.
أحد فضلاء العصر وفقهائه وأدبائه وشعرائه. تفنن في علومه، وأجاد في منثوره ومنظومه. شعره أسحر من عيون الغيد، وأبهى من الوجنات ذات التوريد. قام بفن التورية فجاءت معه قاعدة، وخطها في الطروس وهي فوق النجوم صاعدة، يطرب
اللبيب لسماعها ولا طرب الصوفي للشبابه، ويعجب الأديب لانطباعها ولا عجب الغواني بما التحف شبابه، ويرغب الأريب لارتجاعها ولا رغبة الروض الذي صوح في صوب السحابة. ويدأب النجيب في اقتطاعها ولا دأب المحب في التمسك بأذيال محبوبه السحابة:
لفظ كأن معاني السكر تسكنه ... فمن تحفظ بيتاً منه لم يفق
كأنه الروض يبدي منظراً عجباً ... وإن غدا وهو مبذول على الطرق
وفقهه للطالب روضه، وللأصحاب الفتاوى قد شرع حوضه. نظم الحاوي وزاده مسائل، وجعله بعد وحشة الأذهان منه خمائل، وعربيته تلافيها ما أنس غريبها بتلافيها وقربها إلى التعقل بعد تجانفها وتجافيها، وسهل عويصها فلو سمعته الأعرابية ما قالت: " يا أبت أدرك فاهاً غلبني فوها لا طاقة لي بفيها "، إلا أنه مع هذه القدرة وهذا التمكن من فن الأدب، وكونه إذا تصدى للنظم تنسل إليه المعاني من كل حدب، لا يسلم من الإغارة على من سواه، واغتصاب ما سبقته إليه غيره وما حواه، ولا يعف عما هو لمن تقدمه أو عاصر أو استسلم له أو حاصره. وبهذه الخلة نقص، ولولاها صفق له الزمان ورقص.
ولم يزل في حلب يتولى القضاء في تلك النواحي، وتبكي الغمائم لفراقه وتبتسم لقدومه ثغور الأقاحي، إلى أن ترك الولايات ورفضها، وعاد على أحكامها ونقضها، وأرصد نفسه للإفادة، وتلفع برداء الزهادة، واختص بسيادة العلم وهي
السيادة. وتخرج به جماعة وتنبهوا، وحاكوا طريقه وتشبهوا، إلى أن افترس الوردي ورد المنية، وأصبح في حفرة القبر من وراء الثنية.
وتوفي رحمه الله تعالى في سابع عشري ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبع مئة في طاعون حلب.
وتوفي أخوه القاضي جمال الدين يوسف قبله بقليل.
وكان الشيخ زين الدين رحمه الله تعالى قد رأى عجائب الطاعون في حلب، فعمل فيه رسالة أنشأها وأبدعها وسماها: النبا في الوبا، ولكنه ختم به الوبا، وفجع الناس فيه.
وقلت أنا فيه لما بلغتني وفاته:
لئن ذوى الوردي في هذه ال؟ ... دنيا لقد أينع في الخلد
إنما أوحش ربع النهى ... والفضل في نقص وفي رد
والعلم روض ماله رونق ... لأنه خال من الوردي
وكنت قد كتبت إليه من دمشق في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مئة:
سلام على الحضرة العالية ... سلام امرئ نفسه عانيه
لأن لها رتبة في العلا ... ذوائبها في السما ساميه
ويؤنس من غدا يجتني ... قطوف مسراتها دانيه
أيا عمر الوقت أنت الذي ... كراماته في الورى ساريه
ويا بحر علم طمى لجه ... فكم جاءنا عنه من راويه
ويا بحر علم طمى لجه ... فكم جاءنا عنه من راويه
ويا فاضلاً أصبحت روضة ال؟ ... علوم بتحقيقه زاهيه
لك الخط كم فيه من نقطة ... لها الحظ بالقلب في زاويه
تقدمت في النظم من قد مضى ... لأنك في الذروة العاليه
ورخصت أسعار أشعارهم ... كأن مدادك من غاليه
وكم من قصيد إذا حكتها ... تكون القلوب لها قافيه
ونظمت في مذهب الشافعي ... كتاباً غدا حاوياً حاويه
وزدت مسائله جملة ... بتحقيق مذهبه وافيه
فما لك من مشبه في الورى ... ويا حسن ما ههنا نافيه
