قد حنا عليه الأمير سيف الدين ألجاي الناصري الدوادار ووعده أن يكون من جملة موقعي الدست فعاجلته المنية ولم تبلغه الأمنية.
محمد بن عثمان
الصاحب الأمير نجم الدين البصروي، ابن أخي قاضي القضاة صدر الدين الحنفي.
كان فيه كرم زائد، وجود يأتي لعافيه بالصلة والعائد، وعنده شهامه، ولديه همة وصرامه.
ودرس أولاً ببصرى، وأتى بفوائد في دروسه تترى، وخدم السلطان الملك الناصر وهو في الكرك، ونقل إليه ما أراد فما بقى ولا ترك، وسعى له في الباطن مع أمراء دمشق بملطفات إلى أن انبرم له الأمر، وصار لهباً ذلك الجمر، فرعى له حقه، وملكه من السؤدد رقه. فولي الحسبة، ثم نظر الخزانة، ثم الوزارة، وانتقل بعد ذلك إلى الإمارة، فأعطي طبلخاناه، ولم يلبس زي الأمراء، وأنف منه للازدراء.
ولم يزل على حاله إلى أن انبثق نجمه وضمه رجمه.
وتوفي رحمه الله تعالى في ثامن عشري شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
ووصل من مصر إلى دمشق في سابع صفر سنة عشر وسبع مئة متولياً وزارة دمشق، وترك الحسبة لأخيه فخر الدين سليمان، وأظنه استمر في الوزارة إلى أن تولاها الصاحب عز الدين بن القلانسي ثالث ذي القعدة سنة عشر وسبع مئة، ولبس هو للإمرة يوم الخميس ثالث عشر صفر سنة إحدى عشرة وسبع مئة ولم يغير ملبوسه، وكان قد وصل من مصر إلى دمشق في ذي الحجة سنة ست وسبع مئة.
وقد تولى الحسبة عوضاً عن أمين الدين يوسف العجمي، ثم إنه وصل من مصر أيضاً متولياً نظر الخزانة عوضاً عن شمس الدين بن الخطيري مضافاً إلى الحسبة في أواخر شهر رمضان سنة سبع وسبع مئة. ثم إنه عزل من الحسبة في عشري جمادى الآخرة سنة تسع وسبع مئة بالشيخ عز الدين بن القلانسي.
وقد تقدم ذكر أخيه الشيخ صفي الدين أبي القاسم بن عثمان في مكانه، وذكر أختهما أم يوسف فخرية الصالحة في مكانه من حرف الفاء.
محمد بن عثمان بن يوسف
الصدر الكبير القاضي بدر الدين أبو عبد الله الآمدي ثم المصري الحنبلي، المعروف بابن الحداد.
تفقه بمصر، وحفظ " المحرر " وتميز، ثم دخل في الكتابة، واتصل بالأمير قراسنقر، ودخل معه إلى حلب وولي نظر ديوانه والأوقاف والخطابة. ولما تولى
دمشق ولى ابنه خطابة دمشق، انتزعها من الخطيب جلال الدين القزويني، ثم وصل توقيع جلال الدين بعد أيام من مصر بإعادته. ثم ولي الحسبة عوضاً عن فخر الدين البصروي. ووصل إلى دمشق من مصر في ذي القعدة سنة أربع عشرة وسبع مئة، ثم إنه عزل بابن مبشر، ثم أعيد إليها في جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وسبع مئة. وتولى نظر البيمارستان النوري، ثم نظر الجامع الأموي.
وكان له سماع من القاضي شمس الدين بن العماد، وذكر لقضاء دمشق في وقت.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وسبع مئة.
محمد بن عثمان
الصدر المقرئ صلاح الدين ابن الشيخ المقرئ شمس الدين بن محمد بن منيع بن عثمان بن شاد البشطاري.
كان مقرئاً، رئيس المؤذنين بالجامع الصالحي خارج باب زويلة بالقاهرة، كانت له قراءات في عدة أماكن، وفيه مروءة وعصبية، وله مكانة عند الناس.
توفي رحمه الله تعالى ليلة عبد الأكبر سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن ثاني يوم بالقرافة.
محمد بن عثمان بن أبي الحسن
ابن عبد الوهاب الأنصاري، قاضي القضاة، شمس الدين بن الحريري، قاضي القضاة بدمشق وبالقاهرة.
سمع من ابن أبي اليسر، وابن عطاء، والجمال بن الصيرفي، والقطب بن أبي عصرون، وجماعة. وتفقه فبرع في الفقه، وحفظ " الهداية " وغيرها، وأفتى ودرس وتميز.
وكان من قضاة العدل، والحكام الذين خص ستر وقارهم بالهدل، نظيف البزه، صلب القناة في الحق عند الغمز والهزه، عليه مهابة ووقار، وسمت ترمى النجوم عنده بالاحتقار، وله عباره، وشارة وإشاره، وكان قوالاً بالحق، قواماً بالصدق، حميد الأحكام، صارماً على الخاص والعام، متين الديانه، وصين الصيانه، له أوراد يقوم بأوقاتها، ويعد ذلك لنفسه من أقواتها.
وكان يراعي الإعراب في كلامه، وفي فصله القضاء عند أحكامه، ومع نسائه وخدامه، إلا أنه كان مفرطاً في تعظيم نفسه، ورؤية الناس من أبناء جنسه. وبهذا لا غير نقم عليه، وبه يشار عند الذم إليه.
ولم يزل على حاله إلى أن لبس الحريري قطن أكفانه، وأطبق القبر على إنسانه ما يطول من غمض أجفانه.
وتوفي رحمه الله تعالى بالقاهرة يوم السبت رابع جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وسبع مئة.
وفي شهر ربيع الأول ورد البريد يطلبه إلى مصر متولياً قضاء القضاة بها عوضاً عن قاضي القضاة شمس الدين السروجي، وولاه السلطان أيضاً تدريس الناصرية والصالحية وجامع الحاكم. وكان وهو بدمشق قد عزل بقاضي القضاة شمس الدين الأذرعي، وطلب للأذرعي توقيع شريف من الشام، فلما كان في شهر ربيع الآخر سنة ست وسبع مئة وصل البريد من مصر ومعه توقيع فتوهم البريدي أنه لقاضي القضاة ابن الحريري، فتوجه به إليه، وحضر أصحابه إليه للهناء به، ففتح التوقيع وقرئ، ولما وصل القارئ إلى الاسم وجده غير فطوى التوقيع، وحصل لقاضي القضاة خجل من هذا الأمر، وكانت هذه واقعة غريبة.
ولما أقام بمصر قاضياً كان لبكتمر الساقي إصطبل بأرض بركة الفيل لورثة الملك الظاهر وقفاً، فتعرض إليهم وقال: هذه الأرض زادت معكم، فتوجه وكيل بيت المال ونائب الحكم لقياس الأرض فما زادت شيئاً، ثم أرسلوهم مرة أخرى وتحيلوا على الزيادة وقالوا: أعطونا أرض الإصطبل بالزيادة، فقالوا: نحن نشهد علينا بقبض الأجرة ونعوض، فقيل للسلطان: في مذهب أبي حنيفة يجوز التعويض، فقال لابن الحرير عن ذلك، فقال: هذا رواية عن أبي يوسف وحده، وما أعمل بها، فولى السلطان القاضي سراج الدين عمر صهر القاضي السروجي قاضياً وعزل ابن
الحريري، وحكم سراج الدين بذلك وبقي على القضاء مدة يسيرة، ثم مات، وأعيد ابن الحريري، وعظمت مكانته.
وكان فقيهاً جيداً، له محفوظات جيدة، ودرس بعدة مدارس، وأفتى وشغل الطلبة وولي قضاء دمشق مدة سنتين، وانفصل منه، ثم طلب لقضاء مصر، وكان موصوفاً بالنزاهة لا يقبل لأحد هدية، وكان له حرص على خلاص الحقوق وفصل القضايا، وصحبته جيدة، ومودته أكيدة، ينفع أصحابه ومعارفه.
وكانت جنازته حافلة، وعمل عزاؤه بالجامع الأموي، وكان قد سمع الحديث على النجيب المقداد، وابن علان، وغيرهم. وحدث بدمشق والقاهرة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: وخرجت له جزءاً عن عشرة من الشيوخ، قرئ عليه غير مرة.
وفي قاضي القضاة شمس الدين الحريري يقول شمس الدين الباذرائي:
مذ أسلمتني عين أم سالم ... إلى الردى يئست من مسالمي
وكلما قل نصيبي عندها ... تكاثرت في حبها لوائمي
يا مقلتي أنتما نعمتما ... والقلب يشقى وهو غير جارم
جنيتما الذنب فلا أقل من ... أن تبكيا قلبي بدمع ساجم
عيناي عونان علي وهما ... مني وهل بعدهما من راحم
قلبي غمر في اتباع غيه ... يا ليتني بدلته بحازم
منها في المديح:
قد ختم الدهر به أجواده ... وإنما الأعمال بالخواتم
وقال يمدحه أيضاً:
أشكو إلى عثمان جود ابنه ... فقد رماني في الطويل العريض
قد صيد الباخل بحر الندى ... وعلم المفحم نظم القريض
والشيء لا يظهر تمييزه ... للناس إلا بوجود النقيض
له يد فياضة بالندى ... كالبحر إلا أنها لا تغيض
عجبت من حاسده كيف لا ... يقضي أسى وهو المعنى المريض
قلت: البيتان الأولان من هذه القصيدة مأخوذان من قول الأول:
ما رأينا من جود فضل ابن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء
محمد بن عثمان بن أسعد
ابن المنجا بن بركات بن المؤمل، الرئيس الإمام، شيخ الجماعة من الحنابلة، وجيه الدين أبو المعالي بن المنجا التنوخي الدمشقي الحنبلي.
سمع من ابن اللتي حضوراً، ومن جعفر الهمداني، ومكرم، وسالم بن صصرى، وخضر بن المقير.
ودرس بالمسمارية، وكان صدراً مبجلا، وجواداً يذر الغمام مبخلا، ديناً محترما، صيناً لا يرى منه وقت من البر محترما، محباً للأخيار، مجانباً للأغيار، له تسرع في الخير، وهمة تسابق البرق فضلاً عن الطير.
ولم يزل على حاله إلى أن هلك ابن المنجا، وأصبح على فراشه مسجى.
وتوفي رحمه الله تعالى بدار القرآن في شهر شعبان سابعه سنة إحدى وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وسبع مئة.
وكانت له أملاك ومتاجر، وله بر وأوقاف، أنشأ داراً للقرآن بدمشق ورباطاً بالقدس، وباشر نظر الجامع الأموي تبرعاً، وكان من أولي الاقتصاد في ملبسه مع سعة دائرته وسعادته.
محمد بن عثمان بن عبد الله
سراج الدين أبو بكر الدرندي، الفقيه الشافعي.
قرأ القراءات على نجم الدين عبد السلام بن حفاظ صهره، وتصدر للإقراء بقوص سنين كثيرة، وانتفع به جمع كثير.