وكان السلطان رسم بأن أحضره إليك ولكن تعوق ليكون التشريف قرينه، وفي هذه الأيام يصل إليك. ويا مولانا أنا والله قد بشرتك والحلاوة أنك لا تنسانا، فقال: بسم الله، وبينما هم في هذا الحديث دخل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، ولم يعلم القضية، فجلس فوقه إلى جانب الأمير، فتأذى جمال الدين وقال: هذا قلة أدب، فقال له الشيخ كمال الدين: إيش جرى؟ فذكروا له طرفاً من ذلك وأن تقليده بالوزارة واصل في هذه الأيام. فقال له الشيخ كمال الدين: يا شيخ مسكين هؤلاء يضحكون عليك. فقام وخرج مغضباً.
وقال يوماً للشيخ شهاب الدين أحمد بن غانم: بلغني أنك لما كنت في مصر سعيت عند فخر الدين ناظر الجيش حتى أبطل كتابة تقليدي، فقال: والله يا مولانا ما دولة أكون أنا مشيرها وأنت وزيرها إلا دولة خرا.
وكان قد أنزل عليه الشيخ تاج الدين اليمني، وكان في زمن الأفرم بدمشق، وكان ينشئ له ما يحتاج إليه في الديوان.
محمد بن سليمان بن عبد الله بن سليمان
المحدث الفقيه الفاضل تقي الدين الجعبري، الشاهد.
سمع من الحجار وطبقته، وقرأ عليه كثيراً، وتخرج بوالد حميه شيخنا الحافظ جمال الدين المزي، وقرأ على العامة، وهو رفيقي في أكثر مسموعاتي بالشام، وقد كنت أجزت له ولأولاده.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وأربعين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبع مئة.
محمد بن سليمان بن أحمد
القاضي شمس الدين القفصي، بالقاف المفتوحة والفاء الساكنة، وبعدها صاد مهملة، نائب الحكم العزيز المالكي بدمشق.
ناب لقاضي القضاة شرف الدين المالكي، ومن بعده لقاضي القضاة جمال الدين المسلاتي.
كان فهماً بمذهب مالك رضي الله عنه، خبيراً بالأحكام، وفي لسانه عجمة المغاربة، يجعل الثاء سيناً والجيم زاياً. وكان يسكن المنيحة، ويدخل المدينة كل يوم ويخرج منها. وكان إذا رأى في مجلس حكمه ما لا يعجبه قال بفمه، وأشار بيده بالفحش، ويقول للمرأة التي يتأذى منها: واللك يا مومس.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في ثاني شوال يوم الأحد سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة.
وكانت له مشاركة في العربية والأصول، عفا الله عنه وسامحه.
وكان قد ولي نيابة الحكم في صفر سنة عشرين وسبع مئة.
محمد بن شرشيق
بكسر الشين المعجمة وبعدها راء ساكنة وسين ثانية معجمة وبعدها ياء آخر
الحروف ساكنة وقاف، ابن محمد بن عبد العزيز بن عبد القادر بن صالح بن دوست بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله الجون بن عبد الله المحسن بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الشيخ الإمام العارف الكامل شمس الدين أبو الكرم ابن الشيخ الإمام القدوة حسام الدين أبي الفضل ابن الشيخ الإمام القدوة جمال الدين أبي عبد الله ابن الشيخ الإمام علم الدين الزهاد شمس الدين أبي المعالي ابن الشيخ الإمام قطب العارفين أبي محمد الجيلي الحسني الحنبلي المعروف بالحيالي، بكسر الحاء المهملة والياء آخر الحروف وألف بعدها لام، والحيال: بلدة من أعمال سنجار.
حفظ القرآن العظيم في صباه، والفقه للإمام أحمد، وسمع الحديث وهو كثير من جماعة منهم الإمام فخر الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد البخاري المقدسي بدمشق، وأبو العباس أحمد بن محمد النصيبي بحلب، والإمام عفيف الدين أبو محمد عبد الرحيم بن محمد بن أحمد بن الزجاج بمكة، والإمام عفيف الدين أبو محمد عبد السلام بن محمد بن كزروع المصري البصري بالمدينة الشريفة. ورحل وحدث ببغداد ودمشق والحيال وغيرها من البلاد.
