بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 149

وإن ذكر الفقه فدونه صاحب المدوّنة، وابن أبي زيد نقص قدره عنه وهوّنه.
وإن ذكر الأصول فالغزالي ليس من هذا البزّ، والحُليمي سفِه رأيه واغتر بما اعتز.
وإن ذكر النحو فالشلوبين شلوٌ بين ماضغيه، وابن عصفور يطير وما يقع إلا بين يديه.
وإن ذكرت اللغة فصاحب المحكم تشابهت أقواله، والقزاز سَدى وألحم وما أفادته أحواله.
وإن ذكر العروض فالخليل ضاقت معه دائرته، والجوهري غام جو جواه وما أفادته مغامرته.
وإن ذكر التاريخ فالخطيب لا يرقى درجته، وابن عساكر يبذل في اعترافه له مهجته.
وإن ذكر الطب فجالينوس ما تجالس أنسه، وابن زُهر كسف نور هذا من ذاك شمسه. هذا الى غير هذه المعارف، وسوى هذه النقود التي لا تبهرجها الصيارف:
إليه انتمت فينا الفضائل كلها ... فدعوى سواه للفضائل زور


صفحه 150

إليه كأن الفضل في كل ليلة ... بكف الثريا في السماء يشير
يقول كذا فليسمُ للعلم من سما ... ويفخر بإدراك العلا فخور
وكان يتودد الى الناس ويتعهد الأكابر بالبشر والإيناس من غير حاجة الى رب جاه أو صاحب وظيفة يترجاه، لأنه كان في غُنيةٍ من دنياه، ورفعة من ذاته في علياه.
وولي نيابة الحكم بالقاهرة مدةً فملأ المنصب عدلاً وإنصافاً، ومال على المظالم وإن صادق وإن صافى، ثم إنه سأل الإعفاء، ورجع الى العطلة وفاء.
ولم يزل في رياسة علمه وفضائله الباهرة وسيادته الباطنة والظاهرة الى أن تولى العلم بركنه، وطال من القبر على إنسانه إغماض جفنه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الإثنين في سابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة.
ومولده بتونس سنة أربع وستين وست مئة.
وسمع الحديث من أبي إسحاق ابراهيم بن علي الواسطي، وأبي الفضل أحمد بن هبة الله بن عساكر، وأبي العسا أحمد بن محسن بن ملّي، وأبي القاسم الخضر بن عبد الرحمن الدمشقي، وأبي عبد الله محمد بن حمزة بن أبي عمر المقدسي، وجماعة كثيرة. وكتب على سورة " ق " مجلدة جيدة، وعلى آيات من القرآن تفاسير جيدة.
ولما تولى إعادة الناصرية علق على قوله تعالى: " إن أولَ بيتٍ وُضع للناس للذي ببكّة " الآية. وكتب على بعض ديوان المتنبي كلاماً جيداً، واختصر أفعال


صفحه 151

ابن الحاج. وتولى الإعادة في الفقه بالمدرسة الناصرية والجامع الطولوني. ودرس بالمدرسة المنكوتمرية، وكان طبيباً بالبيمارستان، ويلقي الدرس فيه نيابة عن رئيس الطب.
وكان قد تأدّب بابن حبيش، وقرأ المعقول على ابن الدارس.
وكان يستحضر جملة من شعر العرب والمولدين والمتأخرين، ويعرف خطوط الأشياخ، لاسيما أهل الغرب.
وكان نقده جيداً، وذهنه يتوقد ذكاءً، قد مهر في كل ذلك، إذا تحدث في شيء من هذه العلوم تكلم على دقائقه وغوامضه ونكته حتى يقول القائل: إنما أفنى عمره في هذا الفن.
وكان قد قرأ النحو على يحيى بن الفرج بن الزيتون، والأصول على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس، وقدم مصر عام تسعين وست مئة.
قال لي شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى وهو ما هو: أنا ما أعرف أحداً مثل الشيخ ركن الدين، وقد رأى من رآه من الفضلاء.
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس قال: قدم الى الديار المصرية وهو شاب فحضر سوق الكتب والشيخ بهاء الدين بن النحاس حاضر، ومع المنادي ديوان ابن هانئ، فأخذه الشيخ ركن الدين وأخذ يترنّم بقول ابن هانئ:
فتكاتِ لحظك أم سيوفَ أبيكِ ... وكؤوسَ خمرك أم مراشفَ فيك


