محمد بن مسعود
ابن أيوب بن التوزي، بالتاء ثالثة الحروف وبعد الواو زاي، القاضي بدر الدين الحلبي، محدث حمص.
طلب الحديث واجتهد، وخرّج لنفسه أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً.
توفي رحمه الله تعالى حادي عشري شهر رمضان سنة خمس وسبع مئة.
ومولده بقلعة حلب سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: قرأت الأربعين التي له عليه، وكتبها لي بخطه، وروى لنا عن عبد الله بن النحاس، والصدر البكري، وخطيب مردا، وابراهيم بن خليل، وضياء الدين صقر، والكفرطابي وجماعة.
محمد بن مسعود، صلاح الدين
اجتمعت به غير مرة بالقاهرة وبقلة الجبل، وأنشدني كثيراً من شعره، ومما أنشدنيه من لفظه لنفسه في شهر ربيع الأول سنة سبع وثلاثين وسبع مئة بالقاهرة:
صرفُ الزبيبي لصرف همّي ... نص على نفعه طبيبي
آهٍ على سكرةٍ لعلي ... أن أخلط الهمَّ بالزبيبي
محمد بن مسعود بن أوحد بن الخطير
الأمير ناصر الدين بن الأمير بدر الدين، أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، وسيأتي ذكر والده.
كان فيه شمم، وبه عن الخنا صمم، يأخذ نفسه بعظمةٍ زائدة، ويرى أنها على أبناء نوعها سائدة، لا يُذعن لأحد، ولا يذل لكبير اعترف له بالفضل أو جحد. تمتد آماله ولا تقف عند غاية، ويحدّث نفسه بأمور ما لها نهاية. يتجمل في ملبوسه ومركوبه ومسكنه، ويجعل النظافة والصلف من دأبه وديدنه. طويل الروح في المخاصمة لا يرجع عمّن حاوره ولو حزّ غلاصمه، يركب في خدم وحشم وحفدة، ويجمّل الموكب الذي أمّه وقصده.
ولم يزل راقياً في أوج شبابه، صاعداً في معارج عيشه الذي انتهى الى انتهابه، الى أن اخترق حمامُه، وانهدّ بالموت يذبله وشمامه.
وتوفي رحمه الله تعالى في بكرة الجمعة سادس عشري جمادى الآخرة سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده بدمشق في سنة ست وعشرين وسبع مئة.
مات والده رحمه الله تعالى وهو أمير عشرة فلم يزل يسعى ويبذل الى أن أخذ إمرة الطبلخاناة بعد توجهه الى مصر، وأخذ لأولاده إقطاعات جياداً في حلقة دمشق، وكان سعيد الحركات مجتهداً في تحصيل الأملاك وغيرها، ويغالي في الخيول والملبوس
وفي رخت الإمرة، ويركب وينزل في جماعة من مماليكه وجنده وأولاده، وكان يمنّي نفسه ويعدها أموراً عالية من الولايات والمناصب، ولو عاش وأمهله الدهر لنال ما يطلب لحُسن تأتيه وجميل سلوكه.
وكان والده رحمه الله تعالى يثق بعقله ويركن إليه دون إخوته، وكان قد رغب الى الأمير سيف الدين تمر المهمندار وخطب منه قطلو ملك ابنة الأمير شرف الدين موسى ابن الأمير علاء الدين علي ابن الأمير سيف الدين منكوتمر، وكتبت أنا الصداق له من رأس القلم وهو: الحمد لله الذي أيّد هذا الدين بناصره، وشيد قواعده بشدّ أواخيه وإحكام أواصره، وخصّه بكرم أبوّته وطيب عناصره.
