بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 630

وكان الشيخ من بقايا المجتهدين ومن أذكياء أهل زمانه، تخرج به الأصحاب، وانتفع به الأئمة. لم ير مثل كرم نفسه وعلو همته وتجمله في ملبسه ومأكله، لم تزل تلاميذه الخواص على مائدته، يحب الطالب الذكي ويجذب بضبعه من ورطة الخمول ويكبره. ويعظمه ويزهزه له، ويسير إليه في البحوث ويصوب ما يقول ويحسنه ويعجب الحاضرين منه. فعل ذلك بجماعة، ونزل للقاضي فخر الدين المصري من تدريس العادلية الصغيرة، وما رأى أحد أسعد منه في علمه وقوله، كان إذا دوغ أحداً بكلمة سوء لبسته من فرقه إلى قدمه، وكذا في الخير غضب مرة على فخر الدين المصري فقال: من أرادني وأحبني فلا يكلمه، وكان المسكين يراه الناس في الجامع فما يجسر أحد يسلم عليه، وعمل خطبة افتتحها بقوله: الحمد لله الذي جعل " التائب من الذنب كمن لا ذنب له "، وكان لا يتعب التلميذ، بل إذا رأى الطالب في دروسه وذهنه جيد وقد تعب على نفسه اجتذبه إليه ونوه به وعرف بقدره، فيعرف به وينسب إليه، وإذا جاءه مبتدئ ليقرأ عليه يقل له: رح الآن إلى الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة وإلى الشيخ شمس الدين بن النقيب وإلى مجد الدين التونسي وإلى نجم الدين القحفازي، فإذا تنبهت عد إلي.
واشتهر في زمن أشياخه وتقدم عليهم إلى أن سادهم ورأس وساد في الدولة، وطار ذكره.
وصنف رسالة في الرد على الشيخ تقي الدين بن تيمية في الطلاق، ورسالة في


صفحه 631

الرد عليه في مسألة الزيارة، وصنف مصنفين في تفضيل البشر، أحدهما سماه " تحقيق الأولى في الرفيق الأعلى "، وجوده ما شاء، وشرح من " منهاج " النووي قطعاً مفرقه، وكان يلقي الدروس من " نهاية المطلب ". وله رسالة سماها " رابع أربعة " نظماً ونثراً، وشرح في " عمدة الأحكام " قطعة.
ودرس بالشامية البرانية. والظاهرية الجوانية والرواحية، وباشر في وقت دار الحديث الأشرفية تحت القلعة عوضاً عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، تقدير نصف شهر، ثم أخذها منه كمال الدين بن الشريشي في شعبان سنة عشر وسبع مئة.
وولي نظر ديوان الأفرم، ثم بطله، وولي نظر الخزانة ووكالة بيت المال، وكتب في ديوان الإنشاء مدة ووقع في الدست قدام الأفرم وغيره، فكان لا يدع أحداً يتكلم لا من وزير ولا من قاض ولا من ناظر جيش ولا من حاجب ولا من كاتب سر، ولا من مشد أوقاف ولا من والي المدينة ولا أحد له وظيفة، وكلامه في جميع ذلك ساد واف بالمقاصد، وكل ذلك لمعارفه وسعة علمه وخبرته ودربته ومعرفته بتراجم أهل العصر.
وله الإنشاء الجيد، ونثره خير من نظمه. وله التواقيع الجيدة المليحة، وكتب عن الأفرم في فتح جبل كسروان بعد البسملة: " ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ".


صفحه 632

ولما كان في شهر شعبان سنة أربع وعشرين وسبع مئة رسم له السلطان بقضاء حلب، فامتنع، ودخل على الأمير سيف الدين تنكز وسأله الإعفاء، فكتب له إلى السلطان، فجاء الجواب بالتشديد في أمره وتجهيزه قولاً واحداً، فتوجه بعد ما قضى أشغاله من دمشق في رابع عشر شوال من السنة المذكورة، وتأسف الناس على فراقه.
ولما دخل إلى حلب يوم الثلاثاء سادس عشري شعبان قال له نائب حلب كانت قلوبنا قد انكسرت فجبرتها، وقال: يا حلبيين لقد سعدتم وأراد الله بكم الخير، والآن عظمت حلب بهذا الرجل. ولما وصل إلى حلب نزل بمكان يعرف بالفردوس، وكان قد توجه معه شمس الدين محمد الخياط الشاعر، فأنشده وأنشدنيه من لفظه غير مرة:
يا حاكم الحكام يا من به ... قد شرفت رتبته الفاخره
ومن سقى الشهباء إذ حلها ... بحار علم وندىً زاخره
نزلت في الفردوس فابشر به ... دارك في الدنيا وفي الآخره
وتألم أهل دمشق لفراقه وتأسفوا على بعده، لأنه كان للشافعية واسطة قلادتهم وشمس سيادتهم، وأقام في حلب مدةً وما رزق فيها سعادة، وتعكس في أيام الأمير سيف الدين أرغون الدوادار وكان أصحب الناس إليه، وذلك لأنه عبث باليهود عبثاً عظيما وأخذ منهم كنيسة كانت لهم وفتحها مدرسةً، فتسلطوا عليه وبرطلوا وبذلوا، فنودي عليه في الجامع بعد صلاة الجمعة على رؤوس الأشهاد، وقاسى من ذلك شدة وتألم.


