بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 233

فتنادي بك المنى من قريب ... بعد قفرٍ من التباعد أقبح
إن لي مطمعاً بقربك يأسو ... ما غدا الناس بالتباعد يجرح
كلما شام بارقُ الشام طرفي ... قلت شوقاً لوصلك: الله يفتحْ
ولقلبي منه خُفوقٌ ونارٌ ... ولطرفي منه سحائب سُيَّحْ
يا صلاح الدين الذي فاقَ أهل ال ... عصر حلما عنه الرواسي تزحزح
وبليغاً ما رام يأتيه عفواً ... وفصيحاً ما احتاجَ أن يتفصّح
لو رآه غيلانُ قصّر عن قص ... دِ بلالٍ وصدّ عن زجرِ صيدح
وفّر النفس عن منى كل وفر ... ورأى العِلمَ منه أرجى وأرجح
وغذاء الأرواح أشرف مما ... تغتذيه الأجسام قدراً وأصلح
سبّح الله من رآكَ إماماً ... كم له في بحار علمك مسبحْ
حائزاً من بدائع بني هلالٍ ... سحرَ نثرٍ بدُرِّ خطٍ موشّح
كعلي وضعاً ورقّة إبْرا ... هيم طبعاً بل أنت أسمى وأسمح
يا خليل الآداب ما اختلّ منها ... فالصحيح الذي عليك يصحَّح
كم على الدهر من حُلالها جمالٌ ... ما لمسرى مؤمِّلٍ فيه مسرح
سمطها فائزٌ بدُرِّ معانٍ ... سقطُها من زِناد فكركَ يقدح
كلّ عذراء تسبي كل لبٍ ... بسنا عن سناءِ علمك يُلمح
زارت الصبِّ في ليالٍ من البُع ... دِ فلما دنت رأى الصبح أصبحْ
قلدت بالعقيان سحر بيانٍ ... ليس فيه للفتح بعدك مطمحْ


صفحه 234

ختم النّظمُ منك بحر قريضٍ ... ما أراهُ من بعدِ ختمك يُفتح
وكتب هو إلي رحمه الله تعالى وأنا بصفد في سنة أربع وثلاثين وسبع مئة:
سُررتم فإني بعدكم غير مسرور ... وكم لي على الأطلال وقفة مهجورِ
ولا حسَّ إلا حس صائحة الصّدى ... ولا أُنسَ إلا أنس عيسٍ ويعفور
فيا وحدةَ الداعي صداهُ جوابهُ ... ويا وحشةَ الساعي الى غير معمورِ
إذا قلت سيري قال سيري مُحاكياً ... وإن قلتُ زُوري قال لي مثلها زُوري
وما سرّني بالقُرب أني استزرتُها ... ولا ساءني بالبُعدي قولي لها سيري
فيا ويحَ قلبي كم يعلّله المُنى ... علالةَ دُنيا استعبدت كل مغرور
تواصل وصل الطيف في سنة الكرى ... ولست إذا استيقظتَ منه بمحبور
وتدنو دنوّ الآلِ لا ينقعُ الصّدى ... وتخلبُ آمالاً بخُلّبها الزورِ
تُنيل المُنى من سالمَتْهُ خديعةً ... وتُعقب من نيل المنى كل محذور
فدعها وثق بالله فالله كافلٌ ... برزقك ما أبقاك وارضَ بمقدور
وكن شاكراً يسراً وبالعُسر راضياً ... فأجرُ الرضا والشكرِ أفضلَ مذخورِ
فكتبت أنا الجواب عن ذلك:
هل البرقُ قد وشّى مطارفَ ديجورِ ... أو الصبحُ قد غشّى دُجى الأفقِ بالنورِ
وهل نسمةُ الأسحار جُرّت ذيولُها ... على زهر روضٍ طيّب النشر ممطورِ
وهيهاتَ بل جاءتْ تحيةُ جيرةٍ ... الى مُغرمٍ في قبضة البعد مأسورِ
أتته وما فيه لعائد سُقمه ... سوى أنه تنبثّ من قلب مصدورِ
فلما تهادت في حُليّ فصاحة ... من النظم عن سحر البلاغة مأثور
أكبّ على تقبيلها بعد ضمها ... الى خاطرٍ من لوعة البين مكسور


