مات الأمير الذي كان الزمان إذا ... سطا لجأنا لظلٍ منه ممدودِ
ولّى وزال وقد أضحت مناقبه ... بين الأنام له تقضي بتخليدِ
كانت لياليه أعراساً لناظرها ... حُسناً وأيامه أيام تعييدِ
وكان للملك عطفٌ من عزائمه ... يختال في حلتي نصرٍ وتأييد
زها به الملك من مصرٍ الى حلب ... وهزّ عجباً به أعطاف أُملود
وشيّدت ركنَه منه سياسته ... وبات من ذاك في استيعاب تمهيد
تُغني بسالته يوم الكريهة عن ... لباس سابغةٍ من نسج داوود
تكادُ أسيافُه تقضي على مهج ال ... أعداء في حربها من غير تجريد
ويصبحُ الرمح في يُمنه ذا هيفٍ ... ووجنة السيف تمسي ذات توريد
يمحو ببيض أياديه الكريمة ما ... للدهر من ظلماتٍ في الورى سودِ
أضحت به غزةٌ في عزّة فتحت ... باباً لنيل المعالي غير مردود
كذا طرابلس إذا صار نائبها ... بادَت نوائبها عنها الى البيد
وجاور البحر فيها مثله وربا ... على عجائبه بالفضل والجود
خلائقٌ مثل روض زهره خضِلٌ ... ونسمةُ الصبح فيه ذات ترديد
وطاب ريّاً كما طابت أرومته ... أصلاً تفرّع عن آبائه الصيد
وما تواضع إلا زاد رفعته ... علوّ مجد بفرع النجم معقود
وزان أيامه من بعدما عطلت ... بجوهرٍ تزدهي منه بتنضيد
فالتاج في رأسها راقتْ جواهره ... والشّنْف في أذنها والطوق في الجيد
يا حاجباً كان عين الله تحرسه ... من عين عادٍ مع المعدوم معدود
أخليت أفق دمشقَ من سناك فطر ... ف النجم ما بين تصويت وتصعيد
تبكي الكواكب بدراً كان يؤنسها ... بنوره ثم أضحى تحت جُلمود
أبقى بنيهِ رواةَ الجود عنه لنا ... فنحن في سندٍ فيه ابن مسعود
لا زال تسقي ثراهُ سُحبُ مغفرةٍ ... تسري له في طريقٍ غير مسدودِ
ولما كان الأمير بدر الدين - رحمه الله تعالى - بطرابلس نائباً أهدى الى الأمير سيف الدين أرغون شاه، وهو نائب دمشق، شيئاً من القلقاس وقصب السكر والمحمّضات، فكتبتُ أنا الجواب إليه عن ذلك وهو: يقبّل الباسطة الشريفة العالية المولوية الأميرية الكبيرية البدرية، لا زالت أياديها تنقل الغوارب، وتبعث نفوس محبيها على التوسع في نيل المآرب، وتخصّهم من تُحفها بما يجمع لهم بين لذة المناظرة والمآكل والمشارب، وينهي بعد دعاءٍ تفسحت له بين النجوم المضارب، وولاءٍ أعلامه خفّاقةُ الذوائب بين المشارق والمغارب، ورود المشرف الكريم أعلاه الله تعالى قرينَ ما أنعم به مولانا أعزّ الله أنصاره من هدايا طرابلس المحروسة، وتفضل بما يتوق به الى معاهدها المأنوسة، فوقف المملوك منه على روض تدبّج، وكافور بعنبر الليل تسبّج. ورأى بحر فضله وهو بأمواج سطوره مدرّج، وبهت لرصف سطوره التي كأنها نبت عذار في هامش الخدّ مخرَّج، فلثم المملوك منه موقع الاسم
الكريم، وقبّل منه خدَّ كعابٍ وسالفة ريم، ووصل ما أنعم به من الهدية الكريمة، فمن قلقاس يقصّر ابن قلاقس عن نعته، ويعجز البحتري لو أنه قواف عن نحته، كل رأس منه يعود في طبخه كالمُخّ، وتمشي النفس إليه وهو في رقعة الخوان مشي الرخ، رؤوسه كرؤوس العدا المحزوزة غلّفتها الدماء والهضاب، وأصابعه كأصابع العذارى إذا انغمست في الخضاب، يتفرّى العنبر عن كافوره، وينصدع الديجور منه بصبح بدا في سفوره، وينزل في اللهاة ليناً ونعومة وانملاساً، ويزدرد الحلقوم لذاذة يخطفها من العيش اختلاساً، ويكاد من نضجه يقول لطاهيه وآكله إذا شبّها وقاسا:
وإن سألوك عن قلبي وما قاسى ... فقل قاسى، فقل قاسى