صفحه 633

وطلبه السلطان بعد ذلك إلى الديار المصرية بعد ما وصل من حلب إلى دمشق في عشري شعبان سنة سبع وعشرين وسبع مئة، فأقام بدمشق أربعة أيام، وتوجه على البريد إلى القاهرة ليوليه قضاء الشام أو كتابة السر بمصر، فقيل: إنه مات وهو مسموم، وعند الله تجتمع الخصوم.
على أن القاضي شهاب الدين بن فضل الله حكى لي عن ولده تقي الدين أن والده الشيخ كمال الدين قال له وقد بدا في المرض في الرمل: والله يا ولدي أنا ميت ولا أتولى لا مصر ولا دمشق وما بقي بعد حلب ولاية أخرى، لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى الجامع الأموي فلان الصالح فترددت إليه وخدمته وطلبت منه التسليك، فأمرني بالصوم مدة، ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام، أظنه، قال لي: أفطر فيها على الماء واللبان الذكر، وكان آخر ليلة في الثلاث ليلة النصف من شعبان، فقال لي: الليلة تجيء إلى الجامع تتفرج أو تخلو بنفسك فقلت: بل أخلو بنفسي، فقال: جيد، ولا تزال تصلي حتى أجيء إليك، قال: فخلوت بنفسي أصلي كما وقفني ساعة جيدة، فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل، فلم أبطل، ثم إنني خيل لي قبة عظيمة بين السماء والأرض، وظاهرها معارج ومراقي، والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء، فصعدت معهم، فكنت أرى على كل مرقاة مكتوباً: نظر الخزانة، وكالة بيت المال، نظر المارستان النووي، التوقيع، المدرسة الفلانية، المدرسة العلانية، قضاء حلب، هذا


صفحه 634

أعلى المراقي المفرقة، ولما وصلت إلى هذه المرقاة أشفقت من هذه الحالة ورجعت إلى حسي وبت ليلتي. فلما اجتمعت بالشيخ قال لي: كيف كانت ليلتك؟ جئت إليك وما قصرت، لأنك ما اشتغلت بي، والقبة التي رأيتها هي الدنيا، والمراقي هي المراتب والوظائف والأرزاق، وهذا الذي رأيته تناله كله. والله يا عبد الرحمن وكل شيء رأيته قد نلته، وكان آخر الكل قضاء حلب، وقد قرب الأجل. أو كما قال.
وكان الشيخ كمال الدين - رحمه الله تعالى - كثير التخيل، شديد الاحتراز، يتوهم أشياء بعيدة ويبني عليها، وتعب بذلك، وعادى أصحابه، وحسد، وعمل عليه مرات، ونجاه الله ببركات العلم. وطار ذكره، ورماه الناس أنه يؤذي أصحابه، حتى قال فيه صدر الدين بن الوكيل ما أنشدنيه من لفظه القاضي علم الدين إبراهيم بن سليمان المستوفي، قال: أنشدني من لفظه لنفسه الشيخ صدر الدين بن الوكيل:
طباع الزملكي لها مثال ... كعقرب أخفيت في البيت معنا
فما مرت بشيء قط إلا ... وتضربيه سريعاً لا لمعنى
ولقد رأيته مرةً في الظاهرية وفي يده قائمة الحساب وهو يساوق المباشرين على المصروف فيسبقهم إلى الجمع وعقد الجملة، ويبقى ساعةً ينتظرهم إلى أن يفرغوا، فيقول: كم جاء معكم؟ فيقولون: كذ وكذا، فيقول: لا، فيعيدون الجمع، إلى أن يصح.
ومرض مرة بالماشرا، وكان يعوده لعلاجه من جملة الأطباء أمين الدين رئيس الأطباء، فخرج يوماً من عنده وقال: الله لا يعافي هذا الشيخ كمال الدين، قالوا


