إليه، وكانت جملتها خمسين ألف دينار، وكنت بالقاهرة في تلك المدة، وصنع في ليلة عرسه الأمير سيف الدين قجليس برج بارود ونفط يقال: إنه غرم عليه مقدار ثمانين ألف درهم.
وكان من قوصون قد حضر أولاً إلى الديار المصرية مع الجماعة الذين حضروا صحبة ابنة القان أزبك زوج السلطان، وهو ابن ناس ولم يكن مملوكاً، ولكنه طلع يوماً مع تجار المماليك ليرى السلطان قريباً، فوقعت عين السلطان عليه، فقال: لأي شيء ما تبيعونني هذا؟ فقالوا: هذا ما هو مملوك، فقال: لا بد أن أشتريه، فوزن فيه مبلغ ثمانية آلاف درهم وجهزت إلى أخيه صوصون إلى البلاد، ثم إنه أنشأه وقدمه وأمره ورشحه لكل شيء، وأعطاه آمرية مئة وتقدمة ألف، وصار في طبقة بكتمر الساقي، وكان يتنفس عليه ويفتخر، ويقول: أنا السلطان اشتراني بماله، وكنت من خواصه وأمرني وقدمني وزوجني ابنته، ما أنا مثل غيري تنقلت من التجار إلى الاصطبلات إلى الطباق.
وعمر جامعاً حسناً على بركة الفيل وعمر الخانقاة المليحة العظيمة بالقرافة وكان السلطان يتنوع في الإنعام عليه. قيل: إن السلطان دفع إليه مفتاح الزردخاناه التي لبكتمر الساقي وقيمتها ست مئة ألف دينار.
ولما مات السلطان الملك الناصر قام هو في صف المنصور أبي بكر، وقام في صف الناصر أحمد الأمير سيف الدين بشتاك، واختلفا، وفي الآخر كان الأمر على ما أراده
قوصون حسبما تقدم ذكره في ترجمة بشتاك، وجلس الملك المنصور أبو بكر على التخت، واستقرت قواعده. ثم إن خلطاءه حسنوا له القبض على قوصون وعلى غيره من الأمراء، فبلغ ذلك قوصون، فعمل عليه وخلعه من الملك وجهزه إلى قوص، وأجلس أخاه الأشرف كجك على كرسي الملك، وحلف الناس له، وصار هو نائباً، وجهز الفخري إلى الكرك يحاصر أحمد، فجرى ما جرى في ترجمة الفخري.
وكان طشتمر نائب حلب قد تنفس أولاً على قوصون، فاستعان عليه بألطنبغا نائب دمشق، ولما خرج من دمشق خامر الفخري على قوصون، وحضر إلى دمشق، وملكها، وجرى ما تقدم، وأغرى الفخري الناس بقوصون، وصار يقول: هذا الغريب يخلع ابن أستاذنا ويقتله؟! هذا ما نصبر عليه. وظهر الشناع على قوصون لما قتل أبو بكر في قوص، وكان قد قتل جماعة من الحرافيش، وقطع أيدي جماعة وسمرهم، وسمر جماعة من الخدام، وسمر ولي الدولة الكاتب الذي تقدم ذكره، وغيره، فنفرت القلوب منه، وأخذ الفخري يكاتب أمراء مصر عليه، فتنكر أيدغمش أمير آخور عليه، وعامل الخاصكية عليه، فاجتمعوا عنده، وأقاموا ليلتهم عنده صورةً في الظاهر معه، وهم في الباطن عليه عيون، ونادى أيدغمش في الناس بنهب إصطبل قوصون، فثار العوام والحرافيش، وخربوا الإصطبل والخانقاه ونهبوهما، ونهبوا بيوت جماعته وألزامه وحاشيته، وهو يرى ذلك من الشباك ويقول: يا مسلمين، ما تحفظون هذا المال، إما أن يكون لي أو للسلطان، فيقول أيدغمش: هذا شكران للناس، والذي عندك فوق من الجواهر يكفي السلطان، وكلما هم قوصون بالركوب في مماليكه الذين لبسوا السلاح كسر الخاصكية عليه وقالوا له: يا خوند، نحن غداً نركب، ونرمي هؤلاء بالنشاب وقد تفرقوا. لوم يزالوا به إلى أن أمسكوه وقيدوه
وجهزوه مع ألطنبغا نائب دمشق وغيرهما، واعتقلوهم في ثغر الإسكندرية - على ما تقدم في ترجمة ألطنبغا -.