صفحه 152

وكسر التاء وفتح الفاء والسين والفاء، فالتفت إليه الشيخ بهاء الدين وقال: يا مولانا ذا نصب كثير. فقال له الشيخ ركن الدين بتلك الحدة المعروفة منه والنفرة: أنا ما أعرف الذي تريده أنت من رفع هذه الأشياء على أنها أخبار لمبتدآت مُقدّرة، أي: أهذه فتكات لحظك أم كذا أم كذا، وأنا الذي أريده أغزلُ وأمدحُ، وتقديره: أأقاسي فتكات لحظك أم أقاسي سيوف أبيك، وأرشف كؤوس خمرك أم مراشف فيك. فأخجل الشيخ بهاء الدين وقال له: يا مولانا فلأي شيء ما تتصدر وتشغل الناس. فقال استخفافاً بالنحو واحتقاراً له: وأيش النحو في الدنيا، النحو علم يذكر؟ أو كمال قال.
وأخبرني أيضاً قال: كنت أنا وشمس الدين بن الأكفاني نأخذ عليه في المباحث المشرقية فأبيت ليلتي أفكّر في الدرس الذي نصبح نأخذه عليه وأجهد قريحتي وأعمل تعقُّلي وفهمي الى أن يظهر لي شيء أجزم بأن المراد به هذا، فإذا تكلم الشيخ ركن الدين كنت أنا في واد في بارحتي وهو في واد. أو كما قال.
وأخبرني الشيخ تاج الدين المراكشي قال: قال لي الشيخ ركن الدين: لما أوقفني الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس على السيرة التي عملها علّمت فيها على مئة وأربعين موضعاً أو مئة وعشرين موضعاً - السهو مني - أو كما قال.


صفحه 153

ولقد رأيته أنا مرات يواقف الشيخ فتح الدين في أسماء رجال ويكشف عليها فيظهر الصواب مع ركن الدين.
وكنت يوماً أنا وهو عند الشيخ فتح الدين فقال: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: عمل ابن الخطيب أصولاً في الدين أصول الدين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - بسم الله الرحمن الرحيم - " قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد " فنفر الشيخ ركن الدين وقام وقال: قل له يا عُرّة، عمل الناس وصنفوا وما أفكروا فيك، ونفر مغضباً.
وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء إليه إنسان يصحح عليه في أمالي القالي، فأخذ الشيخ ركن الدين يُسابقه الى ألفاظ الكتاب، فبهت ذلك الرجل فقال له: لي عشرون سنة، ما كررت عليها.
وكان إذا أنشده شيئاً في أي معنى كان أنشد فيه جملة للمتقدمين والمتأخرين، كأن الجميع كان يكرر عليه البارحة.
وتولى نيابة الحكم بالقاهرة لقاضي القضاة المالكي مدة، ثم إنه تركها تديّناً منه وقال يتعذر فيها براءة الذمة، وكانت سيرته فيها حميدة، ولم يُسمع عنه أنه ارتشى في حكومة ولا حابى أحداً.


صفحه 154

وكان كثير التلاوة وكان ينام أول الليل ثم يستفيق وقد أخذ راحة، وأخذ كتاب الشفاء لابن سينا ينظر فيه لا يكاد يخل بذلك.
قال لي الشيخ فتح الدين: قلتُ له يوماً: يا شيخ ركن الدين الى متى تنظر في هذا الكتاب؟ فقال: أريد أن أهتدي.
وكان فيه سأمٌ وضجر حتى في لعب الشطرنج، يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذة صاحبه ويقول: سئمت سئمت. وكذلك في بعض الأوقات يكون في بحث وقد حرر لك المسألة وكادت تنضج وتتضح فيترك الكلام ويمضي.
وكان حسن الودّ، جميلَ الصحبة، يتردد الى الناس ويُهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة لأحد، لأنه كان معه مالٌ له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم، وكان يتصدق سراً على أناس مخصوصين، وكان مع هذه العلوم لثغته بالراء قبيحة يجعلها همزة، وكنت أنا وهو قد طلعنا الى القلعة فجاء في الطريق ذكر الراء واللثغة بها، فأخذ يسرد عليّ ما يمكن من اللثغة بها وعدّ أنها تغير لغالب حروف المعجم، وأخذ يذكر أمثلة ذلك.
وكان إذا رأى أحداً يضرب كلباً أو يؤذيه يخاصمه وينهره ويقول له: ليس تقفل هذا أمَا هو شريكك في الحيوانية؟ وكان خطه مغربياً وليس بجيد، وكنت كثيراً ما أجتمع به وآخذ من فوائده الغامضة، وكتبت له استدعاء في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة، ونسخته: المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العلامة جامع شتات الفضائل، وارث علوم الأوائل، حجة المناظرين سيف المتكلمين:


