وأما الأدب - وكان فيه فريداً، يفهم نكته، ويذوق غوامضه، ويستحضر من الأخبار والوقائع للناس قاطبةً جملة كبيرة - فحفظ من الشعر شيئاً كثيراً إلى الغاية للعرب والمولدين والمحدثين والمتأخرين والعصريين. لوه في الأدب تصانيف، وكان يعرف العروض والبديع جيداً، ولم أر مثل ذهنه يتوقد ذكاءً بسرعة ما لها روية، وما رأيت فيمن رأيت أصح ذهناً منه، ولا أذكى.
وأما عبارته الفصيحة الموجزة الخالية من الفضول فما رأيت مثلها. قال لي شيخنا الحافظ فتح: ما رأيت من يعبر عما في ضميره بعبارة موجزة مثله. انتهى.
ولم أر أمتع منه، ولا أفكه من محاضرته، ولا أكثر اطلاعاً منه على أحوال الناس وتراجمهم ووقائعهم، ممن تقدم، وممن عاصره.
وأما أحوال الشرق ومتجددات التتار في بلادهمفي أوقاتها فكأنها كانت القصاد تجيء إليه، والملطفات تتلى عليه، بحيث إنني كنت أسمع منه ما لم أطلع عليه في ديوان الإنشاء عند كاتب السر.
وأما الرقى والعزائم فيحفظ منها جملاً كثيرة، يسردها سرداً. وله اليد الطولى في الروحانيات والطلاسم وإخراج الخبايا، وما يدخل في هذا الباب، وله اليد الطولى والباع المديد في معرفة الأصناف من الجواهر والقماش والآلات وأنواع العقاقير والحيوانات، وما يحتاج إليه البيمارستان المنصوري لا يشترى شيء، ولا يدخل البيمارستان إلا بعد عرضه عليه، فإن أجازه اشتراه الناظر، وإن لم يجزه؛ لم يشتر
البتة، وهذا اطلاع كثير ومعرفة تامة، فإن البيمارستان يريد كل ما في الوجود، مما يدخل في الطب والكحل والجراح والترايق، وغير ذلك.
وأما معرفة الرقيق من المماليك والجواري فإليه المآل في ذلك، ورأيت المولعين بالصنعة يحضرون إليه ويذكرون ما وقع لهم من الخلل في أثناء ذلك العمل، فيرشدهم إلى الصواب، ويدلهم على إصلاح ذلك الفساد، ولم أر شيئاً يعوزه من كمال أدواته، إلا أن عربيته كانت ضعيفة، وخطه أضعف من مرضى مارستانه، ومع ذلك فله كلام حسن، ومعرفة جيدة بأصول الخط المنسوب، والكلام على ذلك وأنشدني من لفظه لنفسه:
ولقد عجبت لعاكس للكيميا ... في طبه قد جاء بالشنعاء
يلقي على العين النحاس يحيلها ... في لمحة كالفضة البيضاء
وقرأت عليه من تصانيفه " إرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد " عوداً على بدء، ومن هذا المصنف يعرف قدره، وكتبت عليه:
لقد وضع الشيخ تصنيفه ... ولكن على زهرات النجوم
جلا كل فضل بمرآته ... فيها تطالع كل العلوم
وقرأت عليه " اللباب في الحساب "، وكتاب " نخب الذخائر في معرفة الجواهر "، وكتاب " غنية اللبيب عند غيبة الطبيب "، وقد جوده. ومما لم أقرأه
عليه من تصانيفه، بل أجازه لي كتاب " كشف الرين في أمراض العين "، وتألمت لفقده لما بلغتني وفاته - رحمه الله تعالى -.
وكان له تجمل زائد في بيته وفي ملبوسه ومركوبه من الخيول المنسوبة والبزة الفاخرة، ثم إنه اقتصر على الخيل، وآلى على نفسه أن لا يطلب أحداً إلا إن جاءه إلى بيته أو في الطريق أو البيمارستان، وامتنع من التوجه إلى بيت أحد.
