وأرجو الله أن يوليك رحمى ... ومن إحدى عطاياه الدوام
فلا تبعد فنحن عليك وفد ... وغايتنا لهذا والسلام
وأورد الكمال الأدفوي في آخر ترجمة الأمير ناصر الدين، وأظن ذلك في نظم كمال الدين المذكور فيه:
أبكي عليك بدمعة كتبت على ... صفحات خد للكئيب سطورا
تجري من العين التي أنشأتها ... ما زال من إحسانه مسرورا
سالت عقيقاً فاستحالت عندما ... شابت فصارت لؤلؤاً منثورا
قلت: العين وإنسانها لا يوصفان بسرور البتة، وإنما السرور من صفات القلب.
وأنشدني من لفظه لنفسه - رحمه الله تعالى - لما أخرج السلطان الملك الناصر محمد خليل بن بلغدار إلى الشام بسببه، وكان له إليه ميل عظيم:
ومن حيثما غيبت عني ظاهراً ... وسرت على رغمي وفارقتني قسرا
أقمت ولكني وعيشك آيس ... من الروح بعد الخل أن تسكن الصدرا
فكم عبرة للعين أجريتها دماً ... وكم حرق في القلب أذكيتها جمرا
لعل الذي أضحى له الأمر كله ... على طول ما ألقاه يحدث لي أمرا
وأنشدني من لفظه لنفسه في المذكور، اهتدم قول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وحولي ... إذخر وجليل
وهل أردن يوماً مناهل جلق ... ويبدو لعيني شامة وخليل
وقال كمال الدين الأدفوني نقلت من خطه له:
وإذا اعتبرت سني عمرك في الهوى ... ومرورها في أعصر الخسران
وعلمت أن المرء منها راحل ... سقراً به للسخط أو رضوان
أيقنت أن الفوز فيها للتقى ... ولمن يقوم بمحكم القرآن
فاجهد لنفسك يا أخي مخلصاً ... فلقد نصحتك في جميل بيان
وكتبت له وأنا بالقاهرة منشوراً بإمرة أحد وأربعين رمحاً في أيام السلطان الملك الناصر محمد سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة وهو: " الحمد لله الذي نصر هذا الدين بمحمده، وجعل مفارق العدا من أغماد مهنده، وأطفأ بوبل نبله حر الوغى إذا زاد في توقده وجمع له بين فضل السيف والقلم، فكان هذا الجمع من مزايا تفرده.
نحمده على نعم التي منحت دولتنا القاهرة ولياً تعقد عليه الخناصر، وخصت أيامنا الزاهرة بماجد طابت منه الأصول، كما طابت العناصر، وزانت مواكبنا الوافرة بفارس يصبح النجم عن مداه وهو قاص والبرق قاصر، واعتزت جيوشنا الباهرة منه ببطل من لم يكن له وسمه واسمه " فماله من قوة ولا ناصر ".
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ترغم معاطس الكفر والضلال ونعلي بها كلمة الإيمان بصدور البيض البتر وكعوب السمر الطوال، ونطلع بها في ليل العجاج المظلم أسنة الذوابل تتقد كالذبال، وننال بإخلاصها النصر إذا تبت يد الكافر يوم الفتح في القتال.
ونشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي جاهد في الله حق جهاده ونصر الدين الحنيف بأنواع أعوانه وأجياد جياده وأتعب السيوف في راحته حتى لقي الشرك وألوفه بالتوحيد وآحاده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين دعاهم إلى هداهم فثنوا إليه الأعنة ورأوا أفعاله فرووا عنه السنة وجالدوا عداه، فرووا منهم الأسنة واستبشروا ببيعهم الذي بايعهم بأن لهم الجنة، صلاة تتبلج بها نجوم الظلم، وتتأرج بها نسمات الضال والسلم ما خفقت عذبات علم وثل الإيمان عرش البهتان وثلم، وسلم تسليماً كبيراً إلى يوم الدين.
وبعد: فإن أحق الأولياء بموالاة النعم ومغالاة القيم ومضاعفة الآلاء عليه حتى تخجل الديم، من تزاحم النجوم علياه بالمناكب، ويغدو بدر الجيوش في هالة المواكب، ويمتشق الصوارم بيمناه ويركب من شوق إلى كل راكب، ويعتقل الذوابل فتلج في علو " كأنما تحاول ثأراً عند بعض الكواكب ".
