ومولده يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعين وست مئة.
وقلت أنا فيه:
إن فن الشعر نادى ... في جميع الأدباء
أحسن الله تعالى ... في الصفي الحلي عزائي
وأنشدني من لفظه الشيخ جمال الدين محمد بن نباته:
يا سائلي عن رتبة الحلي في ... نظم القريض وراضياً بي أحكم
للشعر حليان ذلك راجح ... ذهب الزمان به وهذا قيم
وكان قد دخل إلى مصر في سنة ست وعشرين وسبع مئة تقريباً، وأظنه وردها مرتين، ومدح القاضي علاء الدين بن الأثير بعدة مدائح، وأقبل عليه كثيراً، ودخل به إلى السلطان الملك الناصر، وقدم مديحه، واجتمع بالشيخ فتح الدين، وبأثير الدين، وبمشايخ ذلك العصر، ولما دخلت بعده، وجدتهم يثنون عليه.
وأما الصدر المعظم شمس الدين عبد اللطيف الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، فكان يظن بل يعتقد أنه ما نظم الشعر أحد مثله لا في المتقدمين ولا في المتأخرين مطلقاً.
واجتمعت أنا به في الباب وبزاعة من بلاد حلب في مستهل ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، كنا في الصيد مع الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، وأجاز لي بخطه جميع ماله من نظم ونثر وتأليف مما سمعته منه، وما لم أسمعه، وما لعله يتفق له بعد ذلك التاريخ على أحد الرائين، وما يجوز له أن يرويه سماعاً وأجازة ومناولة ووجاده بشرطه.
وأنشدني من لفظه لنفسه في التاريخ والمكان:
للترك مالي ترك ... مادين حبي شرك
حواجب وعيون ... لها بقلبي فتك
كالقوس يصمي وهذي ... تشكي المحب ويشكو
وأنشدني أيضاً من لفظه لنفسه:
وإذا العداة أرتك فر ... ط مذلة فإليك عنها
وإذا الذئاب استنعجت ... لك مرة فحذار منها
وأنشدني من لفظه لنفسه:
لا غرو أن يصلى الفؤاد بذكركم ... ناراً تؤججها يد التذكار
قلبي إذا غبتم، يصور شخصكم ... فيه، وكل مصور في النار
وأنشدني من لفظه لنفسه:
يقبل الأرض عبد تحت ظلكم ... عليكم، بعد فضل الله، يعتمد
ما دار مية من أسنى مطالبه ... يوماً وأنتم له العلياء والسند
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأغر تبري الإهاب مورد ... سبط الأديم محجل ببياض
أخشى عليه بأن يصاب بأسهمي ... مما يسابقني إلى الأغراض
وأنشدني من لفظه لنفسه:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرح ... يميس من عجبه كالشارب الثمل
مضمر مشرف الأذنين تحسبه ... موكلاً باستراق السمع من زحل
ركبت منه مطاليل تسير به ... كواكب تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوته ... مرت بهاديه وانحطت عن الكفل
قلت: ولم يطل اجتماعنا به، لأنه كان قد قصد الأمير سيف الدين تنكز نائب الشام رحمه الله، لأنه كان قد سرقت له عملة بماردين، وبلغه أن اللص من أهل صيدنايا، وسأل كتابه إلى متولي البريد بدمشق بأمساك غريمه.
وقوله: " كالقوس ... " الأبيات، إشارة إلى قول ابن الرومي:
تشكي المحب وتشكو وهي ظالمة ... كالقوس تصمي الرمايا وهي مرنان
وقوله: " وإذا الذئاب استنعجت ... " البيت، يريد بذلك قول القائل:
وإذا الذئاب استنعجت لك مرة ... فحذار منها أن تعود ذئاب
والذئب أخبث ما يكون إذا اكتسى ... من جلد أولاد النعاج ثيابا
وديوانه يدخل في مجلدين كبار أو ثلاثة صغار، وكله منتخب.
وله قصيدة ميمية في مديح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عارض بها البردة، أتى فيها بما يزيد على المئة والأربعين نوعاً من البديع، وشرحها وسماها: نتائج الألمعية في شرح الكافية البديعية. وجود في هذه القصيدة ما شاء.
وله مدائح ببني أرتق على حروف المعجم، مجلد. وله كتاب: العاطل الحالي والمرخص الغالي. وقال لي إنه وضع شيئاً في الجناس، ولم أره إلى الآن. وقيل: إنه عمل مقامات يسيرة.
والذي أقوله: إن الرجل كان أديباً كبيراً عالماً فاضلاً قادراً على النظم والإنشاء، مهما أراد فعل.