لئن كنت أرسلت هذا القريض ... فللبحر قد سقته ساقيه
وإلا فأهديت نحو الريا ... ض وقد أينعت زهرة ذاويه
وسترك إن لم أكن حاضراً ... يغطي مساوئه الباديه
فلا زلت في نعمة وفرها ... تساق له جملة باقيه
يقبل الأرض ويسأل الله أن يمن عليه بجمع شمله، ويقرب اللقاء، فإن التمني قد أطال المدة في وضع حمله، وأن يريه ذلك الشخص الذي يروق البدور السيارة، ويروع الأسود الزأارة، وأن يرزقه اجتلاء ذلك الروض الذي نجني بسمعه أزهاره التي تسلب النظارة بالنضارة، وأن يورده على ظمئه البرح تلك الفضائل التي أبحرها زخاره، وأمواجها هدارة، وأن ينزله المحل الذي يخرج منه ومعه بكارة المعاني التي تبرز منها بكارة بعد كاره، وأن يمتع طرفه بذلك البدر الذي يأخذ الناس من فوائده الكواكب السيارة، وأن يطلع عليه شمس فوائده التي تشرق من الطلبة في الهالة والدارة:
لعل الله يجعله اجتماعاً ... يعين على الإقامة في ذراكا
وينهي أنه لما كان في الديار المصرية حضر من حلب المحروسة المولى شمس الدين محمد بن علي بن أيبك السروجي، وأنشد المملوك تضمين أعجاز ملحة الإعراب لمولانا أدام الله فوائده فأخذ من المملوك بجامع قلبه، ودخل على لبه بهمزة سلبه، وعلم به القدرة على التصرف في الكلام، وتحقق أن نظم غيره إذا سمع قوبل بالملال والملام. وقال في ذلك الوقت عندما حصل له في كلام مولانا المقة وفي كلام غيره المقت:
يا سائلاً عمن غدا فضله ... مشتهراً في القرب والبعد
الناس زهر في الثرى نابت ... وما ترى أذكى من الوردي
وكان المملوك قد علقها، وأدخلها أبواب حاصله وأغلقها، فاغتالتها أيدي الضياع، وعدم أنس حسنها المحقق من بين الرقاع.
ثم إني سألته أن يجيزني رواية ما يجوز له تسميعه، فكتب الجواب، ومن خطه نقلت:
كتب إلي فلان أمد الله تعالى في جاهه، وجمل النوع الإنساني بحياة أشباهه، يستجيز مني رواية مصنفاتي ومروياتي ومؤلفاتي، ففديته سائلاً، وأجبته قائلاً: أما بعد حمد الله جابر الكسير، والصلاة على نبيه محمد البشير النذير، وعلى آله الذين أعريت أفعالهم فسكن حب أسمائهم في مستكن الضمير.
فإني ألقي إلي كتاب كريم، يشتمل بعد بسم الله الرحمن الرحيم، على نظم فائق بهي، ونثر رائق شهي، غرس لي أصوله بفضله خليل جليل، فامتد علي من فروعه ظل ظليل، فرأيته فانتصبت له قائماً على الحال، وتميزت به على غيري، فطبت نفساً بعد الاعتلال، وابتهلت بالدعاء لمهديه مخلصاً، ولكن أسأت الأدب إذ وازنت جوهر نظمه بالحصى حيث قلت:
سلام على نفسك الزاكية ... وشكراً لهمتك العالية
أزهراً أم الزهر أهديتها ... لعبد مدامعه جارية
كتاب يفوح شذى نشره ... فلي منه رائحة جائيه
وسعد معاديه عن مركز ال؟ ... سعادة يلجا إلى زاويه
إذا حمل الجدي في نطحه ... ففاس إلى رأسه دانيه
وقابلني حين قبلته ... من الطيب ما أرخص الغاليه
وفكهني في جنى غرسه ... ولا سيما بيت ما النافيه
تردد عيني به لا سدى ... ولكنها تطلب العافيه
فمهديه أفديه من سيد ... أياديه رائقة راقيه
لعل الخليل بداني به ... ليجعلها كلمة باقيه
فيا جابراً دم معاذاً فكم ... بعثت لمحلي من ساريه
لأقلامك الرفع تبنى بها ... على الفتح أفعالها الماضيه
ولو لم يكن قد سبا نورها ... لما حمل الخادم الغاشيه
فإن أهلك الناس جهل بهم ... فأنت من الفرقة الناجيه
فكم باب نصر تبوأته ... فأذهاننا منه كالجابيه