وكان المجلس السامي الأميري وألقابه الناصري ونعوته محمد بن الجناب العالي الأميري البدري محمد بن جنكلي بن البابا الناصري من قوم ندعوهم فيلبون إلى طاعتنا مسرعين، ونرجو لفتاهم كمال المئة، فإنه قد تجاوز حد الأربعين، فهم أبطال تفرق الأسود الغلب من وثباتها وثباتها، وفرسان قوائم خيلهم صوالج تلعب من رؤوس
العدى بكراتها في كراتها، وشجعان ألفوا مقاعد الخيل فكأنهم ولدوا على صهواتها، وأمراء زانوا مواكبنا السعيدة التي لا تخرج الأقمار عن هالاتها، قد احتكم إلى يمينه السيف والقلم، وانطوى على نشر العلم والعلم، ونقص عند أقوامه زيد الخيل، وشاب من شجاعته عامر بن الطفيل، وعجز ابن عساكر عن حفظه، وغرق ابن نقطة في بحر لفظه، فهو من المناضلة إلى المفاصلة، ومن تدبير العوالي إلى تسطير الأمالي، ومن جلاد الفوارس إلى جدال المدارس، ومن ظهور السابقة العراب، إلى بطون الناطقة بالصواب عملاً بقول القائل:
أعز مكان في الدنا سرج سابح ... وخير جليس في الزمان كتاب
لأنه نجل والده الذي ما رفعنا راية رأيه في أمر ففسد، وفرع أصله الذي نشأ في خدمتنا الشريفة، والشبل في المخبر مثل الأسد، كم لوالده من يوم حرب أذكر الناس بيوم بدر، وكم له من ليلة علا فيها قدره " وما أدراك ما ليلة القدر ".
وقد اقتضت آراؤنا الشريفة تغيير إقطاعه ليقوى حزبه على الحرب وينتقي من يكون أمامه من أبناء الطعن والضرب، وتمرح به كمت الجياد في الأرسان وتشاهد في مقامات حربه مقاتل الفرسان وينظم في صفاته " صحاح " الجوهري إذا نثر من الدماء " قلائد العقيان "، فالفتوح تيسر للدين القيم بالحتوف، والجنة كمال قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تحت ظلال السيوف:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
يفوق الألوف فلذلك خرج الأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي الناصري أعلاه الله تعالى وشرفه أن يجرى في إقطاعه.
فلما جهز المنشور إليه كتب هو إلي قرين تشريف جهزه والده رحمهما الله تعالى إلي: " يا مولانا ما هذا منشور إن هذا إلا لؤلؤ منثور، كل سطر منه جنة قد حفت بالثمار، وكل شطر من سطره لو يباع اشتري بألف دينار، تلعب فيه قلم مولانا بالعقول، وأدار بكلامه على الأسماع كأس الشمول، فعلم كل بليغ ما يقول، وتصدق على المملوك بأوصاف استعارها له بيانه، ورصع جواهرها بنانه، وقد وقف عليه محبكم الوالد وقال: بمثل هذا الفضل يحيى الذكر الخالد، وقد سير إليكم شيئاً من تمام الإحسان قبوله، وهو يعتذر بما إذا حضر المملوك يذكره ويقوله، والله تعالى يعلي لمولانا المكانة، ويديم لهذه الدولة الشريفة بيانه بمنه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
وكنت قد كتبت أنا إليه وأنا بالقاهرة في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة:
لي في الجوانح من حزني حرارات ... كما لبرد اللمى فيها حرارات
وللبوارق إن لاحت أو اعترضت ... في الضوء من ثغرك الضاحي إشارات
وللغصون إذا ورق الحمام تلت ... أيات عطفيك في الأسحار سجدات
أشكو ظلام ذؤابات دجت فغدت ... وما لها غير نور الفرق مشكاة
خيالك البدر في جو السماء إذا ... نظرت فيها لأن الأفق مرآة
ومن يسق نفسه للوجد فيك ففي ... لعب الغرام على خديك شامات
يا بدر حسن له دون البرية في ... أهلة اللثم لا في السحب هالات
دينار خدك واف في الجمال فلم ... زيدت به من سواد القلب حبات
لولا تجنيك لم يعذب جناك ولا ... طابت عليك لذات الصب لذات
لم لا سمعت دعاوى الصب فيك على ... هواك إن دعاويه صحيحات
وأنت يا من أداجيه على شغفي ... به وهيهات أن تخفى الصبابات
لا تقبلن شهادات الدموع ومن ... تعديل عطفيه في جفني جراحات
حلبت شطري زماني وارتضيت بها ... لي وحشة عن أنيس فيه إعنات
فكم مجالس لهو خمرها غزلي ... وشمعتي فكرة فيها شرارات
