ولقد وقفت أنا بالديار المصرية على كتاب " خواص الحيوان " وفي بعضه ذكر الضبع، ومن خواص شعره أنه من تحمل بشيء منه حدث به البغاء، وقد كتب ابن البغدادي على الهامس: أخبرني الثقة شرف الدين بن الوحيد أنه جرب ذلك فصح معه، أو كما قال.
ومما ينسب إلى ابن الوحيد، ورأيته لغيره:
وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات في الحشا وثبات
تؤجج ناراً في الحشا وهي جنة ... وتبدي مرير الطعم وهي نبات
ومن شعر ابن الوحيد:
الله باري قوس حاجبه التي ... مدت وإنسان العيون النابل
ولحاظه نبل لها من هدبه ... ريش وأفئدة الأنام مقاتل
ومنه:
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق ولا يزال مكانه
وكان السراج الوراق قد مرض في وقت، فجهز إليه شرف الدين بن الوحيد أبلوجة سكر ومعها رقعة بخطه المليح، فكتب إليه السراج ومن خطه نقلت:
أرسل لي ابن الوحيد لما ... مرضت بالأمس جام سكر
ومدحةً لي بخطه لي ... فقلت ذا سكر مكرر
حلى وحلى فمي وجيدي ... عقد شراب وعقد جوهر
ووقف يوماً شيخنا ناصر الدين شافع على شيء من نظم ابن الوحيد فقال:
أرانا يراع ابن الوحيد بدائعا ... تشوق بما قد أنهجته من الطرق
بها فات كل الناس سبقاً فحبذا ... يمين له قد أحرزت قصب السبق
فقال ابن الوحيد:
يا شافعاً شفع العليا بحكمته ... فساد من راح ذا علم وذا حسب
بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
فجاءني منه مدح صيغ من ذهب ... مرصعاً بل أتى أبهى من الذهب
فكدت أنشد لولا نور باطنه ... أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
فلما بلغت هذه الأبيات ناصر الدين شافعاً قال:
نعم نظرت ولكن لم أجد أحداً ... يا من غدا أوحداً في قلة الأدب
جازيت مدحي وتقريظي بمعيرة ... والعيب في الرأس دون العيب في الذنب
وزدت في الفخر حتى قلت منتسباً ... بخطك اليابس المرئي كالحطب
بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
كذبت والله لن أرضاه في عمري ... يا بن الوحيد وكم صنفت من كذب
جازيت نظمي وقد نضدته درراً ... يروق سمع الورى دراً بمحتلب
وما فهمت مرادي في المديح ولو ... فهمته لم توجهه إلى الأدب
سأتبع القاف إذا جاوبت مفتخراً ... بالزاي يا غافلاً عن سورة الغضب
خالفت وزني عجزاً والروي معاً ... وذاك أقبح ما يروى عن العرب
قلت: ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - معذور في العدول عن الوزن والقافية لأنه ما كان يجد في ذلك الوزن والقافية مثل قول أبي الطيب: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، فإن ناصر الدين كان ذلك الوقت قد أضر، وقد احترز ابن الوحيد بقوله: " لولا نور باطنه " احترازاً، لكنه ما أفاده مع تسرع ناصر الدين شافع، ورحم الله كلا منهما.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري - رحمه الله تعالى - قال: كان شرف الدين بن الوحيد الكاتب يقول في قول القائل: " النبيذ بغير الدسم سم، وبغير النغم غم ": هاتان السجعتان ما وقع لهما ثالث، وهو قولي: " وبغير المليح قبيح ".
قلت أنا: ما كان ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - لمح فيهما من الجناس المرقص والمطرب، ولو أن الأمر راجع إلى السجع فقط أو إلى الوزن فقط عمل الناس مجلدات من هذا النوع، ولكن أنا تكلفت لهما ثالثاً: " وبغير النهم هم " أعني أن الإكثار من الشراب سبب الانشراح والسرور، على العادة من كلام أولعوا بالشراب وبالغوا في الإكثار وحثوا على معاقرته.
محمد بن شكر
الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين الديري الشافعي الناسخ.