صفحه 155

سبّاق غايات الورى في بحثه ... فالبرقُ يسري في السحاب بحثّه
ويهبّ منه بالصواب صبا لها ... بردٌ على الأكباد ساعة نفثه
ويضوع من تلك المباحث ما يُرى ... أشهى من المسك السحيق وبثه
المتكلم الذي ذهلت بصائر أولي المنطق نحوه، وأنتجت مقدماته المطلوب عنوة ووقف السيف عند حدّه فما للآمدي في مداه خطوه، وحاز رتب النهاية فما لأبي المعالي بعدها خطوه، فهو الرازي على الرازي، لأن قطب علومه من مصره ومحصوله ذهب قبل دخول أوانه وعصره، والفقيه الذي رفع لصاحب الموطأ أعلام مذهبه مُذهبة، فمالكٌ عنه رضوان، وأسفر وجوه اختياره خالية من كلف التكلف حالية بالدليل والبرهان، وأبرزها في حلاوة عبارته فهو جلاّب الجُلاّب، وأظهر الأدلة من مكامن أماكنها، وطالما جمحت تلك الأوابد على الطُلاّب.
والنحوي الذي تركت لُمعهُ الخليل أخفش، وأعرت الكسائي ثوب فخره الذي بهر به سيبويه وأدهش، فأبعد ابن عصفور حتى ضار عن مُقرّبه، وأمات ابن يعيش لمّا أخلق مُذهب مَذهبه.
والأديب الذي هو روضٌ جمع زهر الآداب وحبْرٌ قلّد العقد أجياد فنّه الذي هو لبّ الألباب، وكامل أخذ عنه كتّاب الأدب أدب الكُتاب، فإذان نظم قلت: هذه الدّراري في أبراجها تتّسق، أو خِلْتَ الدُرر تتنضدّ في ازدواجها وتنتسق، أو


صفحه 156

نثر فالزهر يتطلع من كمامه غبَّ غمامه، والأَلفات غصون ترنّح معاطفها بحمائم همزه التي هي كهمز حمامه.
والطبيب الذي تحلى منه أبقراط وسقط عن درجته سُقراط، فالفارابي ألفاه رابياً، وابن مسكويه أمسك عنه مُحاشياً لا محابياً، وابن سينا انطبق قانونه على جميع جزئياته وكلياته، وطلب الشفاء والنجاة من إشاراته وتنبيهاته، فلو عالج نسيم الصبا لما اعتلّ في سحره، أو الجفن المريض لزانه وزاده من حوَره، ركن الدين أبي عبد الله محمد بن محمد عبد الرحمن الجعفري المالكي:
لا زال روض العلم من فضله ... في كل وقت طيّب النَشْر
وكل ما يبدعُه للورى ... تطويه في الأحشاء للنشر
وتزدهي الدنيا بما حازَهُ ... حتى تُرى دائمة البشر
إجازة كاتب هذه الأحرف ما له من مَقول منظوم أو منثور، وضع أو تأليف، جمع أو تصنيف، الى غير ذلك على اختلاف الأوضاع وتباين الأجناس والأنواع.
وذكرت أشياء مذكورة في الاستدعاء.
فأجاب بخطه رحمه الله تعالى: يقول العبد الفقير الى رحمه ربه وعفوه عما تعاظم من ذنبه محمد بن عبد الرحمن القُرشي الجعفري المعروف بابن القُوبع: بعد حمد الله ذي المجد والسّناء والعظمة