وليس لي طرب إلا إذا تليت ... عن ناصر الدين أخبار وآيات
فتى إذا فكرتي صاغت له مدحاً ... شنت على الوصف في علياه غارات
وسابق اللفظ في نظمي مدائحه ... الدر والزهر والزهر المنيرات
حوى الفضائل من سيف ومن قلم ... فليس عند الورى إلا فضالات
له محاريب حرب كلما ركعت ... سيوفه سجدت إذ ذاك هامات
فالأرض طرس وغى والخيل أسطره ... والسمهري ألف واللام لامات
وكم أدار كؤوس الموت حين شد ال ... حسام وارتقصت للسمر قامات
ليث فرائسه الفرسان يوم وغى ... وما البراثن إلا المشرفيات
إن أظلم الجو من جون العجاج فمن ... خرصان ذبله فيه ذبالات
وإن دجا البحث في تحقيق مسألة ... جلت حنادسه منه الدلالات
وأوضح الحق بالبرهان وازدحمت ... فيما يرى نصره منه العبارات
وإن أتاك بنقل فالبحور طمت ... ويعضد الرأي ما تهدي الروايات
وإن تمسك في قول بظاهره ... تخضع له الشهبات الفلسفيات
نقول إلا إذا ما كان حاضرنا ... فهو الخطيب ومنا نحن إنصات
وإن أدار على قرطاسه قلماً ... فباطن الطرس أنهار وجنات
عن كل همز سما في سطره ألفاً ... فقل غصون بأعلاها حمامات
يكاد من عبارات يسطرها ... تبدو لها من حمام الهمز رنات
نظم يروق ومعناه يرق لنا ... فاللفظ كأس له المعنى سلافات
يا شاكي الزمن الجاني استجر كرماً ... به فللدهر من نعماه ردات
وسوف يغفر للأيام زلتها ... وتنجلي ظلمات أو ظلامات
فما سمي النبي الهاشمي له ... بدع إذا انكشفت عنك الغيابات
لقد سما والورى من دون رتبته ... ولم تزل تفضل الأرض السماوات
خلائق مثل أنفاس الرياض إذا ... مرت بأزهارها ليلاً نسيمات
وجود كف كأن الفقر قفر فلاً ... تهمي على عطش منه غمامات
من معشر قد سها طرف السهى لهم ... عليه من مجدهم ترخى الذؤابات
لا زال في نعم أنفاس لذتها ... في كل ناد لها بالند نفحات
فكتب هو الجواب إلي عن ذلك:
أوراق نظمك للأبصار روضات ... فيها لغر المعاني منك زهرات
يا ناظماً نزلت زهر السماء له ... كانت بروجاً فأضحت وهي أبيات
وفاضلاً لا يفض الله خالقنا ... له فما منه للدنيا كمالات
ترجلت لك فرسان القريض وولوا منك خوفاً كأن القوم أموات
كل بفضلك أمسى وهو معترف ... وليس يقوى لعصف الريح نسمات
يروي الأنام حديث الفضل عنك وقد ... علت لهم منك في ذاك الإجازات
ومن يعاند فيما رحت أذكره ... عما حويت من العليا فقل هاتوا
وكتبت أنا إليه أهنئه بقدومه من الحجاز في شهر الله المحرم سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة:
قدمت قدوم البدر والليل قد دجا ... فأشرقت الآفاق من سائر الأرجا
وكانت ربا مصر رياضياً تصوحت ... فجئت إليها كالغمام إذا ثجا
إذا النوق أعياها المسير فإنها ... بطيب الثنا والذكر عنك غدت تزجى
أيا من سرى والأنجم الزهر في الدجى ... ليهدى بها في القفر قد علقت سرجا
وأمسى هلال الأفق كوراً لنجبه ... وإلا على ظهر الجياد له سرجا
قطعت الفيافي نحو مكة محرما ... ولم تتخذ إلا التقى والفلا منجا
وجردت من ثوب مخيط ولم تزل ... برود الندى والبأس تحكمها نسجا
ولبيت لباك الإله لأنه ... رأى خير من لبى بركبك أو عجا
وطفت ببيت لم تر الباب مرتجاً ... متى جئته تدعو ولا الركن مرتجا
ترى الحجر المسود أحسن موقعاً ... بقلبك من خال على وجنة بلجا
فتوسعه لثماً بأبيض واضح ... إذا قال قلنا السحر من لفظه مجا
وفي عرفات كان عرفك ذائعاً ... تضوع عرفاً نشره ملأ الفجا
وحلقت حتى لا تكون مقصراً ... وذلك أنجى في العبادات بل أرجى
وسقت مطايا الهدي تنحر كومها ... وقد نضجت أكبادها بالسرى نضجا
فبخلت حتى السحب في جود وبلها ... وزدت إلى أن كدت أن تغرق اللجا
وجئت إلى قبر حوى خير مرسل ... ومن حبه الذخر المؤمل والملجا
تجادل عنه أو تجالد من غدا ... يعالج منه المسلمون فتىً علجا
إذا أنت رفعت الرماح مراوداً ... تشق بها من نقعه مقلةً دعجا