ما اخترتُ مقامي برُبا لبنانْ ... فرداً ومشرّداً عن الأوطانْ
إلا لأراك أو أرى من نظرتْ ... عيناه الى جمالك الفتّانْ
وكتب الشيخ علاء الدين علي بن غانم الى القاضي قطب الدين، رحمهما الله تعالى، وهو بالقاهرة سنة اثنتي عشرة وسبع مئة:
يا غائباً بينه وبيني ... من شقّة البعد لي حجابُ
هجرت حتى ولا سلام ... ولا كلامٌ ولا كتابُ
فكم بعثنا له كتاباً ... ما عاد عنها ولا جواب
عليه قد حقّ كلُ عتب ... وما عسى ينفع العتاب
فقد أحبائي عن يقين ... بغير شك هو العذاب
فكتب القاضي قطب الدين إليه الجواب:
أقسمت بالله أن شوقي ... بضيق عن حصره كتابُ
وأنني إذ نأيت عنكم ... دموعُ عيني لها انكباب
وأن كتبي وإن تراخت ... فإن ودي له إياب
وإن يكن حُقّ كل عتب ... يا حبذا ذلك العتاب
موسى بن أحمد بن محمد
ابن ابراهيم، الصدر، كمال الدين أبو الفتح ابن قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان.
قال شيخنا علم الدين البرزالي: سمعت منه ببعلبك أحاديث من جزء ابن
عرفة عن النجيب الحرّاني، وله إجازة من السّبط. وكان رجلاً عاقلاً عارفاً بالأمور. درّس بالمدرسة النجيبية في حياة والده، وبعده مدة، وولي نظر الدواوين الحكمية.
وتوفي رحمه الله تعالى يوم السبت سابع عشري شهر ربيع الأول سنة ثلاث وسبع مئة، ودفن بسفح قاسيون عند قبر والده.
ومولده بالقاهرة سنة إحدى وخمسين وست مئة.
قلت: وهذا كمال الدين موسى كان السبب في عزل والده، وبذنبه عُزل، قيل: إنه شكا يوماً عليه غريم ودفعه الى قاضي القضاة ابن الصائغ على مبلغ ست مئة درهم، فاستحيا القاضي ووزنها، فتوجه كمال الدين موسى الى والده وقال: اليوم تفضّل قاضي القضاة ووزن عني ست مئة درهم، فقال والده: والله لو وزن ستة آلاف دينار ما أنصفك، يعني والده أنك أنت السبب في عزل أبيك وولايته. وفيه يقول مجد الدين بن الظّهير:
وكيف يؤتى رشدَه حاكمٌ ... حكّم في لحيته موسى؟
موسى بن أحمد
الشيخ مجد الدين الأقصرائي، شيخ الشيوخ بسرياقوس.
كان شيخاً كريم النفس الى الغاية، له بالمكارم أتمّ عناية، يهبُ ما يملكه، ويأتي على ما في يده ويتركه، ريّض الأخلاق حتى كأنها مرّ النسيم، أو كأس رحيق مختوم مزاجها من تسنيم، كثير الاحتمال، غزير التضرع والابتهال، له أوراد يسردها من الذّكر عقيب الصلوات، وأحوال تتنزّل عليه في أوقات الخلوات، قلّ أن ترى العيون له نظيراً، أو تجد له شبهاً في الملوك وإن كان فقيراً:
يصبو إليه قلبُ من هو عند أرْ ... باب القلوب معشّقٌ مقبولُ
يهواه لا يُصغي لقول مفنّد ... أبداً ولا يثنيه عنه عَدول
كلٌ يهيم بحبه وكذاك مَن ... ملك الإرادة أمره المفعول
ولم يزل على حاله الى أن عرق جبينه، ونبا حسه وربا أنينه.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة أربعين وسبع مئة.
وكان له سماع من عبد الله الصّنهاجي، ومن أبي الحسن علي بن جابر اليمني.
وكان في الإسكندرية، ثم ولي مشيخة خانقاه الأمير سيف الدين بكتمر الساقي بالقرافة، ثم إن السلطان نقله الى الخانقاه التي له بسرياقوس.