ومن قصب سكرٍ كل عود له دونة غصن البان، وصفرةٌ استعارها من العاشق إذا صدّ عنه الحبيبُ أو بان، وحلاوة ذوق لولاها لما شبّهه إلا بالمرّان، وما ئيةٍ كريق الحبيب الذي ردّ الردى وصدّ الصدى عن القلب الحرّان، فشكراً لجزرات الهند وما أهدت منه لأرض العجم والعرب، وعُجباً للونه وطعمه ووصفه فما يُدرى هل هو قصبُ ذهب، أو قصب ضرَب، أو قصب طرب، وبخٍ بخٍ لجُرعه التي تمر بالحلق والازدراد نائم لم يتنبّه، وزاهٍ زاه لحالاته المتناقضة فإن حزّه كحزّ رقاب العدا ومصّه كمص شفاه الأحبة، ومن أترجٍ أصفر وكبّاد أحمر، هذا لونه لون الوجل، وهذا له حمرة الخدّ الخجِل، هذا تحرّج متضرّج، وهذاك تهيّج وما تدبّج، لا تنهض بأوصافهما قوائم المسودات والمبيّضات، ولا يقربُ منهما الفواكه الحلوة لأنها تقول: ما لنا وللدخول
في هذه المحمّضات، فالله يشكر هذه الأيادي التي جادت له بالبستان والقصر، ومتّعته وهو في الشام بالمحاسن التي ادّكر بها أوقات مصر، بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
وكان الأمير بدر الدين - رحمه الله تعالى - قد جهّز إلي من طرابلس ثوب صوف أزرق مربّعاً في غاية الحسن قرين كتاب منه. فكتبتُ أنا الجواب إليه أشكر إحسانه وهو: يقبّل الأرض، وينهي ورود المرسوم الكريم أعلاه تعالى، فوقف المملوك له قائماً، وقبّل شفة عنوانه اللعساء لاثماً، وتوهم أن هذا طيف خيال من فرحه وأنه كان حالماً، ووضعه على رأسه وعينيه، وفضّه فقبّل الأرض وكرر ذلك، كأن مولانا - أعزه الله تعالى - حاضر والمملوك بين يديه، ورآه متوّجاً بالاسم الكريم فعلم أن طالعه مسعود، وفاح أرجه فقال: هذا إما لطخ عنبر أو مس عود، ونزّه ناظره في تلك الحديقة التي تجدولت بالسطور وتطوّلت ببياض طرسها وسواد نقشها فقصر عنها كافور النهار ومسكُ الديجور، وعلم أن كاتبها حرسه الله تعالى قد تأني فيها وتأنق، ودبّجها بأنواع المنثور فقابل المملوك ما فيها من الجبر والصدقة بدعاء يرفعه، والملائكة بين سُرادق العرش تضعه، والله الكريم لعلمه بإخلاصه يستجيبُ له لما يسمعه، فإن المملوك ما توهّم أن العبد يرعى له المولى حقوقه، ولا أن المملوك يجري بين أيديهم ذكر السوقة، ووصل ما تصدق به مولانا ملك الأمراء أعز الله أنصاره من الصوف الأزرق المربّع:
فيا فخري به لما أتاني ... ويا شرفي به بين الصفوفِ
فزُرقته تُحاكي لازَورداً ... على لون السّما والبحر توفي
ولم أرَ قبله ثوباً رفيعاً ... غدا دِرعاً أردّ به حُتوفي
يقول مساجل الأثواب فخراً ... لقد أعيا الحريري وصفُ صوفي
يا له من مربّع يودّ المملوك لو وصفه بألف مخمّس، وذي لون أزرق يحسُن أن يكون سماءً تتبرّج فيها " الجواري الكُنّس "، ما أحسن لونه الأزرق لأن البدر أهداه، وما أحكم نسجه فإن صانعه أتقن ما ألحمه فيه وسدّاه، وما أثقله من سحابه فإن الغمائم تخجل من أيادي من أسداه. كم نال المملوك به من مسرة بخلاف ما يزعمه المنجمون في التربيع، وكم استجلى من لونه الأزرق سوسناً فكأن الزمان به زمان الربيع، وتعجّب له من مربّع يُحكمه أهل التثليث ويطيبُ الثناء على صانعه وأصله خبيث، ونشره المملوك من طيّه فرآه بحراً وجندرته أمواجه، وقال: هذا خليج جاء من بحر لا ينحرف عن الجود معاده ومعاجُه، فكل أمره عجيب، وكل ما فيه غريب، حتى إنه في غاية اللين وإن كان يصنعه عُبّاد الصليب. وقد غفر المملوك به من ذنوب الدهر ما مضى وما بقي، وجعل تاريخ قدومه عيداً وما ينكر تاريخ المسعودي ولا الأرزقي، والله يوزع المملوك شكر هذه الصدقات التي عمّ سحابها وأغرق، وروى جودها عن نافع بن الأزرق، فقد نوّهت بقدره، ونوعت له أسباب جبره،
ويُديم الله أيام مولانا ملك الأمراء لمماليك أبوابه وغلمانه، ويغفر بإحسانها لهم ذنوب زمانهم، فإنهم من ظلّه الوارف في أمانه، بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى.