كتب ما لا يحصى كثرة، وكان مقرئاً بالسبع، وكان يعرف علم الحرف ويتكلم عليه جيداً إلى الغاية، وله مشاركة في علوم كثيرة، وأظنه كتب في المصطبة في وقت. والله أعلم.
وكانت له عناية بتصانيفي، لا يسمع بشيء منها إلا ويكتبه لنفسه أولاً وللناس ثانياُ، وكتب من الكتب الستة الصحاح كثيراً، ومن كتب الفقه المطولة كثيراً.
ثم إنه آخر الحال أقام بدار الحديث الأشرفية يرتزق بالنسخ إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة وقد قارب التسعين عفا الله عنه.
محمد بن الشنبكي
بالشين المعجمة والنون الساكنة وبعدها باء موحدة وكاف، ناصر الدين.
كان من ظرفاء القاهرة، ساكناً خيراً، يلعب بالعود ويلوذ بالقاضي جمال الدين رئيس الأطباء، ورأيته بسوق الكتب مرات وكتب إلي يوماً:
أيا صلاح الدين يا فاضلاً ... لفظك ما أسمى وأسناه
كالدر منظوماً وإن كان منثوراً فما أغلى وأعلاه
إن دار بين الشرب في أكؤس ال ... أفواه ما أجلا وأحلاه
ما الزهر ما الزهر إذا استمتعوا ... منه برؤياه ورياه
فيطرب السمع لألفاظه ... ويرقص القلب لمغناه
فكتبت أنا الجواب إليه:
يا ناصر الدين الذي نظمه ... قد زان مغناه ومعناه
أتحفتني منه بشعر غدا ... كالزهر مرآه ورياه
فلفظه إن حال في منطق ... حلاه أو في السمع حلاه
يحكي محياك الكريم الذي ... حياه لي الله وحياه
كذا يكون الشعر يا مالكي ... ما كل من أنشاه وشاه
محمد بن شهري
الأمير شجاع الدين متولي بعلبك.
توفي يوم الأحد خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن بمقبرة اللوزة يوم الاثنين.
محمد بن صالح بن حسن
شمس الدين بن البنا القفطي الشافعي.
كان فقيهاً أديباً شاعراً، أخذ الفقه والأصول عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد وتلميذه بهاء الدين القفطي، وتولى الحكم بسمهود والبلينا وجرجا وطوخ.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يكرمه، وتوجه صحبته إلى دمشق، وسمع منه. قال ابن الوالي: قد سمع منه بقوص.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وتسعين وست مئة.
محمد بن صبيح بن عبد الله
بدر الدين، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي بدمشق المعروف بالتفليسي، لأن والده كان عتيق امرأة كانت ابنة كمال الدين التفليسي التاجر، وتارة كان ينتسب إلى الكرخي.
سمع على أبيك الجمالي سنة سبع وخمسين وهو حاضر في الخامسة، وسمع بعد ذلك على ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وأبي بكر بن النشبي، وأحمد بن نعمة المقدسي، وغيرهم.
وقرأ القرآن على الشيخ يحيى المنبجي. وكان حسن الصوت في القراءة والأذان والتسبيح موصوفاً بذلك مشهوراً في البلاد، سمع منه الطلبة وأم بنائب السلطنة مدة، وولي حسبة الصالحية والإشراف على الجامع الأموي. وكان يقرأ في المصحف على الكرسي عقيب صلاة الصبح ويخرج أمام الخطيب يوم الجمعة بالسواد.
توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وسبع مئة بخانقاه الطواويس.
ومولده تقريباً سنة اثنتين وخمسين وست مئة.
محمد بن أبي طالب الأنصاري الصوفي
شمس الدين المعروف بشيخ حطين أولاً، ثم أخيراً بشيخ الربوة.
رأيته بصفد مرات، واجتمعت به مدة مديدة.
