بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 276

محمد بن أحمد بن يعقوب
كمال الدين أبو عبد الله الدمشقي الكاتب.
باشر كتابة الإنشاء، وتنقل بها في حنايا بلاد وأحشاء، وكان يكتب سريعاً، ويجعل الطرس بقلمه روضاً مريعاً، إلا أنه لا ينشئ شيئاً، ولكنه يجعل له في التقييد ظلاً وفيئاً.
وكان في خلقه حده، وفي ممارسته شده. لا يزال طالباً ما لا يمكنه، جالباً لنفسه من الشر والنكد ما يوهي جلده ويوهنه، يتخيل حتى من حبيبه، ويتخيل على من يكون من أنصاره ليجعله بمنزلة رقيبه، فمضى عمره في أنكاد، وقضى وفي القلوب منه أحقاد.
ولم يزل على حاله إلى أن نقص كماله، وذهب في طلب المحال روحه وماله.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل شهر ربيع الأول سنة اثنتين وستين وسبع مئة.
ومولده في نيف وسبع مئة.
طلب الحديث في وقت، ودار على الشيوخ، وكتب الطباق، وسمع من الحجار، والعفيف الآمدي.
وكان قد توجه لتوقيع الرحبة، ووكالة بيت المال عوضاً عني في سنة إحدى وثلاثين وسبع مئة، وأقام بها مدة ثم حضر إلى دمشق.


صفحه 277

وتوجه لتوقيع جعبر، وأقام بها مديدة، وحضر إلى دمشق، وباشر ديوان الأمير سيف الدين تنكز - رحمه الله تعالى -. ثم توجه إلى مصر، وباشر في ديوان الأسرى بدمشق، وبيده فقاهات في المدارس.
ولما كان في أواخر أيام الأمير سيف الدين يلبغا نائب دمشق نزل له ابن البياعة عما باسمه على كتابة الإنشاء بدمشق، فدخل ديوان الإنشاء، ثم إنه توجه إلى الحجاز في سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، وعاد مع الركب المصري. فاتفق أنه مات في تلك الأيام شرف الدين موقع غزة، فاستخدمه القاضي علاء الدين بن فضل الله في توقيع غزة، فحضر إليها، وباشرها مدة بنفس قوية حتى على النواب. فنفرت القلوب منه، وكثرت الشكاوى عليه بباب السلطان، فرسم بعزله، ومع عناية القاضي علاء الدين معه خرج منها، وقد كاد يعطب. وكان قد نزل عن بعض جهاته لقاضي غزة من مباشرة الأسرى، وقام باسم أولاده على كتابة الإنشاء بدمشق، وأخذ من القاضي الخطابة بجامع الجاولي، والتدريس.
حكى لي القاضي شرف الدين قاضي غزة أنه صعد المنبر، فقال: الحمد لله، وسكت ساعة، ثم قال: الحمد لله، وسكت ساعة، فعل ذلك مراراً! حتى إنه قال لي النائب: قم أنت اخطب، فخطبت عنه ذلك النهار، ولما حضر إلى دمشق رسم السلطان الملك الناصر حسن بإبطال من استجد بديوان الإنشاء بعد الشهيد، فبطل هو لأنه كان قد قايض قاضي غزة بماله على كتابة الإنشاء من الأيام الشهيدية، وأبقى له على ذلك ما استجد، فجرت بينه وبين القاضي مخاصمات ومحاورات ومحاكمات كادت