وكان مرصداً لتركيب الترياق في كل سنة بالبيمارستان المنصوري، وله في كل سنة مبلغ ست مئة درهم، ولما باشر الأمير جمال الدين نائب الكرك نظر البيمارستان أعجبه كثيراً، وأضعف معلومه - لأنه كان ستين درهماً - فجعله مئة وعشرين درهماً، وكان يعطيه الذهب من عنده خارجاً عن الجامكية المقررة له، وكان من أطباء البيمارستان، ومن نصيبه فيه مداواة الممرورين، ولما بلغتني وفاته - رحمه الله تعالى -؛ قلت أنا فيه:
من الطاعون قلبي في انقلاب ... فإن لكل من تلقاه فاني
ولما مات شمس الدين نادى ... كفاني فقد الأكفاني كفاني
وكنت قد كتبت أنا إليه من الرحبة:
أمولاي شمس الدين قد كنت أولاً ... تحل محل النور في العين بالأمس
فلا بدع أن يسود يومي وليلتي ... وقد حجبت عيناي عن طلعة الشمس
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
طبيبك في مصر مريض من الجوى ... وقد قص منه بالبعاد جناحه
فيا من لذي سقم تمكن داؤه ... وأفسده مذ غاب عنه صلاحه
وكتبت أنا إليه أيضاً من الرحبة:
سلام فض من مسك ختاماً ... وفتق زهره منه كماما
ووصف محبة وحفاظ عهد ... وشوق سل في كبدي حساما
وكم لي في النسيم إليك شكوى ... أضمنها اشتياقي والغراما
وكم فيها تحيات لطاف ... حكت أنفاسها ريح الخزاما
تجانس فعل أجفاني وقلبي ... فتلك همت، وهذا فيك هاما
فنار القلب ليس لها خمود ... ودمع العين قد فاق الغماما
وأما الحال لست أطيل فيها ... شروحاً مل سامعها الكلاما
بليت بعكس آمالي وظني ... وحظ عنده تنسى الظلاما
وعيش ضاق فاتسعت همومي ... وكان فراق مولانا تماما
يقبل الأرض، وينهي بعد سلام اتسم برقه، وارتسم برقه، وشوق منع طرفه القريح لذة الهجوع، ووحشة علمت جفنه كيف تجري الدموع، وأسف خيم بين المنحنى من الضلوع، ووجد يشب له جمر الفؤاد، كلما أضاء له البرق اللموع، وورود المثال العالي فقبل كل حرف منه ألفا، وصاغ لجيده ورأسه وأذنه عقداً وتاجاً وشنفا، يا له من أفق فضل كلما غاب بدر أطلع شمسا، وبحر أدب إن أعطى سائله لؤلؤاً رطبا قذف بعده دراً نفيساً، وغادة فضح الغزالة نورها، وتحية فضح قلائد العقيان منثورها.
غريبة تؤنس الآداب وحشتها ... فما تمر على سمع فترتحل
محمد بن إبراهيم بن يوسف
ابن حامد الشيخ الإمام تاج الدين المراكشي الشافعي.
كان فقيهاً، نبيهاً نبيلاً، نحوياً فاضلا، أصولياً مناظراً مناضلا، عنده غرائب ونكت، وفوائد لو سمعها الرازي ما وسعه إلا أن سكت. جيد الذهن والفهم، سريعاً إلى إدراك المعاني يكاد يسبق السهم، قوي النفس، لا يخضع لأحد، ولا يكون له دون السمو والرفعة ملتحد، ضيق العطن، لا يصبر على أذى، ولا يغضى جفونه من السلطان على قذى. أساء الأدب مرات على قاضي القضاة جلال الدين القزويني، واحتمله، ونشر له رداء الحلم واشتمله، ولما زاد عليه رصع التاج بالدره، وكسر دالها، فكانت في أيامه بلا نقطة غره. ثم إنه زاد في تسلط لسانه عليه، فشكاه إلى السلطان، فبقاه مصحفا، وأخرج إلى الشام، فنشر فيه من فضائله برداً مفوقا.
ولم يزل بدمشق إلى أن ارتدى بالترب، وأصبح بعيداً عن العيان، وهو في غاية القرب.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة بعد العصر من يوم الأحد ثالث عشر جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
ومولده بالقاهرة بعد الشبع مئة.