مسعود بن سعيد
ابن يحيى، سعد الدين المصري الجيزي المعروف بابن الحماميّة.
كان صوفياً أديباً، سمع من الحافظ العطار، وكان شيخاً حسناً، حسن المحاورة يكتب خطاً حسناً. وكان واسع الصدر، كثير الاحتمال، صحبَ بيدرا مملوك الأشرف، وكانت له صورة في أيامه، وكان مع ذلك متواضعاً، دخل عليه يوماً ولده، فأساء عليه الأدب وسبّه وشتمه شتماً قبيحاً، فلما فرغ قال له: ما نصطلح؟ وكتب له ورقة بأربعين درهماً.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة تسع عشرة وسبع مئة.
ومولده تخميناً سنة تسع وثلاثين وست مئة.
وكانت وفاته بالجيزة.
أنشدني من لفظه شيخنا أثير الدين، قال: أنشدني المذكور لنفسه:
علام أُلامُ في حلو الشمائل ... ويعذُبُ في الهوى عذلُ العواذِلْ
غزالٌ هِمتُ من غزلي عليه ... إذا وافى بجفنَيْهِ يُغازِل
له وجهُ الغزالةِ حين تبدو ... ضُحىً من فوق غصنِ البان مائل
نبيّ جمالِ حُسن كم أقامت ... له الألحاظُ فينا من دلائل
مسعود بن أبي الفضائل
علم الدين المعروف بابن حشيش الكاتب.
نقل طرائق خاله معين الدين هبة الله بن حشيش وزير المعظم بن الصالح أيوب وكاتبه. وكان قد رتّبه كاتب الوزارة بدمشق مدة، ثم اجتذبه الأشرف موسى صاحب حمص وحظي عنده، وله فيه أبيات:
والله لولا الأشرف السلطانُ عنترة الجيوش
ما كان ابن حشيش بين الناس إلا كالحشيش
ولما توفي الأشرف صاحب حمص استمر علم الدين مسعود كاتب درج النواب بمعلوم من ديوان السلطان، ثم نقل الى كتابة الدرج بدمشق.
أقام مدة ثم إنه توفي سنة ست وتسعين وست مئة بدمشق، وسيأتي ذكر ولده القاضي معين الدين هبة الله بن حشيش.
مسعود بن قراسنقر
الأمير سعد الدين بن الجاشنكير، أخو الأمير سيف الدين قطلوبك، وقد تقدم ذكره.
كان قد ولي الحجوبية بدمشق مدة، ثم إنه تولى القدس مدة.
ومات - رحمه الله تعالى - بدمشق ثاني شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبع مئة، ونقل بعد ست ليال الى القدس ودفن هناك في تربةٍ كان عمّرها له.
مسعود بن محمد بن محمد
الإمام الفاضل قوام الدين ابن الشيخ برهان الدين ابن الشيخ الإمام شرف الدين الكرماني الحنفي.
قدِم دمشق في شهر ربيع الأول سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة، ونزل الخاتونية بالقصّاعين، وحضر عنده الجماعة، ودخل الى تنكز، وتردد إليه الطلبة، وكان يعرف الفقه والأصول العربية، وكان عنده بحث ونظر وجدال، ولوالده وجدّه مصنّفات في العلوم.
الألقاب والأنساب
ابن المشهدي
محمد بن عمر.
ابن مصدّق
الحسين بن عليّ.
ابن مُصعب
نور الدين أحمد بن إبراهيم.
المطروحي
الأمير جمال الدين آقوش.
المطعّم
عيسى بن عبد الرحمن.
ابن المطهّر
الشيخ جمال الدين الحسين بن يوسف.