وروى عنه جماعة منهم أولاده المشايخ حسام الدين عبد العزيز، وبدر الدين حسن، وعز الدين الحسين، وظهير الدين أحمد، ومحدث العراق تقي الدين أبو الثناء محمود بن علي بن محمود الدقوقي الحنبلي، والشيخ الإمام زين الدين أبو الحسن علي بن
الحسين بن شيخ العوينة الموصلي الشافعي، والإمام بدر الدين محمد بن الخطيب الإربلي الشافعي، وخلق.
كان مشهوراً بالصلاح والعبادة والزهد والسماح، يكاثر الغمام إذا سح، ويتحقق البحر الزاخر معه أنه شح. وله هيبة في النفوس وعليه وقار وناموس، يعظمه الناس وهو لا يعبأ بأمرهم، ولا يلتفت إلى شواظ نارهم ولهيب جمرهم، وكان ملوك دار بكر يحبونه ويخدمونه ويحيونه ويقبلون إشاراته ويقبلون على رسائله وإماراته، ولهم فيه اعتقاد وانتفاء لما يؤثره منهم وانتقاد، ومع ذلك مليح الخلق، صبيح الخلق، زائد الحشمه، كثير الإحسان للناس والخدمه.
ولم يزل على حاله إلى أن حالت حياة الحيالي وأبلت جدته الأيام والليالي.
وتوفي - رحمه الله تعالى - يوم الجمعة سنة تسع وثلاثين وسبع مئة.
ومولده ليلة الجمعة منتصف شهر رمضان سنة إحدى وخمسين وست مئة بالحيال.
وبيته بيت رياسة وحشمة وسؤدد ومروءة. والخير والإحسان معروف بهم، ولم تمس يد هذا الشيخ شمس الدين من نشأته إلى موته فضة ولا ذهباً، وجوده في تلك البلاد مشهور، وكان له كشف وأحوال وحلم وتجمل، وهو وأهل بيته معروفون بمناصحة الإسلام، ويكاتبون ملوك مصر ونواب أطراف بلاد الشام.
ولما كنت في الرحبة سنة تسع وعشرين وسبع مئة وما بعدها أهديت إليه قماشاً إسكندرياً وأهدى إلي أشياء من طرائف سنجار، ولم تزل رسله مدة مقامي بالرحبة تتردد إلى الرحبة وأخدمهم وأقوم بما يجب لأجله. رحمه الله تعالى.
محمد بن شريف بن يوسف
الفاضل الكاتب المجيد صاحب الخط الفائق، شرف الدين ابن الوحيد الزرعي.
سافر إلى الحجاز والعراق، واجتمع بياقوت المجود.
كان تام الشكل، متأنقاً في اللبس والأكل، حسن الزه، لدن المهزه، موصوفاً بالشجاعه، وبالعبارة السادة والبراعه، يتكلم بعدة ألسن، ويأتي فيها بما يروق ويحسن، وقد ضرب بحسن كتابة المثل، وسار ذكرها في السهل والجبل، لأنها أخملت زهرات الخمائل، وفاقت على من تقدمه الأوائل، فلو رآه ابن البواب لجود تحت مثاله، وعلم أن بدر هذا فاق على هلاله، أو ابن مقلة شخص إليه إنسانه، وعلم أنه ما تلحق إجادته ولا حسانه، أو الولي التبريزي لتحقق أنه قد برز وسبقه، وأنه ما يشم ريحانه ولا محققه.
وكان قد فضح الأوائل والأواخر بفصاح نشخه، وتفرد هو بكمال الخط وترك غيره يخبط في مسخه، فما أحقه بقول البستي:
إن هز أقلامه يوماً ليعملها ... أنساك كل كمي هز عامله
وإن أقر على رق أنامله ... أقر بالرق كتاب الأنام له
أما أنا فلا أرى أحداً مثله كتب في المحقق والريحان وفصاح النسخ، لأنه أتى في ذلك بالإبداع. وكان في حياته يبيع المصحف نسخاً بلا تجليد ولا تذهيب بألف درهم. وكان ابن تمام قد كتب عليه وحكى طريقه، وكان يكتب المصاحف فيقول له: اكتب أنت المصحف وهاته إلي. فإذا أتى به يزن له أربع مئة درهم، ويأخذ الشيخ شرف الدين فيكتب في آخره: كتبه محمد بن الوحبد، ويبيعه هو بألف درهم.
وروى عنه البرزالي وقاضي القضاة جلال الدين القزويني.
