بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 622

محمد بن علي بن محمد بن غانم
الشيخ الفاضل القاضي بدر الدين ابن الشيخ علاء الدين بن غانم، تقدم ذكر أبيه وعمه وأخيه وابن عمه.
كان من جملة كتاب الإنشاء، كان على الاشتغال مكباً وإلى التفهم منصباً لا يثنيه عن ذلك ثان، ولا له من بيته في هذا ثان، يكون في ديوان الإنشاء جالسا، وتراه في مختصر ابن الحاجب دارسا، كثير الصمت، عليه وقار وسمت، يفيض جماعة الإنشاء فيما يفيضون فيه، وهو مشغول بنفسه وصلاح حاله وتلافيه. يتشدد في الكتابة فلا يكتب إلا ما وافق الشريعه، وكان مضمونه إلى الحق ذريعه. وكتب كثيراً وعلق تراجم والتقط ذلك من التواريخ والمعاجم، وكان غاوياً باقتناء الكتب، رافعاً عن البذل فيها أذيال الحجب، على مسكة كانت في يده، وشح سكن في خلده.
وكان جميل الصورة في صباه، مصونا في مرباه. ثم إنه سأل الإعفاء من ديوان الإنشاء، فأجيب إلى ما قصده، وتناول ما رصده.
ولم يزل على ذلك إلى أن سلك سبيل من مضى من الأمم، وأصبح وقد عد في الرمم.
وتوفي رحمه الله تعالى في سادس عشر جمادى الأولى سنة أربعين وسبع مئة.
وكان منجمعاً عن الناس لا يتكلم فيما لا يعنيه، يكرر على محافظه الليل والنهار. وكان قد حفظ القرآن و" المنهاج " و" مختصر " ابن الحاجب و" الحاجبية " و"


صفحه 623

الملحة "، وعرض ذلك على الشيخ كمال الدين، وعلى الشيخ برهان وعليه تفقه.
ولما توجه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني إلى قضاء حلب وصار بها كتب له إذناً بالإفتاء، وجهزه إليه إلى دمشق، وفي آخر أمره سأل الإعفاء من كتابه الإنشاء وأن يكون له نظير معلومه على الجامع الأموي، فأجيب إلى ذلك. وكان بيده تدريس القليجية الشافعية والشريفية عوضاً عن القاضي نجم الدين الدمشقي، وباشر العمادية والدماغية عوضاً عن الشيخ بدر الدين بن أبي اليسر ابن الصائغ لما توجه لخطابة القدس، وكان يحمل المعلوم إلى أقارب الشيخ بدر الدين، ولما عاد ابن الصائغ إلى دمشق استمر بدر الدين في تدريسهما، فوشى به الأمير حسام الدين بن النجيبي مشد الأوقاف إلى الأمير سيف الدين تنكز، فأمر بإعادة المدرستين المذكورتين إلى ابن الصائغ، وكان قد عين لخطابة القدس عوضاً عن ابن الصائغ فغض ذلك منه.
ولما توجه الشيخ برهان الدين إلى الحجاز ألقى عنه الدرس بالباذرائية، وكان معه عدة وظائف من قراءات على الكراسي وغير ذلك مما يقارب الألف درهم في كل شهر.


صفحه 624

وكان جماعة للكتب، أبيع له لما مات قريب الألفي مجلدة، وعلق على " المنهاج " تعليقه، وكان يحب الصالحين.

محمد بن علي بن محمد بن سعيد
ابن حمزة الشيخ الصدر الرئيس شرف الدين بن الصدر علاء الدين التميمي، ابن القلانسي.
من بيت كبير، وكان صاحب ثروة، تزوج في شبابه بابنة قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة، وهو صاحب حمام الزهور بالصالحية، وهو خال عز الدين بن القلانسي.
كان محباً للفقراء والصالحين، وسمع من السخاوي والقرطبي، والعز بن عساكر، وابن مسلمة، غيرهم.
وتوفي رحمه الله تعالى في حادي عشري جمادى الأول سنة أربع وسبع مئة.
ومولده سنة ست وثلاثين وست مئة بدمشق.

محمد بن علي بن عبد الواحد
الأنصاري السماكي الدمشقي الزملكاني، الشيخ، الإمام، العالم العلامة، ذو


صفحه 625

الفنون، الذكي النحرير، شيخ الشافعية في عصره، كمال الدين أبو المعالي قاضي القضاة بحلب.
سمع من أبي الغنائم بن علان، والفخر علي، وابن الواسطي، وابن القواس، ويوسف بن المجاور، وعدة، وطلب الحديث.
وكان فصيحاً في قراءته متسرعاً. قال شيخنا شمس الدين الذهبي: له خبرة بالمتون، تفقه على الشيخ تاج الدين الفزاري وأفتى وله نيف وعشرون سنة، وسمي بالشيخ وعمره عشرون سنة.
وقرأ العربية على الشيخ بدر الدين بن مالك، وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الخوييي وشمس الدين الأيكي.
وقرأ الأصول على الشيخ صفي الدين الهندي أول قدومه البلاد، أما لما عاد لم يقرأ عليه، وقرأ على قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي.
وأخبرني شيخنا نجم الدين بن الكمال الصفدي، قال: قلت له: فرطت في المنطق، قال: كان في طلبي له تلك الأيام شخص يعرف بالإفسنجي، وكنت قد