تفقه بالديار المصرية على الشيخ علاء الدين القونوي - رحمه الله تعالى -، ولازم الشيخ ركن الدين بن القوبع كثيراً، وأخذ عنه فوائد وإيرادات ومآخذ، وما يعظم أحداً مثله. وأعاد في القاهرة بقبة الشافعي، وتولى بدمشق تدريس المسرورية،
وأقام على ذلك مدة، ثم إنه قبل موته بسنة نزل عنها، وقال: شرط المدرس أن يعرف الخلاف، وما أعرف أحق بهذا الشرط من قاضي القضاة تقي القضاة تقي الدين السبكي، وانقطع بدار الحديث بالأشرفية معتكفاً على طلب العلم، ولم أر أحرص منه على ذلك ليلاً ونهاراً، يدع طعامه وشرابه لأجل القراءة والاشتغال. وكان ضريراً، ليس له إلا بعض نظر من عين واحدة، وكان لا يفتر عن الطلب إلا إذا لم يجد من يقرأ له ما يريد.
محمد بن إبراهيم
بن عبد الله
الإمام العالم الثقة الصالح عز الدين أبو عبد الله ابن الإمام عز الدين ابن شيخ الإسلام أبي عمر المقدسي الصالحي الحنبلي.
حدث ب " صحيح " مسلم عن ابن عبد الدائم. ودرس بأماكن. وخطب بالجامع المظفري.
وكان على سمت السلف، مواظباً على الجماعات، وتشييع الجنائز، وتلقين الموتى. طلق الوجه، حسن البشر.
خرج له ابن المحب " مشيخة " في أربعة أجزاء، حدث بها غير مرة.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبع مئة عن خمس وثمانين سنة.
محمد بن إبراهيم
الشيخ شمس الدين الكردي، إمام مشهد علي بالجامع الأموي.
حدث عن ابن الواسطي وغيره، وكان يحفظ " التنبيه "، ويفتى. وكان إماماً في صناعة الحساب.
توفي - رحمه الله تعالى - في سنة تسع وخمسين وسبع مئة.
وكان عسراً في مباشرة الوظائف التي يليها.
محمد بن أحمد
ابن عثمان بن سياوش، الشيخ الإمام المقرئ الفقيه الصالح، بقية السلف، شمس الدين أبو عبد الله الخلاطي الدمشقي الشافعي الصوفي، إمام الكلاسة وابن إمامها.
كان ديناً خيراً وقوراً، حسن الشكل، طيب الصوت إلى الغاية، جيد المشاركة في القراءات، والفقه مليح الكتابة.
خطب بالجامع الأموي بدمشق بعد الشيخ شرف الدين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فجأة بعد سنة من ولايته في بكرة يوم الأربعاء ثامن شوال سنة ست وسبع مئة، وحضر الأفرم والأعيان جنازته.
عاش اثنتين وستين سنة. وولي الخطابة بعده جلال الدين القزويني. وكان الناس يقبلون يده، ويتباركون به، وما تصل أيديهم إليه من الزحام.
وهو ممن كان كاملاً في الإمامة والخطابة لورعه ودينه وصلفه وتواضعه وفضيلته وطيب نغمته وحسن أدائه ومعرفة الأنغام وفقهه، وكل ما كان فيه غاية.
محمد بن أحمد
الشيخ سعد الدين الكاساني، شيخ خانقاه الطاحون بدمشق.
كان فاضلاً في فنه على رأي الصوفية، بصيراً بأقوالهم. قرأ هو والشيخ شمس الدين الأيكي على الشيخ صدر الدين القونوي.
وهو قرأ على الشيخ محيي الدين بن عربي، وقد شرح قصيدة ابن الفارض التائية في مجلدين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في سابع عشر ذي الحجة سنة تسع وتسعين وست مئة.
محمد بن أحمد بن عبد العزيز
ابن عبد الله بن علي بن عبد الباقي، العدل الخطيب معين الدين أبو المعالي بن الصواف الإسكندري المالكي الشروطي.
سمع " أربعين " السلفي من جده. قال شيخنا الذهبي: قرأتها عليه، وهو أخو شيخنا شرف الدين يحيى. وكان شيخاً صالحاً جليلاً حسن البزة، ينوب في خطابة الثغر، ويعقد الوثائق.