صفحه 235

وأجرى لها دمع المآقي ولم يكن ... يقابل منظوماً سواه بمنثور
فأرشفه كأسَ السُلاف خطابُها ... وغازله من لحظها أعينُ الحورِ
فكم حكمةٍ فيها لها الحكم في النهى ... وكم مثلٍ في غاية الحسن مشهورِ
يرى كل سطر في محاسن وضعه ... كمسكِ عذارٍ فوقَ وجنةِ كافورِ
فلا ألفٌ إلا حكت غُصنَ بانةٍ ... وهمزتُها من فوقها مثلُ شُحرور
فأصلح لا يثني الى الأرض جيدَهُ ... غراماً ولم يعدِل بها وردةَ الجوري
وقد كانت الأطماع نامت لياسها ... فلما أتت قال الغرامُ لها ثوري
وزادت جفون العين سُهداً كأنما ... حبَتْها بكحل منه في الجفن مذروري
وكان الدجى كالعام فاحتقرتْ به ... وقالت له ميعادُك النفخُ في الصور
ولا ترضَ من نار الحشا باتقادها ... فقد قذفتْ في كل عضو بتنور
وما شكرتْ عيني على سفحِ عبرتي ... على أن محصول البُكى غير محصور
وقالت أما نحيا الدموع لشدة ... فدعها تفِضْ من زاخرِ اللّج مسجور
ولو كنتُ ألقى في البُكا فرجاً لما ... مضى اليوم حتى كنتُ أولَ مغرور
ولو كنت ألقى الصبر هانت مصيبتي ... ولكنه للحظّ في غير مقدور
فإن تبعثوا لي من زكاة اصطباركم ... فإني لما تهدونه جدُّ مضرور
سلوا الليل هل آنستُ فيه برقدة ... فما هو ممن راح يشهدُ بالزورِ
فكم لي فيه صعقةٌ موسويةٌ ... وللقلب من تذكاركم دكةُ الطور


صفحه 236

تشفعتُ للبين المشتِّ بكم عسى ... يعود هزيمُ القُرب عودةَ منصور
على أن جاه الحظّ أكرمُ شافع ... ولولاه لم يُحتج الى بنت منظور
وما هو إلا الحظ يعترضُ المُنى ... ولولاه كان الدهر أطوعَ مأمورِ
فكم في البرايا بين عانٍ ومطلَقٍ ... وسالٍ ومحزونٍ ودانٍ ومهجور
وليس سوى التسليم لله والرضا ... بقلب منيبٍ طائعٍ غير مقهور
وحاش لعلاّم الخفيات في الورى ... على ما ابتلاني أن أُرى غير مأجور
فكتب هو رحمه الله الجواب:
وردت المشرّفة السامية بحُلاها، الزاهية بعلاها، المشتملة على الأبيات الأبيّات، الصادرة عن السجيات السخيّات، التي فاقت الكنديّيْن، وطوت ذكر الطائيين، ما شئت من بدائع إيداع وروائع إبداع، تقف الفصاحةُ عندها وتقْفو البلاغة حدّها، فالله ذلك الفضل الوافي، بل السحر الحلال الشافي، بل تلك القُوى في القوافي، بل تلك المقاصد التي أقصدت المنى في المنافي، بل تلك المعاني التي حيّرت المُعاني، وفعلت في الألباب ما تفعله الثالث والمثاني، بل تلك الأوضاع التي حاك الربيع وشيَها، وامتثل القلم أمرها ونهيها، فهو يصرفها كيف يشاء مرسوماً، ثقة أنها لا تخالف له


صفحه 237

مرسوماً. لقد آل فضل الكتاب إليها وآلى فصل الخطاب لا وقف إلا بين يديها، لقد صدرت عن رياض الأدب فجنَت زهره اليانع، لقد أخذت بآفاق سماء البلاغة فلها قمراها والنجوم الطوالع، لقد أفحمت قائلة:
مَن يُساجلُني يُساجل ماجداً ... يملأ من آدابه كلَّ ذَنوبِ
لقد حسُنَت حتى كأن محاسناً ... تقسّمها هذا الأنام عيوبُ
هي الشمس تدنو وهي ناءٍ محلّها ... وما كلُ دانٍ للأنام قريبُ
تخطّت الى الحُضْر الجيادَ نباهةً ... وهيهات من ذاك الجناب جنيبُ
وحيّت فأحيت بالأماني متيّماً ... حبيبٌ إليه أن يُلمّ حبيبُ
يذكّرني ذاك الجمال جمالها ... فليلي كما شاء الغرامُ رحيبُ
وما لي إلا أنةٌ بعد أنةٍ ... وما لي إلا زفرةٌ ونحيبُ
حنيناً لعهدٍ غادر القلب رهنه ... وعلّم دمعَ العين كيف يصوبُ
وذكرى خليلٍ لم يغبْ غيرُ شخصه ... وفي كل قلبٍ من هواهُ نصيب
ولولا حديثُ النفس عنه بعودِه ... وأن المنى تدعو به فيجيب