نحمده على نعمه التي منها الهداية الى اتباع السنة، والعناية بما يؤديه الى سلوك الطرق التي توصل الى الجنة، والرعاية لأعمال تكون النفس بها يوم الفزع الأكبر مطمئنة.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تخفف بين سرادق العرش أعلامها، وتُشرق في الحنادس المظلمة أقمارها، وقد كمل نورها وتمامها، وتورق غصون الإيمان بأدلتها إذا انشقت عن زهرات اليقين أكمامها.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي حضّ على النكاح، وحث على تجنّب
السفاح وحصّ قوادم الباطل، وراش جناح النجاح، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حافظوا على اقتفاء آثاره، وبلغوا الأمة ما وصل إليهم من سُننه وأخباره، وكاثروا النجوم الزاهرة بمهاجريه وأنصاره، صلاة لا تُحط البوارق من رضوانها لثاماً، ولا تشق السوابق من غفرانها غماماً ما عُقد نكاح، وفُقد سفاح، وسلم تسليماً كثيراً الى يوم الدين وبعد: فإن النكاح من مزايا هذه الأمة ومحاسنها التي تجلو بأنوارها الحنادس المدلهمّة، والسنة بذلك طافحة، وفي كل مكان منها نافجة نافحة، فمن ذلك ما هو في بيانه ووضوحه كالعلم، وهو قوله عليه السلام " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم ".
وكان المقر الكريم العالي المولوي الأميري الناصري محمد بن الأمير المرحوم بدر الدين مسعود بن الخطير ممن طاب فرعاً وأصلاً، وحوى الفضلين حكماً وفصلاً، وحاز المنقبتين قلماً ونصلاً، وتفرّد بالمحاسن التي فضلها للعيان مشهود، وروضها بغمام الكمال مجود، وحوضها لك ناهل مورود، وحديثها في الناس مشهور، وما أصدق من روى حديث ابن مسعود، ومحله في السيادة أثيل وأثير، وباع رمحه في البأس طويل ولسان السيف من غيره قصير ومناقب بيته فعمدة كل خطيب وصفُ بني الخطير:
من النفر الغرّ في قومهم ... فطالوا أصولاً وطابوا جدودا
أناروا الليالي وهزّوا العوالي ... وشادوا المعالي وزانوا الوجودا
لفضل الخطير انتهى مجدُهم ... فلا زال في كل عصر جديدا
إذا غاب بدر بدا كوكب ... منازلهُ تستديم السعودا
وناصرهم فضلُه بيّن ... فما تلتقي لعلاه حسودا
فيا هل عناه الذي قال في ... سواه فعن وصفه لن يحيدا
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يحيدا
فلذلك تمسك بالسبب المتين من السنة، وآثر الاتصال بمن حجابها بيض السيوف وحجّابها زُرق الأسنة، ورغب الى المقر الشريف العالي المولوي الأميري السيفي تمر أمير مهمندار:
غدا في الزمان كبير الأنا ... م بتدبيره تستقيم الدول
بعقلٍ رصين ودين متين ... وفضل مبين وجود كمل
وما نظرت مقلة مثله ... على من مضى في الملوك الأُول
إذا أشكل الأمر في حاله ... أبان الهدى للورى فانفصل
وخطب الجهة المصونة الخاتون قطلوملك ابنة الأمير المرحوم شرف الدين موسى لأنها في كفاية كنفه، وظل حجره وتصرفه، ومهاد بره وتلطفه، وعناية إقباله عليها وتعرفه:
لا يبعث النجم طرفاً نحو مطرفها ... وكيف يلحظ طرفاً بالعفاف عمر
ولا تجوز الصبا من دون مضربها ... ولا تمر عليها وهي عند تمر
محمد بن مسكين
الإمام عز الدين القرشي الزهري.
توفي في جمادى الأولى سنة عشر وسبع مئة بالمصاحبة بمصر ودفن بالقرافة.
وكان من أعيان الفقهاء، متزهداً مدرّساً بالمدرسة المجاورة لقبر الشافعي رضي الله عنه. ووليها بعده القاضي مجد الدين حرمي، وكان الشيخ عز الدين بن مسكين قد عين لقضاء الشام فما اختار فراق الوطن. وروى عن الرشيد العطار.
محمد بن مسلم
بتشديد اللام، ابن مالك بن مزروع الزيني ثم الدمشقي الصالحي، الشيخ الإمام العالم، بركة الإسلام، قاضي القضاة شمس الدين أبو عبد الله الحنبلي.
سمع الكثير وله حضور على ابن عبد الدايم، وسمع من الشيخ شمس الدين وطبقته، وخرّج له ابن الفخر مشيخةً في مجلدة، وسمعها منه خلق، وخرّج له ابن سعد الأربعين المتباينة الأسانيد، وخرّج له المزّي تساعيّات، وخرج له الذهبي جزءاً، وأجاز له من مصر جماعة من أصحاب البوصيري.
كان من قضاة العدل في أحكامه، ومن أئمة الهدى في نقضه وإبرامه، مطّرح
التكلّف في أحواله، متوخي الصدق والحق في أقواله، عمّر الأوقاف وضبطها، وحاسب العمال وأمسك القواعد وربطها، وحرّر الإسجالات، وتوقف في العدالات، ولازم الورع والتحري، ومنع الظلمة من التعدي والتجري، وباشر أمور الحكم بقوة وصلابة في الدين، وكف يد الظلمة والمعتدين، فهو كما قال أبو الطيب:
قاضٍ إذا اشتبه الأمران عنّ له ... رأي يفرق بين الماء واللبن
القائل الصدق فيه ما يضرّ به ... والواحد الحالتين السرّ والعلن
ولم يزل على حاله الى أن حج، وقبض عليه بالمدينة الشريفة، ونقل الى الدار الآخرة والملائكة به مطيفة.
وتوفي رحمه الله تعالى في الثالث والعشرين من ذي القعدة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
ومولده سنة اثنتين وستين وست مئة في صفر.
توفي والده وكان ملاحاً في سوق الخيل، وله ست سنين، وحفظ القرآن، وتعلم الخياطة، واشتغل، وتفقّه، وبرع في الفقه والعربية، وتصدر لإقرائهما وتخرج به فضلاء. ولم يطلب تدريساً ولا فُتيا، ولا زاحم على الدنيا.
وسمع شيخنا الذهبي بقراءته الأجزاء، وكان ربما يكتب الأسماء والطباق ويذاكر، وبقي مدة على الخزانة الضيائية. ولما توفي قاضي القضاة تقي الدين سليمان عين للقضاء، وأثني عليه عند السلطان بالعلم والنسك والسكينة، فولاه القضاء، فتوقف، وطلع إليه
الشيخ تقي الدين بن تيمية الى بيته، وقوّى عزمه، ولامه، فأجاب بشرط أن لا يركب بغلة، ولا يأتي موكباً، فأجيب، وكانت قراءة تقليده، سادس عشر صفر سنة ست عشرة وسبع مئة.
وكان ينزل من الصالحية الى الجوزية ماشياً، وربما ركب حمار مكار، وكان مئزره سجادته، ودواة الحكم زجاجة، واتخذ فرجية مقتصدة من صوف، وكبّر العمامة قليلاً، ونهض بأعباء الحكم بعلم وقوة، وعمّر الأوقاف، وحاسب العمال، وحكم إحدى عشرة سنة، وشهد له أهل العلم والدين أنه من قضاة العدل.
وحجّ مرات، وانتصر لابن تيمية، فحصل له أذى، فتألم وكظم، وسار للحج بنيّة المجاورة فمرض من العلا، ولما وصل المدينة تحامل حتى وقف مسلّماً على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم أدخل الى منزل، فلما كان في السحر توفي رحمه الله تعالى ودفن بالبقيع.
محمد بن مصطفى بن زكريا
ابن خواجا بن حسن، فخر الدين التركي الصُلغري، بالصاد المهملة واللام الساكنة والغين المعجمة، وبعدها راء، الدوركي، بالدال المهملة والواو الساكنة والراء والكاف، وصُلْغر: فخذٌ من الترك، ودورك: بلد من الروم.
كان شيخاً فاضلاً في الأدب، وممن ينسل إليه من كل حدب، فقيهاً في مذهب أبي حنيفة، نبيهاً وهمته في الرتب منيفة، نظم القدوري في الفقه نظماً جيداً وضبط فروعه مقيداً، ونظم قصيدة في النحو استوعب فيها أكثر الحاجبية سرداً، وأتى فيها بأحكام كثيرة، طرّزها للنحو حلة وبرداً.