صفحه 278

تفضي إلى ملاكمات، ولم يثبت له شيء، فتوجه إلى مصر، فمرض مرضةً طويلة بالبيمارستان المنصوري، ثم إنه خرج في محارة مع العرب، فلما كان بين سرياقوس والقاهرة، أو بعد سرياقوس، توفي - رحمه الله تعالى - فحمله العرب إلى بلبيس، ودفن بها عفا الله عنه وسامحه.
وكان أولاً يعرف بالزينبي، ثم إنه أخيراً كتب عن نفسه الجعفري. وكان إذا خاصم أحداً يقول: أنا ابن بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقلت له: يا مولانا السيد كن، أعرف ما تقول إن كنت جعفرياً فهذه نسبة إلى جعفر الطيار أخي علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وجعفر ما تزوج ببنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والذي تزوج بها أخوه علي بن أبي طالب، فإن أردت النسبة إلى بنت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقل أنا علوي، لأنك تكون من أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهم. فأخجله هذا، ولم يرجع عن هذه الدعوى، سامحه الله وعفا عنه.
وكان مبغضاً إلى كل من يرافقه من فقهاء المدارس، وكتاب الجامع الأموي وكتاب الإنشاء حتى أنشدني فيه بعض الناس:
يا حب لي فيك واش ... بيني وبينك يوقع
وماله من محب ... مثل الشريف الموقع
وأنشدني من لفظه لنفسه القاضي شمس الدين محمد بن شرف الدين عيسى بن قاضي شهبة في ذلك:
ولرب خل قال لي يهنيك قد ... عطف الحبيب وزار بعد تجنب
وكستك أيدي الدهر ثوب شبيبة ... ما عشت عنك جديده لم يذهب
وأنا لك الدهر الخؤون قياده ... وأمنت من صرف الردى المتغلب
وصفت لك الدنيا ووسع رزقها ... فتمل بالمحبوب واشرب واطرب
فأحببت قد أفرحت لكن لم تقل ... وكذاك قد مات الكمال الزينبي


صفحه 279

وأنشدني من لفظه لنفسه غير ذلك في هذا المعنى، والجميع مثبت في الجزء الثالث والثلاثين من " التذكرة " التي لي.

الشيخ محمد بن أحمد بن علي بن عبد الكافي
الشيخ تقي الدين أبو حاتم ابن الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبي حامد ابن شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي.
تقدم ذكر جده وذكر عمه في مكانيهما من حرف العين والحاء.
شاب شب على الهدى، ودب إلى الندى، وحث في طلب العلم، ودب في حمى الكرم والحلم، فخطب ودرس، وسرى إلى المعالي وما عرس، ما وصل هلاله إلى الإبدار، ولا انفصل زلاله عن الإكدار حتى قصف غصنه المائل، وخسف بدره الكامل، وفجع به أبوه وعمه، ودفع إلى كل منهما فيه همه وغمه، فعطلت غصون المنابر من ورقائه، وخملت فنون المدارس من إلقائه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ... من شهر رجب الفرد سنة أربع وستين وسبع مئة.
ومولده في غالب الظن في شهر رجب الفرد سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
كان هذا تقي الدين أبو حاتم قد نشأ أحسن نشأة، وربي خير مربى، اجتهد جده قاضي القضاة تقي الدين رحمه الله تعالى لما كان عنده بدمشق، وحفظه القرآن، و" التنبيه "، و" العمدة " في الأحكام. وحفظ هو بالديار المصرية كتاب " جمع


صفحه 280

الجوامع " لعمه قاضي القضاة تاج الدين. وولاه السلطان مدارس والده وخطابة جامع ابن طولون، فقام بجميع ذلك أتم قيام، وسد وظائفه كلها على أحسن نظام، ولبس تشريفاً في دمشق وألقى به الدرس في العادلية في حياة جده سنة ست وخمسين وسبع مئة، وعمره يومئذ دون الاثنتي عشرة سنة.
وعلى الجملة، فكان من نجباء الأبناء، ولكن جاءه أجله مبكراً.
ولما مات توجه والده إلى الحجاز ولحق بالركب الرحبي، ولم يلق بعده قراراً، وضاقت رحاب القاهرة به، وهو معذور في هذا الولد إذا ضاقت به الأرض فضلاً عن البلد.
وكتبت إلى عمه قاضي القضاة تاج الدين أعزيه بقصيدة هي:
الموت ختم يا أبا حاتم ... وغير مستثنى بنو آدم
وليس تنجو من ورود الردى ... لا نفس مخدوم ولا خادم
وكل عمر فله عروة ... ولا بد أن تفضي إلى فاصم
والموت يقظان لهذا الورى ... وكلنا في غفلة النائم
كالذود في الرعي به غفلة ... عن ملتقى جزاره الغاشم
وكلنا يسعى إلى غاية ... لا بد من إدراكها اللازم
ونشرب الكأس التي ذقتها ... من كف ساق للمنى حاسم
وقد تساوى الناس في شربها ... تأتي على المحسن والجارم
لهفي على نجمك لما هوى ... وليل شعر للصبا فاحم