ولم يزل معتقلاً بها إلى أن حضر الناصر أحمد من الكرك، وجلس على كرسي الملك بقلعة الجبل، ثم إنه اتفق آراء الدولة على أن جهزوا الأمير شهاب الدين أحمد بن صبح إلى الإسكندرية، فدخل إلى السجن، وخنق ألطنبغا وقوصون وغيرهما في شوال أو في أواخر ذي القعدة من السنة المذكورة.
ولما مات - رحمه الله، تعالى - خلف عدة بنين وبنات.
وكان خيراً يعطي العشرة آلاف درهم والألف إردب قمحاً.
وكان إذا انفرد عن السلطان وهو في الصيد وتوجه هو لنفسه يروح معه ثلث العسكر، وكان الناس يهرعون إلى بابه، ويركب قدامه في القاهرة مئة نقيب أو دون ذلك.
وكان أخوه صوصون أميراً، وابن أخته الأمير سيف الدين بلجك أميراً.
وكان قد وقع بينه أخيراً وبين تنكز، ولما أمسك تنكز وحمل إلى باب السلطان ما عامله قوصون إلا بالجميل، وخلصه من القتل وأشار بحبسه. وعمل النيابة جيداً، وأنعم على الأمراء والخاصكية، وفرق فيهم وفي عسكر مصر - على ما قيل - ست مئة ألف دينار، ولم يتم أمره مستقيماً في النيابة شهرين حتى خرج عليه طشتمر من حلب والفخري من الكرك، وكثرت البثوق عليه، وأعياه سدها، ونهب الناس والحرافيش
شيئاً كثيراً إلى الغاية، حتى إن الدينار أبيع بعشرة دراهم كل مثقال وبأقل لكثرة ما نهب.
وعلى الجملة فكان أمره في أول حاله وفي وسطه وفي آخره من أعاجيب الزمان وغرائب المقدورات.
وقلت أنا في واقعته مع أيدغمش:
قوصون قد كانت له رتبةً ... تسمو على بدر السما الزاهر
فحطه في القيد أيدغمش ... من شاهق عال على الطائر
ولم يجد من ذله حاجباً ... فأين عين الملك الناصر
صار عجيباً أمره كله ... في أول الأمر وفي الآخر
الألقاب والأنساب
القلانسي جماعة، منهم: مفيد بغداد جمال الدين أحمد بن علي. ومنهم: جمال الدين وكيل بيت المال أحمد بن محمد. ومؤيد الدين أسعد ابن الصاحب عز الدين حمزة. وجلال الدين إبراهيم بن محمد. وأمين الدين بن الجلال حسن بن علي. وعلاء الدين وكيل بيت المال علي بن محمد. والصاحب عز الدين حمزة بن أسعد. عز الدين المحتسب محمد بن أحمد. وشرف الدين محمد بن علي. وشرف الدين محمد بن محمد. ومحيي الدين محمود بن محمد. ونجم الدين محمد بن أسعد. وأمين الدين كاتم السر محمد بن أحمد.
قيران
الأمير شرف الدين المنصوري.
كان في القاهرة أمير عشرة، يسكن بالحسينية، وينوب في الأستاذ دارية، وصحب ابن معضاد، ويحفظ شيئاً من كلامه.
ثم إنه نقل إلى شد الديوان بدمشق، وأقام بها مدة. ثم إنه نكب مدةً، ثم نقل إلى حلب، ثم إنه قطع خبره.
وقدم دمشق وكانت نيته أن يتوجه إلى مصر، فتوفي - رحمه الله، تعالى - بداره في درب تليد بدمشق في شهر ربيع الآخر سنة تسع وسبع مئة.
القيراطي: شرف الدين عبد الله بن محمد.
الألقاب والأنساب
بنو القيسراني جماعة: عماد الدين القيسراني إسماعيل بن محمد. وولده القاضي شهاب الدين يحيى. وشمس الدين إبراهيم بن عبد الرحيم. والصاحب فتح الدين عبد الله بن محمد. وعز الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد الله. وشرف الدين محمد بن عبد الله.
قيصر
الحلاوي بالقاهرية. كان مشهوراً بجودة الحلوى يضرب به المثل في ذلك، مع المواظبة على الخير والصلوات في أوقاتها.