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح ابن الوحيد في قبره وحيدا، وفقد الناس منه كاتباً فريدا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في البيمارستان المنصوري بالقاهرة في يوم الثلاثاء سادس عشر شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده بدمشق سنة سبع وأربعين وست مئة.
وكان يتكلم بعدة ألسن، وكان يتهم في دينه. قيل: إنه وضع الخمر في دواته وكتب منها المصحف.
وأخوه علاء الدين مدرس البادرائية كان ممن يحط عليه ويذكره بكل سوء،
وكان قد اتصل بخدمة الجاشنكير قبل السلطنة وأعجبه خطه. فكتب له ختمة في سبعة أجزاء في ورق بغدادي قطع النصف بليقة ذهب، قلم الأشعار، دخل فيها ألف وست مئة دينار ليقة، فدخل في الختمة ستة مئة دينار وأخذ هو الباقي، فقيل له في ذلك، فقال: متى يعود آخر مثل هذا يكتب علي مثل هذه الختمة، وزمكها صندل، ورأيتها أنا وهي وقف بجامع الحاكم بالقاهرة وما أظنها يكون لها ثان من حسنها، ولما فرغت أدخله الجاشنكير ديوان الإنشاء، فما أنجب في الديوان، فكانت الكتب التي تدفع إليه ليكتبها في أشغال الناس على القصص تبيت عنده وما تتنجز، وهذا تعجيز من الله تعالى لمثل هذا الكاتب العظيم. كما يحكى عن الحريري صاحب " المقامات " وأنه بعد عمل المقامات طلب إلى ديوان الإنشاء ببغداد فأعطاه صاحب الديوان كتاباً فمكث فيه من بكرة النهار إلى الظهر وهو ينتف عثنونه، ولم يفتح الله عليه بشيء حتى قال فيه ابن حكينا:
شيخ لنا من ربيعة الغرس ... ينتف عثنونه من الهوس
أنطقه الله بالمشان وقد ... ألجمه في العراق بالخرس
هذا وقد كان يوماً في بعض مجالس الأكابر، فجرى ذكر البستي وقوله في رجل بخيل شرير: إن لم يكن لنا طمع في درك فاعفنا من شرك شرك، فلم يبق أحد حتى استحسنها، وأقر بالعجز عن الإتيان بمثلها، فقال الحريري في الحال: وإن لم تدننا من مبارك فأبعدنا عن معارك معارك.
قلت: وما لابن الوحيد والحريري إلا قول أبي الطيب:
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان
ولهذا، إنه لما دخل ابن الوحيد ديوان الإنشاء بلغ القاضي شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان عنه كلام يفهم منه أنه ينقص به، فطلبه وقال: اقعد. أعطوه درجين قطع الثلاثين، وقال: أوصل أحدهما بالآخر وعجل، فوصلهما. فقال: اكتب وعجل إلى صاحب اليمن وهد قوائمه، وزعزع أركانه فيه، وتوعده وهدده، ثم لطف القول حتى لا ييأس، ثم عد ببعض تلك الغلطة الأولى وعرفه أن العساكر التي نجهزها إليه يكون أولها عنده وآخرها عندنا، وذكره باصطناعنا لوالده قبله، وأنه لو شئنا ما تركناه جالساً على سرير مملكته، ولكن نحن نرعى هذا البيت الأيوبي، ومن هذا وأشباهه. وعجل بكتابة هذا لأدخل وأقرأه على السلطان، فبهت شرف الدين وأسقط في يده وأرعدت فرائصه، ولم يدر ما يقول ولا ما يكتب، ثم إنه اعترف وقال: يا مولانا والله ما أنا قدر هذا، والعفو. فقال له: إذا كنت كذا فلا تكن بعدها تكثر فضولك. فاستغفر الله وخرج.
وكان الشيخ شرف الدين شيخ خطيب بعلبك وغيره ممن كتب عليه.
ونظمه فيه يبس قليل، إلا أنه كان جيد العربية، عارفاً باللغة، وله رسائل كثيرة وقصيدة لامية سماها " سرد اللام في مادة لامية العجم ".
وكان الله قد رمى بينه وبين محيي الدين البغدادي حتى عمل له ذلك المنشور المشهور الذي أقطعه فيه قائم الهرمل وأبو عروق وما أشبه هذه الأماكن.