وأنشدني له إجازة:
سوابقنا والنقع والسمر والظبي ... وأحسابنا والحلم والبأس والبر
هبوب الصبا والليل والبرق والقضا ... وشمس الضحى والطود والنار والبحر
وأنشدني إجازة، وفيه استخدامان:
لئن لم أبرقع بالحيا وجة عفتي ... فلا أشبهته راحتي في التكرم
ولا كنت ممن يكسر الجفن في الوغى ... إذا أنا لم أغضضه عن رأي محرم
قلت: استخدام الحيا في مفهومية، وهو: الحيا، نقيض الوقاحة، والحيا: المطر. واستخدم الجفن في مفهوميه، أحدهما: جفن السيف وهو قرابة، والجفن: غطاء العين، وهو من غريب النظم.
وأنشدني له إجازة في مثله:
لا يسمع العود منا غير حاضنه ... من لبة الشوس يوم الروع بالعلق
ولا يعاطي كميتاً غير مصدره ... يوم الصدام بليل العطف بالعرق
وأنشدني له إجازة في سبع تشبيهات:
وظبي بقفر فوق طرف مفوق ... بقوس رمى في النقع وحشاً بأسهم
كشمس بأفق فوق برق بكفه ... هلال رمى في الليل جناً بأنجم
ونقلت من خطه وهو مما يقرأ مقلوباً: " كد ضدك. كن كما أمكنك. كرم علمك يكمل عمرك ".
ونقلت من خطه رسالة طويلة نظماً ونثراً، كل كلمة منها تصحيف ما بعدها، تكون أربع مئة كلمة، وهي: " قبل قبل يداك ثراك عبد عند رخاك رجاك، أبي أبي سؤال سواك. آمل أمك رجاء رخاء. فألغى فألقى جدة خده بأعتابك باغياً بك شرفاً سرفا. لاذبك لأدبك مقدماً مقدماً أمل آمل يزجيه يبشره بيسره وجودك وجودك. فاشتاق فاستاف. عَرف عرُف منك مثل عبير عنبر، وقَدم وقُدم، صَدقه صِدقه متجملاً متحملاً بصاعه بضاعة تبر نثر.
سند سيد حليم حكيم ... فاضل فاضل مجيد مجيد
حازم جازم بصير نصير ... زانه رأيه الشديد السديد
أمه أمة رجاء رخاء ... أدركت إذ زكت نقود تقود
مكرمات مكرمات بنت بي؟ ... ت علاء علا بجود يجود
وهي طويلة، ربما تزيد على الأربع مئة. وقد أوردتها بمجوعها في كتاب: حرم المرح في تهذيب لمح الملح.
وأنشدني له إجازة مضمناً.
تزوج جاري وهو شيخ صبية ... فلم يستطع غشيانها حين جاءها
ولو أنني بادرتها لتركتها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
وأنشدني له إجازة:
ليهنك أن لي ولداً وعبداً ... سواء في المقال وفي المقام
فهذا سابق من غير سين ... وهذا عاقل من غير لام
وأنشدني لنفسه إجازة:
وذات حر جادت به فصددتها ... وقلت لها: مقصودي العجز لا الفرج
فدارت ودارت سوء خلقي بالرضا ... وفي قلبها مما تكابده وهج
إذا ما دفعت الأير فيها تجشأت ... وذاك ضراط لم يتم له نضج
وأنشدني له إجازة:
خلياني أجر فضل برودي ... راتعاً في رياض عين البرود
كم بها من بديع زهر أنيق ... كفصوص منظومة وعقود
زنبق بين قضب آس وبان ... وأقاح ونرجس وورود
كجبين وعارض وقوام ... وثغور وأعين وخدود
وأنشدني له إجازة:
ولي غلام كالنجم طلعته ... أخدمه وهو بعض خدامي
تراه خلفي طول النهار فإن ... دجا لنا الليل صار قدامي
جعلته في الحضور مع سفري ... كفروة الحرث بن همام
قلت: يريد قول الحريري: فعمدت لفروة هي في النهار رياشي وفي الليل فراشي.
وأنشدني لنفسه إجازة:
لما رأت علياك أني كالذي ... أبدو فينقصني السقام الزائد
وافيتني ووفيت لي بمكارم ... فنداك لي صلة وأنت العائد
قلت: أخذ هذا من واقعة شرف الدين بن عنين مع الملك المعظم لما كتب إليه وهو ضعيف:
انظر إلي بعين مولى لم يزل ... يولي الندى وتلاف قبل تلافي
أنا كالذي أحتاج ما أحتاجه ... فاغنم ثنائي بالجيمل الوافي
فحضر المعظم إليه وقال له: أنت الذي وأنا العائد وهذه الصلة، وأعطاه صرة فيها ثلاثة مئة دينار. ولكن صفي الدين زاد هنا النقص، لأن الذي عند النحاة اسم ناقص يحتاج إلى صلة وعائد.
وأنشدني له إجازة:
وعود به عاد السرور لأنه ... حوى اللهو قدماً وهو ريان ناعم
يغرب في تغريده فكأنه ... يعيد لنا ما لقنته الحمائم
وأنشدني له إجازة يطلب مشمشاً:
يا جواداً أكفه في مجال الحر ... ب حتف وفي النوال غمامه
جد بتضعيف عكس مشطور تصحيف مثنى ترخيم مثل علامه