بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 469

قلت: وما لابن الوحيد والحريري إلا قول أبي الطيب:
وتوهموا اللعب الوغى والطعن في ال ... هيجاء غير الطعن في الميدان
ولهذا، إنه لما دخل ابن الوحيد ديوان الإنشاء بلغ القاضي شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان عنه كلام يفهم منه أنه ينقص به، فطلبه وقال: اقعد. أعطوه درجين قطع الثلاثين، وقال: أوصل أحدهما بالآخر وعجل، فوصلهما. فقال: اكتب وعجل إلى صاحب اليمن وهد قوائمه، وزعزع أركانه فيه، وتوعده وهدده، ثم لطف القول حتى لا ييأس، ثم عد ببعض تلك الغلطة الأولى وعرفه أن العساكر التي نجهزها إليه يكون أولها عنده وآخرها عندنا، وذكره باصطناعنا لوالده قبله، وأنه لو شئنا ما تركناه جالساً على سرير مملكته، ولكن نحن نرعى هذا البيت الأيوبي، ومن هذا وأشباهه. وعجل بكتابة هذا لأدخل وأقرأه على السلطان، فبهت شرف الدين وأسقط في يده وأرعدت فرائصه، ولم يدر ما يقول ولا ما يكتب، ثم إنه اعترف وقال: يا مولانا والله ما أنا قدر هذا، والعفو. فقال له: إذا كنت كذا فلا تكن بعدها تكثر فضولك. فاستغفر الله وخرج.
وكان الشيخ شرف الدين شيخ خطيب بعلبك وغيره ممن كتب عليه.
ونظمه فيه يبس قليل، إلا أنه كان جيد العربية، عارفاً باللغة، وله رسائل كثيرة وقصيدة لامية سماها " سرد اللام في مادة لامية العجم ".
وكان الله قد رمى بينه وبين محيي الدين البغدادي حتى عمل له ذلك المنشور المشهور الذي أقطعه فيه قائم الهرمل وأبو عروق وما أشبه هذه الأماكن.


صفحه 470

ولقد وقفت أنا بالديار المصرية على كتاب " خواص الحيوان " وفي بعضه ذكر الضبع، ومن خواص شعره أنه من تحمل بشيء منه حدث به البغاء، وقد كتب ابن البغدادي على الهامس: أخبرني الثقة شرف الدين بن الوحيد أنه جرب ذلك فصح معه، أو كما قال.
ومما ينسب إلى ابن الوحيد، ورأيته لغيره:
وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها ... لها وثبات في الحشا وثبات
تؤجج ناراً في الحشا وهي جنة ... وتبدي مرير الطعم وهي نبات
ومن شعر ابن الوحيد:
الله باري قوس حاجبه التي ... مدت وإنسان العيون النابل
ولحاظه نبل لها من هدبه ... ريش وأفئدة الأنام مقاتل
ومنه:
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريق ولا يزال مكانه
وكان السراج الوراق قد مرض في وقت، فجهز إليه شرف الدين بن الوحيد أبلوجة سكر ومعها رقعة بخطه المليح، فكتب إليه السراج ومن خطه نقلت:
أرسل لي ابن الوحيد لما ... مرضت بالأمس جام سكر
ومدحةً لي بخطه لي ... فقلت ذا سكر مكرر
حلى وحلى فمي وجيدي ... عقد شراب وعقد جوهر
ووقف يوماً شيخنا ناصر الدين شافع على شيء من نظم ابن الوحيد فقال:


صفحه 471

أرانا يراع ابن الوحيد بدائعا ... تشوق بما قد أنهجته من الطرق
بها فات كل الناس سبقاً فحبذا ... يمين له قد أحرزت قصب السبق
فقال ابن الوحيد:
يا شافعاً شفع العليا بحكمته ... فساد من راح ذا علم وذا حسب
بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
فجاءني منه مدح صيغ من ذهب ... مرصعاً بل أتى أبهى من الذهب
فكدت أنشد لولا نور باطنه ... أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
فلما بلغت هذه الأبيات ناصر الدين شافعاً قال:
نعم نظرت ولكن لم أجد أحداً ... يا من غدا أوحداً في قلة الأدب
جازيت مدحي وتقريظي بمعيرة ... والعيب في الرأس دون العيب في الذنب
وزدت في الفخر حتى قلت منتسباً ... بخطك اليابس المرئي كالحطب
بانت زيادة حظي بالسماع له ... وكان يحكيه في الأوضاع والنسب
كذبت والله لن أرضاه في عمري ... يا بن الوحيد وكم صنفت من كذب
جازيت نظمي وقد نضدته درراً ... يروق سمع الورى دراً بمحتلب
وما فهمت مرادي في المديح ولو ... فهمته لم توجهه إلى الأدب
سأتبع القاف إذا جاوبت مفتخراً ... بالزاي يا غافلاً عن سورة الغضب
خالفت وزني عجزاً والروي معاً ... وذاك أقبح ما يروى عن العرب


