فأنشدته أنا في ذلك لنفسي:
وأحدب رحت به مغرما ... إذ لم تشاهد مثله عيني
لا غرو أن هام فؤادي به ... وخصره ما بين رِدفَين
وأنشدني من لفظه في مليح أعمى:
ما ضرّ حُسن الذي أهواه أن سنا ... كريمتيه بلا شين قد احتجبا
قد كانتا زهرتي روض وقد ذوتا ... لكن حسنهما الفتّان ما ذهبا
كالسيف قد زال عند صقله فغدا ... أنكى وآلم في قلب الذي ضُربا
وأنشدته أنا لنفسي في ذلك:
ورب أعمى وجهه روضة ... تنزُّهي فيها كثير الديون
في خدّه ورد غنينا به ... عن نرجس ما فتّحته للعيون
وأنشدته أيضاً لنفسي في ذلك:
أيا حُسن أعمى لم يخف حدَّ طرفه ... محبٌ غدا سكران فيه وما صحا
إذا طار خد بات يرعى خدوده ... غدا آمناً من مقلتيه الجوارحا
وكتبت إليه استدعاء، وهو: المسؤول من إحسان سيدنا الإمام العلامة لسان العرب، ترجمان الأدب، جامع الفضائل، عمدة وسائل السائل، حجة المقلّدين، زين المقلدين، قطب
المولّين، أفضل الآخرين، وارث علوم الأولين، صاحب اليد الطولى في كل مكان ضيق، والتصانيف التي تأخذ بمجامع القلب، فكل ذي لب إليها شيّق، والمباحث التي أثارت الأدلة الراجحة من مكامن أماكنها، وقنصت أوابدها الجامحة من مواطئ مواطنها، كشّاف مُعضلات الأوائل، سبّاق غايات قصّر عن شأوها سحبان وائل، فارع هضبات البلاغة في اجتلاء اجتلابها وهي في مرقى مرقدها، سالب تيجان الفصاحة في اقتضاء اقتضابها من فَرْق فرقدها، حتى أبرز كلامه جنانَ فضل جنانُ من بعده عن الدخول إليها جبان، وأتى ببراهين وجوهٍ حورُها " لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان " وأبدع خمائل نظم ونثر، لا تصل الى أفنان فنونها يد جان، أثير الدين أبي حيان محمد:
لا زال ميت العلم يحييه وهل ... عجب لذلك من أبي حيّان
حتى ينال بنو العلوم مرامهم ... ويُحلّهم دار المُنى بأمان
إجازة كاتب هذه الأحراف ما رواه - فسح الله في مدّته - من المسانيد والمصنفات والسنن والمجاميع الحديثية والتصانيف الأدبية، نظماً ونثراً الى غير ذلك من أصناف العلوم على اختلاف أوضاعها، وتباين أجناسها وأنواعها، مما تلقّاه ببلاد الأندلس وإفريقية والإسكندرية والديار المصرية والبلاد الحجازية وغيرها من البلدان، بقراءة أو سماع أو مناولة أو إجازة خاصة أو عامة، كيف ما تأدّى إليه، وإجازة ما له أدام الله إفادته من التصانيف في تفسير القرآن العظيم والعلوم الحديثية والأدبية وغيرها، وما له من نظم ونثر، إجازة خاصة، وأن يثبت بخطّه تصانيفه الى حين هذا التاريخ، وأن
يجيزه إجازة عامة لما يتجدد له من بعد ذلك على رأي مَن يراه ويجوّزه، منعماً متفضلاً إن شاء الله تعالى.
فكتب الجواب هو - رحمه الله تعالى: أعزّك الله ظننت بالإنسان جميلاً فغاليت، وأبديت من الإحسان جزيلاً وما باليت، وصفت من هو القتام يظنه الناظر سماء، والسراب يحسبه الظمآن ماء، يا بن الكرام وأنت أبصر من يشيم، أمع الروض النضير يُرعى الهشيم، أما أغنتم فواضلك وفضائلك، ومعارفك وعوارفك، عن نغبة من دأماء، وتربة من يهماء، لقد تبلّجت المهارق من نور صفحاتك، وتأرّجت الأكوان من أريج نفحاتك، ولأنت أعرف بمن يُقصد للدراية، وأنقد بمن يعتمد عليه في الرواية، لكنك أردت أن تكسو من مطارفك، وتتفضل من تالدك وطارفك، وتجلو الخامل في منصة النباهة، وتنقذه من لَكْن الفهاهة، فتشيد له ذكرا، وتُعلي له قدرا، ولم يمكنه إلا إسعافك فيما طلبت، وإجابتك فيما إليه ندبت، فإن المالك لا يُعصى، والمتفضل المحسن لا يقصى.