كان من أذكياء العالم وأقوياء الفهم الذي من رزقه فقد سلم وسالم. له قدرة على الدخول في كل فن، وجرأة على التصدي لكل ما سنح في الأذهان وعن، رأيت له عدة من التصانيف في كل علم حتى في الأطعمه، وكل ما يعمل على النار المضرمه، وفي أصول الدين على غير طريق الأشاعره، ولا طريق الاعتزال ولا الحشوية المتظاهره، لأنه
لم يكن له علم. وإنما كان ذكيا، وعقله بفهم الغرائب زكيا، فكنت يوماً أراه أشعرياً، ويوماً أراه معتزليا، ويوماً أراه حشويا، ويوماً أراه يرى رأي ابن سبعين وقد نحا طريقه، وتكلم على العرفان والحقيقه. نعم كان يتكلم على الأوفاق ووضعها، وحفظها فيما يستعمله ورفعها، ويتكلم على أسرار الحروف كلاماً مناسبا، ويدعي أنه لا يرى دونه في ذلك حاجبا، ويعرف الرمل ويتقنه ضربا، ويدريه جنساً ونوعاً وضربا.
وكان ينظم نظماً ليس بطائل، ويستعير فيه ما يريده من جميع القبائل، وكان قد لحقه الصم، وحصل به له ولمن يعرفه ألم، ثم أضر بأخرة من عينه الواحده، وبقي رحمه لمن يراه عدواً أو عنده له معانده.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى عين اليقين، وعلم أن معارات الدنيا لا يحمين من الموت ولا يقين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فيما أظن في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة بصفد.
ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة.
نقلته من خط شيخنا البرزالي.
كان ذكياً وعبارته حلوة، ما تمل محاضرته، وكان يدعي عمل الكيمياء، ودخل على الأفرم وأوهمه شيئاً من ذلك، فولاه مشيخة الربوة، والظاهر أنه كان يعلم منها ما يخدع به العقول، ويتلعب بالألباب الأغمار، ولما جاء إلى صفد ورأيته بها كان شيخ قرية علمين الفقراء، وهي قرية عند قرية مغران بالقرب من الشريعة عند جسر يعقوب، وقف السلطان صلاح الدين يوسف تغمده الله تعالى برحمته.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: ومولده بزاوية جده الشيخ أبي طالب بقصر حجاج بدمشق.
قال الشيخ علم الدين البرزالي: وأعرف جده أبا طالب، وكان صالحاً يصلي الجمعة دائماً تحت النسر، انتهى.
قلت أنا: وهو شيخ النجم الحطيني المعروف بنجيم الذي سمره السلطان الملك الناصر بالقاهرة وجهزه إلى دمشق مسمراً على جمل، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف النون مكانه، وكان هذا النجم يخدمه، وهو شيخ الخانقاه بحطين من بلاد صفد، وورد عليهم إنسان في تلك المدة أضافوه على العادة، وكان هذا النجم رأى مع الضيف ذهباً، فاتبعه لما سرى من الخانقاه، وقتله في الطريق وأخذ ذهبه، وبلغت القضية نائب صفد الأمير سيف الدين كراي، فأحضر الشيخ شمس الدين وضربه ألف مقرعة، على ما قيل، وعوقب زماناً، ثم أفرج عنه، ثم إن هذا النجيم كان بعد ذلك يؤذي الشيخ. حكى لنا الشيخ شمس الدين قال: كنت أخافه على نفسي، فأنام في الربوة وأغلق باب المكان وهو محدود، وأستوثق من الأقفال وغيرها، وأكون نائماً آمناً، وما أشعر به إلا وقد أيقظني فأفتح فأرى السكين في يده مجردة، ويقول: يا أفخاذ الغنمة، ما تريد أن أفعل بك؟ قال: فأدخل بكل طريق من ضروب الخداع والتلطف أنه أي فائدة في قتلي، وفرضنا أني قتلت، فهل في هذا فائدة تحصل، ولا أزل أخدعه حتى يمضي ويتركني.
وأنشدني لنفسه ومن خطه نقلت:
الله أكبر يا الله من قدر ... حارت عقول أولي الألباب في صدره
نجم به كسفت شمس وذا عجب ... أن يكسف الشمس جرم النجم مع صغره