صفحه 281

لهفي على علمك ذاك الذي ... قد كنت فيه ندرة العالم
ودرسك الفقه الذي قال في ... هـ الناسي ما دار على الدارمي
كأن من جدك فيه غدا ... جدك يمليه على الراقم
كذلك التفسير قالوا أبو ... حيان حي أو أبو حاتم
كم منبر تحتك يهتز من ... بلاغة ما حازها الغانمي
تملي عليه خطباً شجعها ... كالدر يزهى في يد الناظم
فصاحة يعجب من لفظها ال ... جاحظ والراغب والحاتمي
وأنت في أعلاه قمرية ... وذاك مثل الغصن الناعم
فما لنا اليوم ولا للعلا ... ولا دروس العلم من راحم
وكلنا بعدك في ضيعة ... كالذود إذ أمسى بلا سائم
لهفي على الشيخ أبيك الذي ... تركته بعدك كالهائم
قد كان على بلواه في غفلة ... بل كان في إغفاءة الحالم
فاعتاقه صرف الردى دون ما ... أمله في ظنه الزاعم
قد كنت منه مثل ما قال عب ... د الله في أمر ابنه سالم
جلدة بين العين لكنه ... راح بأنف في الورى راغم
هج إلى مكة من حزنه ... يعض كف النادم السادم
وأم بيت الله مستصرخاً ... في الضر بالصفوة من هاشم
رحت إلى الله خفيف المطا ... غير مسيء لا ولا آثم


صفحه 282

تصافح الولدان والحور في ... جنات عدن برضى دائم
فأين تلك الحركات التي ... أنحى عليها الموت بالجازم
لهفي على نفسي فقد كنت لي ... ركناً محته صدمة الهادم
أراك في الأنصار لي عدةً ... ولم أخل أن الردى فاطمي
وكنت من شوق كطير قد ان ... قض إلى منهله حائم
وكان ذاك البعد من قبل ذا ... دخان هذا الضرم الجاحم
كم قلت لما أن سمعت الذي ... يسرني من خبر القادم
ترى أرى الناشي وقد خصني ... بنظمه الزاهي على الناجم
وهل أرى ذاك المحيا الذي ... بارقه راق لدى السائم
والآن لا الصبر غدا نافعي ... وليس من بحر البكا عاصمي
تعز يا مولاي عن ذاهب ... مضى به سيل ردى عارم
وأنت في بيت دراريه أم ... ثال الذراري في الدجى العاتم
قد زينوا الدهر الذي ضمهم ... فراح ذا ثغر بهم باسم
واصبر لخطب قد عرا واحتسب ... تظفر بأجر الصائم القائم
والله يسقي ترب من قد مضى ... صوب الحيا من جوده الساجم

محمد بن أحمد بن بصخان
بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة، وبعدها خاء معجمة وألف ونون، ابن عين الدولة، شيخ القراء بدمشق، الشيخ الإمام بدر الدين أبو عبد الله بن السراج الدمشقي، المقرئ النحوي.


صفحه 283

سمع الكثير بعد الثمانين من أبي إسحاق اللمتوني، والعز بن الفراء، والإمام عز الدين الفاروثي، وطائفة. وعني بالقراءات سنة تسعين وبعدها، فقرأ للحرميين وأبي عمرو على رضي الدين بن دبوقا، ولابن عامر على جمال الدين الفاضلي، ولم يكمل عليه ختمة الجمع، ثم كمل على الدمياطي وبرهان الدين الإسكندري، وتلا لعاصم ختمة على الخطيب شرف الدين الفزاري، ولازمه مدةً، وقرأ عليه القصيدة لأبي شامة.
قال شيخنا شمس الدين الذهبي: وترددنا جميعاً إلى الشيخ المجد نبحث عليه في القصيد، ثم إنه حج غير مرة، وانجفل عام سبع مئة إلى مصر، وجلس في حانوت تاجر، وأقبل على العربية فأحكم كثيراً منها، وقدم دمشق بعد ستة أعوام، وتصدى لإقراء القراءات والنحو، وقصده الطلبة، وظهرت فضائله، وبهرت معارفه، وبعد صيته، ثم إنه أقرأ لأبي عمرو بإدغام " الحمير لتركبوها "، وبابه ورآه سائغاً في العربية، والتزم إخراجه من القصيد، وصمم على ذلك، مع اعترافه بأنه لم يقل به أحد، وقال: أنا قد أذن لي في الإقراء بما في القصيد، وهذا يخرج منها.