وكان آيةً في الكرم، وعليه روحٌ وأنس زائد إذا دار في السماع، وله ذكر يورده
هو وجماعة الصوفية عقيب كل صلاة بحيث أنه يتصل الذكر عقيب المغرب بأذان العشاء الآخرة. وقلت له في ذلك، فقال: أنا اختصرت لأجل هذا الجمع، ولما كنت بالاسكندرية كان الورد أكثر من هذا.
وكان السلطان يعظّمه ويحمل إليه في كل شهر مبلغ سبعة آلاف درهم، للشيخ منها ألفان، والباقي للفقراء. وكان يفعل ذلك معهم في كل شهر، يطلع الى الخانقاه، ويقيم عندهم اليومين والثلاثة ويعود يجلس بين الفقراء ويقضي أشغال الناس، وكان الناس قد عرفوا ذلك منه، وكانوا يؤخرون أشغالهم الى أن يطلع الى خانقاه سرياقوس، وهذا الإنعام كان خارجاً عن أوقاف الخانقاه، لكنه قطع ذلك قبل موته بسنوات.
ولبستُ منه خرقة التصوف في سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، وقال: لبستُ الخرقة الصوفية من يد الشيخ العارف الكامل كمال الدين العجمي، وهو لبسها من يد الشيخ أبي منصور العراقلية وهو لبسها من يد الشيخ بدر الدين العراقلية، وهو لبسها من يد الشيخ أوحد الدين الكرماني وهو لبسها من يد الشيخ أبي الغنائم ركن الدين السجاسي، وهو لبسها من يد الشيخ قطب الدين الأبهري، وهو لبسها من يد الشيخ ضياء الدين أبي النجيب السهروردي، وهو لبسها من يد الشيخ أحمد الغزالي، وهو لبسها من يد الشيخ أبي الفرج الزنجاني، وهو لبسها من يد الشيخ أحمد الأسود، وهو لبسها من يد الشيخ أبي العباس النهاوندي، وهو لبسها من يد الشيخ أبي عبد الله بن خفيف، وهو لبسها من يد الشيخ أبي العباس النهاوندي، وهو سمع تلقين الذّكر من أبي القاسم الجُنيد البغدادي وصحبه، وهو لبسها من سريّ السقطي
وصحبه، وهو من معروف الكرخي وصحبه، وهو من داود الطائي وصحبه، وهو من حبيب العجمي وصحبه، وهو من الحسن البصري وصحبه، وهو من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وصحبه، وهو من سيد المرسلين والآخرين محمد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وطريق أخرى: لبسها الشيخ أحمد الغزالي من يد الشيخ أبي بكر الزجّاج النّيسابوري، وهو لبسها من يد الشيخ محمد النساج، وهو لبسها من الشيخ أبي بكر الشبلي، وهو لبسها من الجنيد البغدادي رضي الله عنهم.
موسى بن أبي بكر
الأمير بدر الدين ابن الأمير سيف الدين الأزكشي.
جهّزه الأمير جمال الدين الأفرم الى الرحبة نائباً، فأقام بها الى أن نزل عليها خربندا ومعه عساكر المغل وقراسنقر والأفرم وسليمان بن مهنا، ونصبوا عليها المجانيق فقاتل وصابر ورابط وحصّن القلعة وثبت، جزاه الله خيراً عن الإسلام الى أن رحل خربندا بمن معه من المغل، وقد تقدّم شيء من طرق ذلك في ترجمة ذلك وفي ترجمة جوبان رحمه الله تعالى، ثم إنه عُزل وحضر الى دمشق.
وبقي على إمرته الى أن توفي رحمه الله تعالى في شعبان سنة خمس عشرة وسبع مئة بداره في القبيبات، وحضر الأمير سيف الدين تنكز جنازته.
موسى بن أبي بكر
شرف الدين، ملك التكرور.
