بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 266

وكان خطه يخجل العقود المنظمة والرياض التي برودها بالأزهار مسهّمة، يتلو القرآن غالب وقته، وله فيه نغمة طيبة أشهى من سجع الحمام في روض أينع في نبته، مع تواضع زانه وقوّم ميزانه.
ولم يزل على حاله الى أن أضر، ولازم لحين أجله وأصر.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة ثلاث عشرة وسبع مئة.
ومولده بدورك سنة إحدى وثلاثين وست مئة.
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: أخذنا عنه لسان الترك ولسان الفرس، وكان عالماً باللسانين يعرفهما إفراداً وتركيباً، أعانه على ذلك مشاركته في العربية. وله قصائد كثيرة منها قصيدة في قواعد لسان الترك، ونظم كثيرة في غير فن، وأنشدني كثيراً منها.
ودرّس بالحسامية الفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان قد تولى الحسبة بغزة قديماً، وقد أدّب بقلعة الجبل بعض أولاد الملوك.
قلت: هو السلطان الملك الناصر محمد، قال: وعمي في آخر عمره.
وأنشدني من قصيدة مدح بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
قيل اتخذ مدح النبي محمد ... فينا شعارك إن شعرك ريّقُ
وعلى بنانك لليراعة بهجةٌ ... وعلى بيانك للبراعة رونق
يا قطب دائرة الوجود بأسره ... لولاك لم يكن الوجود المطلق
مذ كنت أوله وكنت أخيره ... في الخافقين لواء مجدك يخفق
كل الوجود الى جمالك شاخص ... فإذا اجتلاك فعن جلال يطرق


صفحه 267

كنت النبيّ وآدمٌ في طينه ... ما كان يعلم أي خلق يخلقُ
فأتيت واسطعة لعقد نبوّة ... منها أنار عقيقها والأبرق

محمد بن مظفر بن عبد الغني
الشيخ الفقيه محيي الدين القصاع.
كان ممن حصّل وقرأ القراءات والفقه والأصول، وتميز. وسمع كثيراً من ابن جعوان وغيره.
وتوفي بطرابلس رحمه الله تعالى في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مئة.

محمد بن معالي بن فضل الله
ابن معالي بن بركات بن محمد بن أبي نصر بن الملاق، الشيخ زين الدين أبو عبد الله بن الملاق، بتشديد اللام، الرّقي.
كان مباشراً في ديوان السكر أقام بدمشق أربعين سنة، وولي أبوه الوزارة والقضاء بالرقة. وجدهم أبو نصر بن الملاق، نقله المعتصم من بغداد الى الرقة وولاه الخطابة بها.
قال شيخنا البرزالي: قرأت عليه جزء البانياسي بالإجازة عن جماعة من البغداديين منهم الشيخ شهاب الدين السهروردي، وعبد السلام الداهوي، وعلي بن الجوزي، وعبد اللطيف بن الطبري، وإسماعيل بن باتكين.


صفحه 268

وتوفي رحمه الله تعالى في جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وست مئة بعد رحيل التتار عن دمشق.
ومولده بالرقة في شعبان سنة اثنتين وعشرين وست مئة.