وقد أجزت لك - أيّدك الله - جميع ما رويته عن أشياخي بجزيرة الأندلس وبلاد إفريقية وديار مصر والحجاز وغير ذلك بقراءة أو سماع ومناولة وإجازة بمشافهة
وكتابة ووجادة، وجميع ما أجيز لي أن أرويه بالشام والعراق وغير ذلك، وجميع ما صنّفته واختصرته وجمعته وأنشأته نثراً ونظماً، وجميع ما سألت في هذا الاستدعاء.
فمن مروياتي: الكتاب العزيز، قرأته بقراءات السبعة على جماعة، من أعلاهم الشيخ المسند المعمر فخر الدين أبو الطاهر إسماعيل بن هبة الله بن علي بن هبة الله المصري ابن المليجي آخر من روى القرآن بالتلاوة عن أبي الجود. والكتبُ الستة، والموطّأ ومسند عبد ومسند الدارمي ومسند الشافعي ومسند الطيالسي والمعجم الكبير للطبراني، والمعجم الصغير له، وسُنن الدارقطني وغير ذلك.
وأما الأجزاء فكثير جداً.
ومن كتب النحو والآداب، فأروي بالقراءة كتاب سيبويه والإيضاح والتكملة والمفصّل وجُمل الزجاجي وغير ذلك. والأشعار الستة والحماسة وديوان حبيب وديوان المتنبي وديوان المعري.
وأما شيوخي الذين رويت عنهم بالسماع أو القراءة، فهم كثير، وأذكر الآن منهم جملة، فمنهم: القاضي أبو علي الحسن بن عبد العزيز بن أبي الأحوص القرشي، والمقرئ أبو جعفر أحمد بن سعد بن أحمد بن بشير الأنصاري، وإسحاق بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الملك بن درباس، وأبو بكر بن عباس بن يحيى بن غريب البغدادي القوّاس، وصفي الدين الحسين بن أبي المنصور بن ظافر الخزرجي، وأبو الحسين محمد بن يحيى بن عبد الرحمن بن ربيع الأشعري، ووجيه الدين محمد بن عبد الرحمن بن أحمد الأزدي بن الدهان، وقطب الدين محمد بن أحمد بن علي بن
محمد بن القسطلاني، ورضيّ الدين محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي اللغوي، ونجيب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن المؤيد الهمداني. ومحمد بن مكي بن أبي القاسم بن حامد الأصبهاني الصفار، ومحمد بن عمر بن محمد بن علي السعدي الضرير ابن الفارض، وزين الدين أبو بكر محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن الأنماطي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم بن حازم المازني، ومحمد بن الحسين بن الحسن بن إبراهيم الداري بن الخليلي، ومحمد بن عبد المنعم بن محمد بن يوسف الأنصاري بن الخيمي، ومحمد بن عبد الله بن عمر العنسي عُرف بابن النن، وعبد الله بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد العزيز الطائي القرطبي، وعبد الله بن نصر الله بن أحمد بن رسلان بن فتيان بن كامل الخرّمي، وعبد الله بن أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن فارس التميمي، وعبد الرحيم بن يوسف بن يحيى بن يوسف بن خطيب المزة، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن عبد العلي المصري السكري، وعبد العزيز بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن الصيقل الحراني، وعبد العزيز بن عبد القادر بن إسماعيل الفيالي الصالحي الكتاني، وعبد المعطي بن عبد الكريم بن أبي المكارم بن منجا الخزرجي، وعلي بن صالح بن أبي علي بن يحيى بن إسماعيل الحسيني البهنسي المجاور، وغازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب الحلاوي، والفضل بن علي بن نصر بن عبد الله بن الحسين بن رواحة الخزرجي، ويوسف بن إسحاق بن أبي بكر الطبري المكي، واليسر بن عبد الله بن محمد بن خلف بن اليسر القشيري، ومؤنسة بنت الملك العادل أبي بكر بن أيوب بن شاذي، وشامية بنت الحافظ أبي علي الحسن بن محمد بن محمد التيمية، وزينتب بنت عبد اللطيف بن يوسف بن محمد بن علي البغدادي.
وممن كتبت عنه من مشاهير الأدباء: أبو الحكم مالك بن عبد الرحمن بن علي بن
أبي الفرج المالقي، وأبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري القرطاجني، وأبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن يحيى بن عبد الله الهذلي التطيلي، وأبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن زنون المالقي، وأبو عبد الله محمد بن عمر بن جبير الجلياني العكّي المالقي، وأبو الحسين يحيى بن عبد العظيم بن يحيى الأنصاري الجزار، وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الرحمن بن تولو القرشي، وأبو حفص عمر بن محمد بن أبي علي الحسن المصري الوراق، وأبو الربيع سليمان بن علي بن عبد الله بن ياتينن الكومي التلمساني، وأبو العباس أحمد بن أبي الفتح نصر الله بن باتكين القاهري، وأبو عبد الله محمد بن سعيد بن حمّاد بن مُحسن الصنهاجي البوصيري، وأبو العباس أحمد بن عبد الملك بن عبد المنعم العزازي.