صفحه 635

له: لأي شيء؟ قال: حتى يطول علاجنا له واجتماعنا به، لأننا نسمع منه أسماء أعضاء ما كنا نحققها وأمراض ما نصححها، فاستفدنا منه تصحيح ألفاظ ذلك كله.
وخرج له الشيخ صلاح الدين العلائي عوالي وأربعين، وقرأها شيخنا الذهبي عليه.
ومن نظمه ما كتبه إلى قاضي القضاة شرف الدين بن البارزي يطلب منه " تيسير الفتاوي في توضيح الحاوي ":
يا واحد العصر ثاني البدر في شرف ... وثالث العمرين السالفين هدى
تيسيرك الشامل الحاوي الوجيز له ... نهاية لم تنلها غاية أبدا
محرر خص بالفتح العزيز ففي ... تهذيبه المقصد الأسنى لمن قصدا
وقد سمت همتي أن أصطفيه بها ... وأن أعلمه الأهلين والولدا
فانعم به نسخةً مقابلةً ... ولاح نورك في أثنائها أبدا
لا زلت بحر علوم طاب مورده ... وكل ظمآن علم منه قد وردا
ومن نظمه رحمه الله تعالى:
أهواك يا ربة الأستار أهواك ... وإن تباعد عن مغناي مغناك
وأعمل العيس والأشواق ترشدني ... عسى يشاهد معناك معناك
تهوي بها البيد لا تخشى الضلال وقد ... هدت ببرق الثنايا الغر مضناك
تشوقها نسمات الصبح ساريةً ... تسوقها نحو رؤياك برياك


صفحه 636

يا ربة الحرم العالي الأمين لمن ... وافاه من أين هذا الأمن لولاك
إن شبهوا الخال بالمسك الذكي فه ... ذا الخال من رؤية المحكي والحاكي
أفدي بأسود قلبي نور أسوده ... من لي بتقبيله من بعد يمناك
إني قصدتك لا ألوي على بشر ... ترمي النوى لي سريعاً نحو مرماك
وقد حططت رحالي في حماك عسى ... تحط أثقال أوزاري بلقياك
كما حططت بباب المصطفى أملي ... وقلت للنفس بالمأمول بشراك
محمد خير خلق الله كلهم ... وفاتح الخير ماحي كل إشراك
سما بأخمصه فوق السماء فكم ... أوطا أسافلها من علو أفلاك
ونال مرتبةً ما نالها أحد ... من أنبياء ذوي فضل وأملاك
يا صاحب الجاه عند الله خالقه ... ما ود جاهك إلا كل أفاك
أنت الوجيه على رغم العدا أبدا ... أنت الشفيع لفتاك ونساك
يا فرقة الزيغ لا لقيت صالحةً ... ولا شفى الله يوماً قلب مرضاك
ولا حظيت بجاه المصطفى أبداً ... ومن أعانك في الدنيا ووالاك
يا أفضل الرسل يا مولى الأنام ويا ... خير الخلائق من إنس وأملاك
ها قد قصدتك أشكو بعض ما صنعت ... في الذنوب وهذا ملجأ الشاكي
قد قيدتني ذنوبي عن بلوغ مدى ... قصدي إلى الفوز منها فهي أشراكي
فاستغفر الله لي واسأله عصمته ... فيما بقي وغنى من غير إمساك
عليك من ربك الله الصلاة كما ... منا عليك السلام الطيب الزاكي


صفحه 637

قلت: ولم أقف للشيخ رحمه الله تعالى على نظم هو خير من هذه القصيدة لقصدها الصالح، وقد أشبع فيها الكاف كسرة في خطاب المؤنث في ثلاثة أماكن حتى نشأت ياءً، لكنه جائز. وعمل على هذه القصيدة، أو على قصيدة ميمية مديح في النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو عليهما، كراريس سماها " عجالة الراكب ".
ومن شعره:
يا سائق الظعن قف بي هذه الكثب ... عساي أقضي بها ما للهوى يجب
وارفق قليلاً لكي تروي الثرى سحب ... من ناظري بمزن منه تنسكب
فثم حي حياتي في خيامهم ... فالموت إن بعدوا والعيش إن قربوا
لي فيهم قمر والقلب منزله ... لكن طرفي له بالبعد يرتقب
لدن القوام رشيق القد ذو هيف ... تغار من لينه الأعطاف والقضب
حلو المقبل معسول مراشفه ... يجول فيها رضاب طعمه الضرب
لا غرو إن راح نشواناً ففي فمه ... خمر ودر ثناياه لها حبب
ولائم لا مني في البعد عنه وفي ... قلبي من الشوق نيران لها لهب
فقلت: إن صروف الدهر تصرفني ... عما أروم فما لي في النوى سبب
ومذ رماني زماني بالبعاد ولم ... يرحم خضوعي ولم يبق لي نشب