صفحه 238

لما استعذب الماء الزلال لأنه ... إذا مازج الماء الزلال يَطيبُ
فبادرها المملوك لبنائها متعرفاً، وبأرحبها متعرفاً، وبولائها متمسكاً وبثنائها متمسكاً، شوقاً إليها لا يبيد ولو عمّر عمر لبيد، واقفاً على آمال اللقاء وقوفَ غيلان بدار ميّة، عاكفاً على أرجاء الرجاء عكوف توبة على حب ليلى الأخيلية، والله يتولاه في حالتيه ظاعناً ومقيماً، ويجعل السّعد له حيث حلّ خديناً والنُجْحَ خَديماً، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى.
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:
تنوحُ حماماتُ اللوى فأَجيبُ ... ويحضُرُ عندي عائدي فأغيبُ
وقد ملّ فرشُ السّقْم طولَ تقلّقي ... عليه بجنبي إذ تهبُّ جَنوبُ
ولما بكتْ عيني نواكَ تعلّمتْ ... دموعُ السّحاب الغرّ كيف تصوبُ
أيا برقُ إن حاكيتُ قلبي فلم يكن ... لنارِكَ مع هذا الخفوقِ لهيبُ
ويا غيثُ إن ساجلْتَ دمعي فإنه ... يفوتك مع ذا أنةٌ ونحيبُ
ويا غصنَ إن هزّت معاطفك الصّبا ... فما لك قلبٌ بالغرام يذوبُ
إذا جفّ جفني ذاب قلبي أدمُعاً ... فلله قلبٌ عاد وهو قليبُ
أبيتُ بجفنٍ ليس يعرفُ ما الكرى ... وأيُ حياةٍ بالسهاد تطيب
وقلبٍ إذا ما قرّ عادتْهُ لوعةٌ ... فيعروه من بعد القرار وجيبُ
ألا إنّ دهراً قد رماني بصَرفِهِ ... لدَهْرٌ إذا فكرت فيه عجيب
ويكفي أني بين أهلي ومعشري ... وصحبي لبُعدي عن حِماك غريبُ


صفحه 239

يقبّل الأرض وينهي ورود المثال الذي تصدّق به مولانا منعماً، وأهده خميلةً فكم شفى زهرُها المنعّم من عمى، وبعثه قلادة فكم أزال درّها المنظّم من ظمأ وأقامه حجة، على أن مُرسله يكون في الإحسان والآداب مالكاً ومتمِّماً، فبلَلْتُ برؤيته غلة الظّمأ البَرْح، وعاينت ما شاده من بنيان البيان، فقلت لبلقيس عيني ادخلي الصّرح، وقمت من حقوقه الواجبة عليّ بما يطول فيه الشرح، وتلقّيته بالضمّ الى قلب لا يجبر منه الكسر غير الفتح، وأسمَت ناظري من طرسه في روضهِ الأُنُف، وقسمت حليّه على أعضائي فللجيد القلائد وللفرق التيجان وللأذن الشُنُف، ووردت منهله الصافي والتحفت بظله الضّافي، واجتليت من وجهه بشراً قابله الشُكر بالقلم الحافي، وعكفت منه على كعبة الفضل فلله ما نشر في استلامي وطوى في طوافي، وكلّفت قلبي الطائر جواباً فلم تقوَ القوادم وظهر الخواء في الخوافي، وقلت هذا الفنّ الذي ما له ضريب، وهذا وصل الحبيب البعيد، قد نلته برغم الرقيب القريب:
فيا عينيّ بِيتا في اعتناقٍ ... ويا نومي قدمْتَ على السّلامهْ


صفحه 240

وأقسم أن البيان ما نكّب عما دبّجه مولانا ونكّت، ولا أجراه الله على لسانه إلا لما سكّت البلغاء وبكّت، ولا آتاه هذه النقود إلا وقد خلّصت القلوب من رقّ غيره وفكّر، ولا وهبه الله هذه الكلم الجوامع إلا أن الأوائل أحسوا بطول رسائلهم فقطّعوها من حيث رقّت، والصحيح من حيث ركّت، فما كل كاتب يده فم ولسانه فيه قلم، ولا كل متكلم حُش بيانه تأتّم الهداة به كأنه علَم، ولا كل بليغ إذا خاطب الوليّ كلاً أو كلّم العدوّ كلَمْ، لأن مولانا حرسه الله تعالى لا يتكلّف إذا أنشا، ولا يتخلّف إذا وشّى، والسّجع أهون عنده من النفس الذي يردده أو أخف، والدرّ الذي يقذفه من رأس قلمه أكبر من الدرّ الذي في قعر البحر وأشفّ، وإذا راضَ قلمه روّض الطّروس من وقته، وإذا أفاض كلمَهُ فوّض البيان أمر مقته ومِقته، وما كلمُه إلا بحر، والقوافي أمواج، وما قلمه إلا ملك البلاغة فإذا امتطى يده ركضت به من الطّروس على حلل الديباج، فلهذا أخملت رسائله الخمائل، وتعلّمت منها الصّبا لطف الشمائل، وأخذت بآفاق البلاغة فلها قمرها الطوالع ولغيرها نجومها الأوافل، وانتقت أعالي الفضائل، وتركت للناس فضالة الأسافل:
وهذا الحقّ ليس به خفاءٌ ... فدعني من بُنيّات الطريقِ
فأما درّه الذي خرطه الجناس في ذلك السلك فما أحقّه وأولاه بقول ابن سناء الملك: