غذي لبان الآداب في حكم ال ... علوم قبل الفصال من لبنه
وفاق في الموسيقا ومعبد في ... دخوله والغريض في غننه
وفي القريض الجزل الرقيق شأى ... وفات نجل الحسين مع حسنه
هو الحبيب الذي يداهنني ... والدهن من فنه ومن فننه
واعدني ذورة وقد علقت ... ذاتي بحب الوعود في رهنه
فإن يبادر إنجازها عدةً ... عددتها ما حييت من مننه
وللمحب الداعي إليه هوىً ... يجذب من ضبعه ومن رسنه
سن له شوقه تباعده ... فلم يزل جارياً على سننه
وهو مقيم على ودادك ما عا ... ش إلى أن يلف في كفنه
قلت: قد حذفت منها كثيراً لما فيه من اللحن والزحاف وفساد التركيب.
وكتب شمس الدين الدهان إليه الجواب عن ذلك:
شف المعنى وزاد في شجنه ... هاتف أيك أوفى على فننه
دعا هديلاً شطت به غربة ال ... بين فأمسى يبكيه من شجنه
فاهتجن من دائه الدوي عقا ... بيل غرام له إلى سكنه
أذكره طيب عيشة سلفت ... وانصرمت بالقيان مع فتنه
فبات يجري دمعاً يشاركه ال ... غيث إذ الغيث ارفض عن مزنه
واصطلم البين صبره ونفى ... عن جفنه المستلذ من وسنه
فياله من فتى أخي حرق ... حافظ عهد المغيب مؤتمنه
ما ترك الحب حين جد به ... سوى خيال يلوح من بدنه
فقال للاحيه في الغرام دع اللو ... م ودعه إن كنت لم تعنه
لا تبغ بالعدل أن تقاد فقد ... مكن كف الغرام من رسنه
وللهوى المستلذ مهجته ... قد خضعت فانضوت إلي محنه
كما لعبد المجير قد خضعت ... غر القوافي فاتضعن في قرنه
أي بليغ أعيت بلاغته ... مسا وفاقت إياس في لسنه
صريح ود من أن يشاب نقي ال ... عرض صافي الأديم من درنه
كاتبتني محسناً بمحكمة ... ذات بيان دلت على فطنه
رقت وراقت فراح سامعها ... يخال سحراً قد صب في أذنه
لم يجر سبقا لمثلها ابن أبي الصل ... ت بغمدانه ولا عدنه
أربى على جرول بها وشأى ... حسان وابن الحباب من حسنه
يفديك عبد المجير مضطغن ال ... ضغنة أمسى يطوي على ضغنه
فاسلم على رغمه تصرف في ال ... كلام منثوره ومتزنه
ما انعطف البان بالنسيم وما ... رجعت الساجعات في غصنه
قلت: قوله: " فقل للاحيه في الغرام " البيت قافيته ملحونه، لأنه قال: " إن كنت لم تعنه " لأن النون ساكنة ووقع له قبلها أخرى في بيت حذفته، وهو معذور لأن المجير وقع له مثل ذلك، وحذفته، فقلده الدهان، وكلاهما اغتر بقول النحاة: الساكن إذا تحرك كسر، ذاك إذا كان الساكن متطرفاً، أما وبعده ضمير أو غيره فلا.
ولشمس الدين الدهان رحمه الله تعالى:
يا بأبي غصن بانة حملابدر دجى بالجمال قد كملاأهيف
فريد حسن ما ماس أو سفرا
إلا أغار القضيب والقمرا
يبدي لنا بابتسامه دررا
وفي شهد لذ طعمه وحلاكأن أنفاسه نسيم طلاقرقف
مورد الخد فاتر المقل
يفوق ظبي الكناس بالحمل
وينثني كالقضيب في الميل
من حمل ردف مثل الكثيب علانيط بخصر كأضلعي نحلامخطف
ظبي من الترك يقنص الأسدا
مقرطق قد أذابني كمدا
حاز بديع الجمال فانفردا
واهاً له لو أجار أو عدلالمستهام بهجره نحلامدنف
غزال سرب جماله شرك
ستر اصطباري عليه منتهك
لكل قلب هواه منتهك
علم قلبي الولوع والغزالاطرف له بالفتور قد كحلاأوطف
لله يوم به الزمان وفى
إذ من بالوصل بعد طول جفا
حتى إذا ما اطمأن وانعطفا
أسفر عنه اللثام ثم جلاورداً بغير اللحاظ منه فلايقطف
فظلت من فرط شدة الترح
إذ زارني والرقيب لم يلح
ألثم أقدامه من الفرح
وقلت إذ عن صدوده عدلاأهلاً من بعد جفوة وقلىأسعف
قلت: والأصل في هذا التوشيخ أن بعضهم أخذ قول أبي نواس الحسن بن هانئ:
أما ترى الشمس حلت الحملا ... وطاب وقت الزمان واعتدلا
فجاء إلى آخره وزاده توشيحة فقال: " فاشرب "، ولما فتح هذا الباب لأهل النظم طاروا إليه زرافات ووحدانا ودخلوا أرسالاً لخفته وعذوبته، وغالب من نظم فيه لزم الباء في التوشيخة، وبعضهم عملها دالاً، وبعضهم عملها فاء مثل الدهان. فأول من علمته نظم في هذا ولزم الباء إبراهيم بن سهل المغربي فقال:
روض نضير وشادن وطلافاجتن زهر الربيع والقبلاواشرب
يا ساقياً ما وقيت فتنته
حكت كؤوس الرحيق صورته
فمثلت ثغره ووجنته
هذا حباب كالسلك معتدلاوذا رحيق لذا الزجاج علاكوكب
أقمت حرب الهوى على ساق
وبعت عقلي بالخمر من ساق
أسهر جفني بنوم أحداق
تمثل السحر وسطها كحلامعتلة وهي تبري العلافاعجب
قلبك صخر والجسم من ذهب
أيا سمي النبي يا ذهبي
جاورت من مهجتي أبا لهب
يا باخلاً لا أذم ما فعلاصيرت عندي محبة النجلامذهب
يا منيتي والمنى من الخدع
ما نلت سولي ولا الفؤاد معي
هل عنك صبر وفيك من طمع
أفنيت فيك الدموع والحيلافلا سلوي في الحب نلتولا مأرب
أتيت اشكوه لوعتي عجبا
فصد عني بوجهه غضبا
فعند هذا ناديت يا حربا
تصد عني يا منيتي مللاوأشتكي من صدودك العللاتغضب
قلت: ولما علقت هذه الموشحة راق لي وزنها فنظمت فيه مع علمي بأنني ما أوفيه، وهو:
لا تحسب القلب عن هواك سلاوإنما حاسدي الذي نقلاحرف
أسلو ولا صبر لي ولا جلد
ونار شوقي وسط الحشا تقد
وكل وجد دون الذي أجد
ما وصل القلب في هواك إلىهذا وإن شئت أن يرى بدلاسوف
لي بدر تم للعقل قد قمرا
وفاق شمس النهار والقمرا
وطرفه للأنام قد سحرا
والريق خمر قد حل لي وحلالأنه بالمنى إذا بخلايرشف
وجفنه صح سكره وصحا
كم بات حتف لصبه فتحا
وعذر ذاك العذار قد وضحا
سعى إلى فيه يرشف القبلا
والنمل سار إلى أن رأى العسلا
يا شادناً سل سيف مقلته
وهز قد القنا بخطرته
وأخجل البدر حسن صورته
وجهك يزداد بالجمال علا
والبدر في تمة إذا كملا
تبدو فترمي الغصون بالخجل
فلم يمس عطفها من الكسل
وأنت مغرى الأعطاف بالميل
وقدك اللدن كلما اعتدلا
أخشى عليه إن مال وانفتلا
شعرك ليل ووجهك القمر
والريق حلو وحشوه درر
والقد غصن ووجهك الزهر
خد زها الورد فيه واشتعلا
وعقرب الصدغ فيه قد نزلا
وأنشدني لنفسه إجازة صفي الدين الحلي رحمه الله تعالى:
زار وصبغ الظلام قد نصلا
بدر جلا الشمس في الظلام ألا ... فاعجب
جاء وسجف الظلام قد فتقا
والصبح لم يبق في الدجا رمقا
وقد جلا نور وجهه الغسقا
وأدهم الليل منه قد جفلا
وقد أتى رائد الظلام على ... أشهب
أفديه بدراً في قالب البشر
قد جاء في حسنه على قدر
يرتع في روض خده نظري
خد بلطف النعيم قد صقلاكأنه من دمي إذا خجلايخضب
يا من غدا ظل حسنه حرما
لما حوى ما به الجمال حمى
فرعاً وصدغا مذ حكما ظلما
فأرقم الجعد يحرس الكفلاوحارس الخد منه قد جعلاعقرب
هلا تعلمت بذل ودك لي
من المليك المؤيد بن علي
سلطان عصر سما على الأول
لولا أياد بها الورى شملالأصبح الناس كالسماء بلاكوكب
وقال شمس الدين محمد بن العفيف التلمساني:
بدر عن الوصل في الهوى عدلاما لي عنه إن جار أو عدلامذهب
مترك اللحظ لفظه خنث
إليه يصبو الحشا وينبعث
أشكو إليه وليس يكترث
دعا فؤادي لأن يذوب قلىوالموت والله من مقالي لاأقرب
لم يبق لي مقلة ولا كبد
والقلب فيه أودى به الكمد
وليس يلفى لهجره أمد
لا تعجبوا إن غدوت محتملالكن قلبي إن كان عنه سلاأعجب
بالحسن كل العقول قد نهبا
والحزن كل القلوب قد وهبا
شمس ولكنني لديه هبا
فانظر لذاك القوام كيف حلاغصتنا وكم منه بالجمال جلاغيهب
محمد بن علي بن عبد القوي
ابن عبد الباقي محيي الدين التنوخي المعري ثم الدمشقي، ابن المارستاني الحنفي، نزيل القاهرة.