توفي - رحمه الله، تعالى - في تاسع شهر ربيع الأول سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ابن قيم الجوزية: شمس الدين محمد بن أبي بكر. وولده عبد الله بن محمد.
ابن القيم: علي بن عيسى.
حرف الكاف
الألقاب والأنساب
الكامل: شعبان بن محمد.
والملك الكامل: محمد بن عبد الملك.
الكازروني: علي بن محمد.
الكاساني: محمد بن إبراهيم.
كاوزكا
الأمير سيف الدين المنصوري.
كان من أكابر أمراء دمشق، ومن أكبر مماليك السلطان الملك المنصور.
ورثه السلطان الملك الناصر محمد بالولاء لما توفي في ذي القعدة سنة ست وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون.
ومما يحكى عنه أنه كان إذا استعمل الشراب وطاب وثمل وانتشى أمر مماليكه أن يخرجوا إلى مهتار الطبلخاناه ويأمروه بدقها، واشتهر ذلك عنه واستفاض، وإلى الآن بعض الناس يقول إذا سمع طبلخاناه في غير وقتها: سكر كاوزكا.
1392 - م -
كبيس بن منصور بن جماز
الشريف أمير المدينة الحسيني.
تولى إمرة المدينة لما قتل والده منصور في رابع عشر شهر رمضان سنة خمس وعشرين وسبع مئة.
ولم يزل بها إلى أن قتل أيضاً في شهر رجب سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
ابن الكتاني: الشيخ زين الدين عمر بن أبي الحرم.
كتبغا
الملك العادل زين الدين المنصوري المغلي.
كان فيه دين وتعبد، وخير ومزايا له بها تفرد. عديم الشر لا يناوي من ناواه، ولا يقاوي من قاواه، منقاداً لأحداث دهره، مرتاداً لما يريده من خيره وشره، ولذلك سلمت له العاقبه، وأفادته الإنابة إلى الله والمراقبه. ولكن جاء الغلاء المفرط في أيامه، ونقص النيل زائداً عما عهد في قديم أعوامه، فتشاءم الناس بطلعته، ولم ينفق القدر له رديء سلعته، وكان إذا رأى ذلك زاد بكاؤه، وعظم ابتكاؤه، وقال: هذا بحظي وخطيئتي، وهذا جاء في قسمي وقدر في عطيتي:
وغايتي أن ألوم حظي ... وحظي الحائط القصير
ثم إن أخصاءه خانوه، وشانوه بعدما زانوه، ولما فطن لما بطن، وعلم أن الشر قد خيم عنده بعدما قطن، فعل كما فعل الحارث بن هشام، ونجا برأس طمرة ولجام، وتحصن بقلعة دمشق فما أفاده، ثم إنه رجع بعد ذاك إلى الهواده، ونزل على حكم اليد الغالبه، ورضي بعد الموجبة بالسالبه، فأمسى في حالة بعين الرحمة مرموقه، وأصبح بعد أن كان ملكاً وهو في عداد السوقه، عبرة لمن تذكر، وتبصرة لمن تفكر.
واضطر إلى قلعة صرخد بعد ملك مصر والشام، وقعد على مقالي النار بعد ذلك المقام، ثم بعد لأي لوى الزمان إليه عنانه، ورفع قليلاً مكانه، وتوجه إلى حماه، وأرشفه ثغر الزمان لماه، فأقام بها إلى أن زار الموت حماه، وأصابه بسهمه لما رماه.
وتوفي - رحمه الله، تعالى - في يوم النحر نهار الجمعة سنة اثنتين وسبع مئة، ونقل تابوته إلى دمشق، ودفن بتربته بسفح قاسيون.
وكان - رحمه الله، تعالى - أسمر قصيراً دقيق الصوت، لحيته صغيرة في حنكه، أسر حدثاً من عسكر هولاكو نوبة حمص الأولى في آخر سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وأمره أستاذه الملك المنصور، وكان من أمراء الألوف، ثم إنه عظم في دولة الأشرف، التف الخاصكية عليه، وحمل بهم على بيدرا وقتلوه. ولما حضر السلطان الملك الناصر من الكرك عقيب ذلك جعله نائبه، واستمر الحال سنة، ثم تحول الناصر إلى الكرك، وتسلطن كتبغا ولقب العادل، ونهض بأمره لاجين وقراسنقر وطائفة كان قد اصطنعهم في نوبة الأشرف، وتمكن.
وكان جلوسه على الكرسي في يوم الأربعاء حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وست مئة.