وصل الى الديار المصرية في أول شهر رجب سنة أربع وعشرين وسبع مئة بسبب الحج، وصحبه جمعٌ كثير، ونزل بالقرافة الكبرى، واستأذن في الصعود الى القلعة لتقبيل يد السلطان، فأذن له، فطلع في طائفة يسيرة، ولما وصل أمر بتقبيل الأرض فامتنع، فأُلزم، ففعل ذلك على كره، ولم يمكَّن من الجلوس. فلما خرج ووصل الى باب القلعة قُدّم له حصان أشهب بزنّاري أطلس أصفر، وبعد ذلك خلع عليه السلطان خلعةً سنية، وأمر له بمركوب، وسيّر هو الى السلطان أربعين ألف دينار، وصيّر الى نائب السلطنة نحو عشرة آلاف دينار، وهيأ له السلطان من الهُجن والنياق وآلات الحج أشياء كثيرة، وكذلك فعل به نائب السلطنة.
وكان شاباً مليح الشكل حسن الوجه، له رغبةٌ في العلماء، وهو فقيه مالكي المذهب، وقيل: إنه كان معه تقدير عشرة آلاف تكروري وجاء معهم ذهب كثير حتى نزل الذهب في تلك المدة درهمين، وحصل للناس بهم نفع كثير، وذكروا أن تحت يده أربعة عشر ملكاً، وسعة ملكه ثلاث سنين.
وحكي لي عنه الشيخ شمس الدين بن الأكفاني رحمه الله تعالى رئاسة كبيرة، ووصل إليه منه جملة كثيرة من الذهب، وقال: كانت تحية من يدخل إليه أن يضع
عمامته ويكشف رأسه، وهناك رماد مفروش فيأخذ من ذلك الرماد ويرشّه على رأسه.
موسى بن رافع
ابن مفرّج بن رافع بن عبد الواحد بن أحمد، الشيخ الصالح الحمصي.
كان من أهل الخير والصّلاح، ومن أهل القرآن والفهم والمعرفة.
سمع من ابن هامل، وحدّث عنه.
وتوفي في شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وسبع مئة.
ومولده سنة ثلاث وستين بحمص.
موسى بن عبد الرحمن بن سلامة
القاضي الرئيس بهاء الدين المدلجي المصري أحد كتّاب الإنشاء بالديار المصرية.
تولى خطابة المدينة النبوية في ذي الحجة سنة ست وعشرين وسبع مئة.
موسى بن علي بن موسى
ابن يوسف ابن الأمير محمد شرف الدين الزّرزاري.
أخبرني من لفظه شيخنا أثير الدين قال: هذا المذكور مولده بإربل في ثالث عشري جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين وست مئة.
وذكر لي أن أباه قاضي القضاة بإربل، وأن جدّه أيضاً كان قاضياً.
وهو رجل ساكن النفس حسن الصورة، عنده فضائل من فقه وأدب وغير ذلك. وذكر لي أنه سمع الحديث، وأنه قرأ على الكواشي التفسير الصغير، وسمع عليه كثيراً من التفسير الكبير وأنه سمع ببغداد من ابن الفويرة والقلانسي. وذكر لي أنه نظم الوجيز وأنشدنا منه أبياتاً.
وأنشدنا لنفسه من أبيات:
تواضع تكن كالنجم استبان لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيعُ
ولم يكُ كالدخان يرفع نفسه ... الى طبقات الجو، وهو وضيع
قال: وأنشدنا لنفسه، وقد تردّد الى بعض أهل الجاه بمصر مراراً:
لئن عاد موسى واقفاً باب هامان ... على كبره حتى انقضت منه عامان
فقد قام في أبواب فرعون قبله ... على كفره، في مصر موسى بن عمران
قلت: أظنه المعروف بالقطبي، ويلقّب ضياء الدين، كان يخطب بجامع الأمير كراي بالحُسينية، ومتصدّراً لإقراء السبع بالجامع الظاهري بالحسينية أيضاً، وكان من العلماء الصلحاء. واتفق الناس على الثناء عليه.
وتوفي رحمه الله تعالى وهو ساجد في الصلاة في حادي عشر شهر رجب سنة ثلاثين وسبع مئة، وكانت جنازته حافلة الى الغاية، ودفن بزاوية الشيخ ابن معضاد.
وحدّث عن ابن عزّون، والنجيب عبد اللطيف، ومن في طبقتهما. وأجاز لي في سنة ثمان وعشرين وسبع مئة بالقاهرة.