وممن أخذت عنه من النحاة: أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخُشني الأُبّذي، وأبو الحسن علي بن محمد بن علي بن يوسف الكتاني بن الضائع، وأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بن محمد بن الزبير الثقفي، وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف الفهري اللبلي، وأبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن نصر الله الحلبي بن النحاس.
وممن لقيته من الظاهرية: أبو العباس أحمد بن علي بن خالص الأنصاري الإشبيلي الزاهد، وأبو الفضل محمد بن محمد بن سعدون الفهري الشنتمري.
وجملة الذين سمعت منهم نحو من أربع مئة شخص وخمسين.
وأما الذين أجازوني فعالم كثير جداً من أهل غرناطة ومالقة وديار إفريقية وديار مصر والحجاز والعراق والشام.
وأما ما صنفته: فمن ذلك البحر المحيط في تفسير القرآن العظيم، إتحاف الأريب بما في القرآن من غريب، كتاب الإسفار الملخَّص من كتاب الصفّار شرحاً لكتاب سيبويه، كتاب التجريد لكتاب سيبويه، كتاب التذييل والتكميل في شرح التسهيل، كتاب التنخيل الملخّص من شرح التسهيل، كتاب التذكرة، كتاب المبدع في التصريف، كتاب الموفور، كتاب التقريب، كتاب التدريب، كتاب غاية الإحسان، كتاب النكت الحسان، كتاب الشذا في مسألة كذا، كتاب الفصل في أحكام الفصل، كتاب اللمحة، كتاب الشذرة، كتاب الارتضاء في الفرق بين الضاد والظاء، كتاب عقد اللآلي، كتاب نكت الأمالي، كتاب النافع في قراءة نافع، الأثير في قراءة ابن كثير، المورد الغمر في قراءة أبي عمرو، الروض الباسم في قراءة عاصم، المزن الهامر في قراءة ابن عامر، الرمزة في قراءة حمزة، تقريب النائي في قراءة الكسائي، غاية المطلوب في قراءة يعقوب، المطلوب في قراءة يعقوب، النيّر الجليّ في قراءة زيد بن علي، الوهّاج في اختصار المنهاج، الأنور الأجلى في اختصار المحلّى، الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية، كتاب الإعلام بأركان الإسلام، نثر الزهر ونظر الزُهر، قطر الحبي في جواب أسئلة الذهبي، فهرست مسموعاتي، نوافث السحر في دمائث الشِّعر، تحفة النّدُس في نحاة أندلس، الأبيات الوافية في علم القافية،
جزء في الحديث، مشيخة ابن أبي منصور، كتاب الإدراك للسان الأتراك، زهو المُلك في نحو الترك، نفحة المسك في سيرة الترك، كتاب الأفعال في لسان الترك، مُنطق الخرس في لسان الفرس.
ومما لم يكمل تصنيفه، كتاب مسلك الرشد في تجريد مسائل نهاية ابن رشد، كتاب منهج السالك في الكلام على ألفية ابن مالك، نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب رجز، مجاني الهصر في آداب وتواريخ لأهل العصر، خلاصة التبيان في علمي البديع والبيان رجز، نور الغبش في لسان الحبش، المخبور في لسان اليخمور.
قاله وكتبه أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان.
وأنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه لنفسه في صفات الحروف:
أنا هاوٍ لمستطيل أغنّ ... كلما اشتدّ صارت النفس رخوه
أهمس القول وهو يجهر سبّي ... وإذا ما انخفضت أظهر عُلوَه
فتح الوصل ثم أطبق هجرا ... بصفير والقلبُ قلقَلَ شجوه
لان دهراً ثم اغتدى ذا انحرافٍ ... وفشا السرّ مذ تكررت نحوه
وأنشدني أيضاً لنفسه:
يقول لي العذولُ ولم أُطعْهُ ... تسلّ فقد بدا للحب لحيَهْ
تخيّل أنها شانت حبيبي ... وعندي أنها زَيْن وحِليَه
وأنشدني لنفسه أيضاً:
شوقي لذاك المحيا الزاهر الزاهي ... شوقٌ شديدٌ وجسمي الواهن الواهي
أسهَرْت طرفي ودلّهت الفؤاد هوىً ... فالطرفُ والقلب مني الساهر الساهي