محمد بن المفضل
ابن فضل الله، الرئيس الصدر الكبير، الديّن، محيي الدين المصري الكاتب.
كان صدراً في المجالس، وبدراً في الحنادس، نبيهاً نبيلاً، وجيهاً جليلاً، ديّناً خيّراً مهيباً، صيّناً وقوراً أريباً، يلازم الصلوات الخمس في الجامع الأموي، لا يخلّ بذلك ولو حال بينه وبين الجامع سنا الأسنة في عِثير السنابك.
ولم يزل على حاله الى أن توفّى الله المُحيي فمات، ونزل به من عِداه الشمات.
وتوفي رحمه الله تعالى في رابع عشري جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وسبع مئة، ودفن في تربة بني هلال بالصالحية وعمره ستة وأربعون سنة.
كان أولاً يعرف بكاتب قبجق، وكان صاحب ديوان الأمير سيف الدين تنكز، ومن جملة كتاب الإنشاء بدمشق، ومستوفي الأوقاف، ولم يكن عنده مخدومه في أبناء جنسه له نظير، محله عنده عظيم الى الغاية. وكان يحب الصالحين والفقراء وبودهم ويبرهم، وسار في دمشق سيرة جميلة حميدة، وكان مغرى بتحصيل المصاحف، فيقال إنه وجد في تركته أربع مئة مصحف.
وهو عم القاضي علم الدين بن قطب الدين ناظر جيش الشام، وهو الذي خرجه ودرّبه.


صفحه 269

محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج
أقضى القضاة، الإمام العالم شمس الدين القاقوني، نسبة الى قاقون الساحل، الحنبلي نائب قاضي القضاة جمال الدين المرداوي الحنبلي وزوج ابنته.
كان قد برع في الفروع ونال الغاية فيها من الشروع، ومهد في الأحكام وبهر في الأحكام، يستحضر فروعاً كثيرة من مذهبه كلها غرائب، ويرسل منها في أغراضه سهاماً صوائب.
ولم يزل على حاله الى أن خاب الأمل في ابن مفلح، وانقطع الرجاء فيه من المفسد والمصلح، وكانت له جنازة حافلة، وساعة بالتعجب كافلة، وتوفي رحمه الله تعالى يوم الخميس ثاني شهر رجب الفرد سنة ثلاث وستين وسبع مئة.
ومولده تقريباً بعد عشر وسبع مئة.

محمد بن مكرَّم
بتشديد الراء، ابن علي بن أحمد الأنصاري الرويفعي الأفريقي، ثم المصري، القاضي الفاضل جمال الدين أبو الفضل، من ولَدِ رُويفع بن ثابت الصحابي رضي الله عنه.


صفحه 270

سمع من يوسف بن المخيلي، وعبد الرحيم بن الطفيل، ومرتضى بن حاتم، وابن المقيّر، وطائفة. وتفرد وعُمّر وكبر وأكثروا عنه، وكان فاضلاً وعنده تشيّع بلا رفض. خدم في ديوان الإنشاء بالقاهرة، وأتى في عمله بما يخجل النجوم الزاهرة، وله شعر غاص على معانيه وأبهج به نفسَ من يعانيه. وكان قادراً على الكتابة لا يمل من مواصلتها، ولا يولّي عن مناصلتها. لا أعرف في الأدب وغيره كتاباً مطولاً إلا وقد اختصره، وزوّق عنقوده، واعتصره، تفرد بهذه الخاصة البديعة، وكانت همته بذلك في بُرْد الزمان وشيعه.
ولم يزل على حاله الى أن خبا من عمره مصباحه ونُسخ بدجا الموت من الحياة صباحه.
وتوفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
ومولده في أول سنة ثلاثين وست مئة.
وكان قد ولي نظر طرابلس، وهو والد القاضي قطب الدين بن المكرم، وقد تقدم ذكره.
وكتب عنه شيخنا الذهبي.
وأخبرني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال: ولد المذكور يوم الإثنين