صفحه 626

درست وتميزت، أو قال، فكنت أتردد إليه على كره مني، والعلم في نفسه صعب، وعبارة الأفسنجي فيها عجمة، فإذا أردت منه زيادة بيان، أو قلت له: ما ظهر لي، جثا وأدار وجهه عني، فأنفت من تلك الحالة، وبطلت الاشتغال، أو كما قال.
قلت: أغناه فكره الصائب وذهنه الثاقب عن ذلك، لأن المنطق علم عقل لا نقل، على أنه كان يعرف منه ما يحتاج إليه في أصول الدين وأصول الفقه، فالمنطق نحو المعاني، كما أن النحو منطق الألفاظ، وابن الزملكاني كان يعرف المنطق على وجه كلي، كما أن امرأ القيس وغيره من فصحاء قريش يعرفون النحو على وجه كلي، وقال ابن سينا: واضع النحو والعروض في اللغة العربية يشبه واضع المنطق والموسيقا في اللغة اليونانية.
قلت: لعمري هذا تشبيه من عرف حقيقة هذه العلوم الأربعة، ولقد أورد بعض الأفاضل على تعلق المنطق: إن كانت هذه الآلات من الفطريات فليستغن عن تعلمها، وإلا افتقرت إلى آلة أخرى، ودار وتسلسل، وأجابه المنتصرون بأن بعضها فطري وبعضها كسبي، فاندفع الإشكال.


صفحه 627

قلت: بل الإشكال باق على حاله، فنقول فيما هو فطري ما قلناه أولاً، وفيما هو كسبي ما قلناه أولاً، وما كان الشيخ في ذلك بحيث إنه يجهل معرفة التصور والتصديق، ودلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام، والضرب من الشكل المنتج والكاذب، ومواد البرهان، والمقدم والتالي، وقياس الخلف، وغير ذلك مما يدخل في الأصولين، بل كان يعرف ذلك معرفةً جيدة تامة يتسلط بها على باقي الفن، أما أنه كان يطلب منه أن يشغل في مختلطات كشف الأسرار للخونجي فلا، وقلت أنا في مقتضى حال الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى:
أغناه ثاقب ذهنه وذكاؤه ... عن أن يقلد في الأنام سواه
من كان كالشمس المنيرة ذهنه ... فجميع ما تحوي العلوم يراه
وقال: وكان الشيخ كمال الدين رحمه الله تعالى علامة الزمان وثلامة البهتان، قائماً بالفقه ودقائقه وغوامضه وحقائقه، لو رآه الروياني لأغرقه في بحره، أو المتولي لعزل عما أكسبه نهاية فخره، أو القفال لفتح له أبواب نصره، أو الرافعي لانحط إلى حفضه وجره. قاعداً بالأصول فقهاً وديناً، ناهداً كالأسد وقد جعلت له الأقلام عرينا، فلو رآه الحليمي لسفه رأيه، أو الباقلاني لكان باقلاً في الرواية والدراية، كأنما عناه الغزي بقوله، واقتصر به على طوله، حيث قال:


صفحه 628

لم يبرح الفقه روضاً فاق فيك له ... سحابة ورده منها وعبهره
ذو الدرس سهل المعاني في عبارته ... يكاد يحفظه من لا يكرره
أما الجدال فميدان فوارسه ... تقر أنك دون الناس عنتره
لا يرى الناس أفصح من عبارته، ولا أملح من إشارته، لو سمعه الأصمعي لم ينقل عربيه عن أعرابه، أو يونس بن حبيب لما قلده سيبويه في إعرابه، كأن عبارته السكر المذاب، أو رشف الثنايا العذاب، تدخل الأذن بلا إذن لفصاحتها، ويرشفها الذهن لصناعتها ونصاعتها.
وكان شكله يرى وهو من أحسن الأشكال، ومثله لا يرى وليه معه إلا أن يذل له الأنذال، وعدوه سوى إن كال له الأنكال، بعمة لا يحسن أحد أن يديرها ولا يصدق تصويرها، وطلعة يستحيي القمر أن يقابلها، والشمس أن تشاكلها، وشيبة عليها نور الإيمان، ورفق الإيقان، وكرم نفس لا يذكر معه صوب الغوادي، ولا النيل ذو الأصابع ولا البحر ذو الأيادي.
وأما خطه فلم يكتب أحد في زمانه مثل تعليقه، ولا يصل معه كاتب إلى تغليقه، كأن طروسه رياض دبجها الغمام، سطوره حدائق ألفاتها غصون، والهمزات عليها حمام، كأنما:
تناول من لطافته نهاراً ... وفرق فوقه ليلاً بهيما
هذا إلى معارف حواها من سائر الفنون. وأخذ من كل منها محاسن النكت وفوائد


صفحه 629

العيون، فما باشر شيئاً إلا وزانه، ونفى عنه ما شابه وشانه، تنقل في مباشرات الدوله، ونال فيها الوجاهة والعز والصون والصوله، وولي في آخر عمره قضاء قضاة حلب غصبا، ولقي فيها نصبا، وإن كان قد وجد فيها رفعا ونصبا، ثم إنه عزل منها وطلب إلى باب السلطان فما وصل، ونزع خضاب سعده ونصل، ومرض في طريق الرمل. وانبت من حياته الشمل، فعدم الوجود كماله، وما وصل جرح حياته اندماله.
وأدركه أجله في بلبيس سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، وله من العمر ستون سنة.
كان مولده في شوال سنة سبع وستين وست مئة.
وحمله ولده عبد الرحمن إلى القاهرة ودفنه بالقرافة عند الشافعي رضي الله عنه.
وكان قد حفظ " التنبيه " فيما أظن و" المنتخب " في أصول الفقه، و" المحصل " في أصول الدين. وكتب المنسوب الفائق، كان يقال إنه ما كتب على نجم الدين بن البصيص أحسن منه ومن الشيخ بدر الدين حسن بن المحدث، وخطه هو أحسن، وقيل: إنه كان يكتب الكوفي طبقة.
وذكره شيخنا الذهبي في " معجمه " المختص فقال فيه: شيخنا عالم العصر، انتهى.