صفحه 472

قلت: ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - معذور في العدول عن الوزن والقافية لأنه ما كان يجد في ذلك الوزن والقافية مثل قول أبي الطيب: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، فإن ناصر الدين كان ذلك الوقت قد أضر، وقد احترز ابن الوحيد بقوله: " لولا نور باطنه " احترازاً، لكنه ما أفاده مع تسرع ناصر الدين شافع، ورحم الله كلا منهما.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري - رحمه الله تعالى - قال: كان شرف الدين بن الوحيد الكاتب يقول في قول القائل: " النبيذ بغير الدسم سم، وبغير النغم غم ": هاتان السجعتان ما وقع لهما ثالث، وهو قولي: " وبغير المليح قبيح ".
قلت أنا: ما كان ابن الوحيد - رحمه الله تعالى - لمح فيهما من الجناس المرقص والمطرب، ولو أن الأمر راجع إلى السجع فقط أو إلى الوزن فقط عمل الناس مجلدات من هذا النوع، ولكن أنا تكلفت لهما ثالثاً: " وبغير النهم هم " أعني أن الإكثار من الشراب سبب الانشراح والسرور، على العادة من كلام أولعوا بالشراب وبالغوا في الإكثار وحثوا على معاقرته.

محمد بن شكر
الشيخ الإمام الفاضل شمس الدين الديري الشافعي الناسخ.
كتب ما لا يحصى كثرة، وكان مقرئاً بالسبع، وكان يعرف علم الحرف ويتكلم عليه جيداً إلى الغاية، وله مشاركة في علوم كثيرة، وأظنه كتب في المصطبة في وقت. والله أعلم.


صفحه 473

وكانت له عناية بتصانيفي، لا يسمع بشيء منها إلا ويكتبه لنفسه أولاً وللناس ثانياُ، وكتب من الكتب الستة الصحاح كثيراً، ومن كتب الفقه المطولة كثيراً.
ثم إنه آخر الحال أقام بدار الحديث الأشرفية يرتزق بالنسخ إلى أن توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبع مئة وقد قارب التسعين عفا الله عنه.

محمد بن الشنبكي
بالشين المعجمة والنون الساكنة وبعدها باء موحدة وكاف، ناصر الدين.
كان من ظرفاء القاهرة، ساكناً خيراً، يلعب بالعود ويلوذ بالقاضي جمال الدين رئيس الأطباء، ورأيته بسوق الكتب مرات وكتب إلي يوماً:
أيا صلاح الدين يا فاضلاً ... لفظك ما أسمى وأسناه
كالدر منظوماً وإن كان منثوراً فما أغلى وأعلاه
إن دار بين الشرب في أكؤس ال ... أفواه ما أجلا وأحلاه
ما الزهر ما الزهر إذا استمتعوا ... منه برؤياه ورياه
فيطرب السمع لألفاظه ... ويرقص القلب لمغناه
فكتبت أنا الجواب إليه:
يا ناصر الدين الذي نظمه ... قد زان مغناه ومعناه
أتحفتني منه بشعر غدا ... كالزهر مرآه ورياه
فلفظه إن حال في منطق ... حلاه أو في السمع حلاه
يحكي محياك الكريم الذي ... حياه لي الله وحياه
كذا يكون الشعر يا مالكي ... ما كل من أنشاه وشاه


صفحه 474

محمد بن شهري
الأمير شجاع الدين متولي بعلبك.
توفي يوم الأحد خامس شهر رجب سنة تسع وتسعين وست مئة، ودفن بمقبرة اللوزة يوم الاثنين.

محمد بن صالح بن حسن
شمس الدين بن البنا القفطي الشافعي.
كان فقيهاً أديباً شاعراً، أخذ الفقه والأصول عن الشيخ مجد الدين بن دقيق العيد وتلميذه بهاء الدين القفطي، وتولى الحكم بسمهود والبلينا وجرجا وطوخ.
وكان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يكرمه، وتوجه صحبته إلى دمشق، وسمع منه. قال ابن الوالي: قد سمع منه بقوص.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وتسعين وست مئة.

محمد بن صبيح بن عبد الله
بدر الدين، رئيس المؤذنين بالجامع الأموي بدمشق المعروف بالتفليسي، لأن والده كان عتيق امرأة كانت ابنة كمال الدين التفليسي التاجر، وتارة كان ينتسب إلى الكرخي.


صفحه 475

سمع على أبيك الجمالي سنة سبع وخمسين وهو حاضر في الخامسة، وسمع بعد ذلك على ابن عبد الدائم، وعمر الكرماني، وأبي بكر بن النشبي، وأحمد بن نعمة المقدسي، وغيرهم.
وقرأ القرآن على الشيخ يحيى المنبجي. وكان حسن الصوت في القراءة والأذان والتسبيح موصوفاً بذلك مشهوراً في البلاد، سمع منه الطلبة وأم بنائب السلطنة مدة، وولي حسبة الصالحية والإشراف على الجامع الأموي. وكان يقرأ في المصحف على الكرسي عقيب صلاة الصبح ويخرج أمام الخطيب يوم الجمعة بالسواد.
توفي - رحمه الله تعالى - في ذي الحجة سنة خمس وعشرين وسبع مئة بخانقاه الطواويس.
ومولده تقريباً سنة اثنتين وخمسين وست مئة.

محمد بن أبي طالب الأنصاري الصوفي
شمس الدين المعروف بشيخ حطين أولاً، ثم أخيراً بشيخ الربوة.
رأيته بصفد مرات، واجتمعت به مدة مديدة.
كان من أذكياء العالم وأقوياء الفهم الذي من رزقه فقد سلم وسالم. له قدرة على الدخول في كل فن، وجرأة على التصدي لكل ما سنح في الأذهان وعن، رأيت له عدة من التصانيف في كل علم حتى في الأطعمه، وكل ما يعمل على النار المضرمه، وفي أصول الدين على غير طريق الأشاعره، ولا طريق الاعتزال ولا الحشوية المتظاهره، لأنه


صفحه 476

لم يكن له علم. وإنما كان ذكيا، وعقله بفهم الغرائب زكيا، فكنت يوماً أراه أشعرياً، ويوماً أراه معتزليا، ويوماً أراه حشويا، ويوماً أراه يرى رأي ابن سبعين وقد نحا طريقه، وتكلم على العرفان والحقيقه. نعم كان يتكلم على الأوفاق ووضعها، وحفظها فيما يستعمله ورفعها، ويتكلم على أسرار الحروف كلاماً مناسبا، ويدعي أنه لا يرى دونه في ذلك حاجبا، ويعرف الرمل ويتقنه ضربا، ويدريه جنساً ونوعاً وضربا.
وكان ينظم نظماً ليس بطائل، ويستعير فيه ما يريده من جميع القبائل، وكان قد لحقه الصم، وحصل به له ولمن يعرفه ألم، ثم أضر بأخرة من عينه الواحده، وبقي رحمه لمن يراه عدواً أو عنده له معانده.
ولم يزل على حاله إلى أن رأى عين اليقين، وعلم أن معارات الدنيا لا يحمين من الموت ولا يقين.
وتوفي - رحمه الله تعالى - فيما أظن في جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبع مئة بصفد.
ومولده سنة أربع وخمسين وست مئة.
نقلته من خط شيخنا البرزالي.
كان ذكياً وعبارته حلوة، ما تمل محاضرته، وكان يدعي عمل الكيمياء، ودخل على الأفرم وأوهمه شيئاً من ذلك، فولاه مشيخة الربوة، والظاهر أنه كان يعلم منها ما يخدع به العقول، ويتلعب بالألباب الأغمار، ولما جاء إلى صفد ورأيته بها كان شيخ قرية علمين الفقراء، وهي قرية عند قرية مغران بالقرب من الشريعة عند جسر يعقوب، وقف السلطان صلاح الدين يوسف تغمده الله تعالى برحمته.