صفحه 271

الثاني والعشرين من المحرم من السنة المذكورة، وهو كاتب الإنشاء الشريف، واختصر كتباً، وكان كثير النسخ، ذا خط حسن، وله أدب ونظم ونثر، قال: وأنشدني لنفسه سادس ذي الحجة سنة إحدى وثمانين وست مئة:
ضع كتابي إذا أتاك الى الأر ... ض وقلّبه في يديك لماما
فعلى ختمه وفي جانبيه ... قُبلٌ قد وضعتهن تؤاما
كان قصدي بها مباشرة الأر ... ض وكفيك بالتثامي إذا ما
قال: وأنشدني المذكور لأبيه:
الناس قد أثموا فينا بظنهم ... وصدّقوا بالذي أدري وتدرينا
ماذا يضرّك في تصديق قولهم ... بأن نحقّق ما فينا يظنونا
حملي وحملك ذنباً واحداً ثقةً ... بالعفو أجملُ من إثم الورى فينا
وبه الى المكرم:
توهّم فينا الناس أمراً وصمّمت ... على ذاك منهم أنفسٌ وقلوبُ
وظنوا وبعضُ الظن إثم وكلهم ... لأقواله فينا عليه رقيب
تعالي نحقق ظنهم لنريحهم ... من الإثم فينا مرة ونتوب
قلت: هذا معنى مطروق للقدماء. ومنه قول الأول:


صفحه 272

قم بنا تفديك نفسي ... نجعل الشك يقينا
فإلى كم يا حبيب ... يأثم القائل فينا
وأخذ هذا من قول القائل:
ما أنس لا أنس قولها بمنى ... ويحَك إن الوشاةَ قد علموا
ونمّ واش بنا فقلت لها ... هل لك يا هند في الذي زعموا
قالت لماذا تُرى فقلت لها ... كي لا تضيع الظنون والتهمُ
وقلت: أنا كأني قد حضرتهما وسمعت خطابهما:
هذا محب وما يخلّصه ... في دينه أن وشاتُه أثموا
فواصليه واصغي لمغلطةٍ ... يقبلها من طباعُهُ الكرمُ
يا ويح وصلٍ أتى بمغلطة ... إن كنت لم ترع عندك الذممُ
ولكن المكرّم في معناه زيادة على من تقدمه، وقوله: ثقة بالعفو من أحسن متممات البلاغة.
وأنشدني شيخنا أثير الدين قال: أنشدنا فتح الدين أبو عبد الله البكري، قال: أنشدنا ابن المكرم لنفسه:
بالله إن جُزت بوادي الأراك ... وقبّلَتْ عيدانُه الخضرُ فاك
ابعث الى المملوك من بعضها ... فإنني والله ما لي سواك


صفحه 273

وأنشدت له:
وفاتر الطرف ممشوق القوام له ... فعل الأسنة والهندية القضبِ
في حُسنه الفرد أوصاف مركبة ... الخَلقُ للترك والأخلاق للعرب
قلت: ما أعرف في كتب الأدب شيئاً من المطوّلات إلا وقد اختصره جمال الدين بن المكرم رحمه الله تعالى، فمما اختصره: كتاب الأغاني ورتبه على حروف المعجم، وكتاب الحيوان للجاحظ فيما أظن، واليتيمة للثعالبي، والذخيرة لابن بسام، ونشوان المحاضرة، ومفردات ابن البيطار، واختصر تاريخ ابن عساكر، وتاريخ الخطيب، وذيل ابن النجار عليه، واختصر كتاب التيفاشي وسماه سرور النفس في عشرة كبار، وجمع بين كتاب صحاح الجوهري والمحكم لابن سيده وكتاب الأزهري، فجاء في سبعة وعشرين مجلداً وسماه لسان العرب، وأراني ولده قطب الدين أول النسخة، وقد قرظه من أهل ذلك العصر جماعة يصفونه بالحسن، منهم الشيخ بهاء الدين بن النحاس، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، فيما أظن، وشيخنا العلامة شهاب الدين محمود، رحمهم الله أجمعين.
وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين تقريظاً لهذا الكتاب، ورأيته بخطه:
أجَلْتُ لحاظي في الرياض الدمايث ... ونزهت فكري في فنون المباحث
وشاهدت مجموعاً حوى العلم كله ... بأول مكتوب وثانٍ وثالث
فيا حسنه من جامع لفضائل ... جليل على نيل المعارف باعث
لحاز لسان العرب أجمع فاغْتدى ... نهاية مرتاد ومطلب باحث