السلطان في المرقد وهو جالس ورجلاه الى ركبتيه في حجر السلطان وهو يكبّسهما بيده ويرش الماورد على وجهه، ويتولى تمريضه وطبّه وعلاجه وخدمته بنفسه. وكان ولد السلطان وهو إبراهيم أكبر من أبي بكر قد مرض بالجدري فمات إبراهيم ودفن ولم يره أبوه ولا عاده شُغلاً منه بتمريض يلبغا، فهذا نهاية في العز.
ومن جملة الذلّ الذي رآه أن تولى خنقه في قلعة قاقون مشاعليّان ودفن في أرض قاقون جسداً بلا رأس، اللهم خلّصنا من شرور هذه الدنيا الغرارة.
وقلت أنا فيه وقد التزمت الزاي المشددة:
دعِ الدّهرَ يُعلي من أراد الى السُهى ... ودافعه من وقتٍ لوقت وجَزِّهِ
فقد نال منه يلبغا فوق ما ابتغى ... وقصّته تُجلى على المتنزّه
وأُنزل من عند الثريا الى الثرى ... وأمسكه صرفُ الرّدى في محزّه
وألحفه العيشُ الغليظُ رداءَهُ ... على لطفِ معناه ورقّة بزّه
فلا سعدَ إلا ما رأيناه نالهُ ... ولا ذلَّ إلا ما رأى بعد عزّه
اليلداني
أبو محمد الصحراوي عبد الرحمن بن عبد المولى.
يلقطلو
بنت أبغا الخاتون.
كانت امرأة ديّنة صيّنة تقيّة نقيّة، محبّة للخير وأهله، وكانت عمّة غازان وخربندا، وكانت بين المغل جليلة القدر نبيهة الذكر، وافرة الحُرمة، مسموعة
الكلمة، ذات شهامة وفروسية، وكانت مزوّجة بعرب طي، ومنازلها لا تبعد من أطراف بلاد الإسلام، ولما مات زوجها المذكور ركبت بنفسها وقتلت قاتله وقطعت رأسه وعلّقته في قلادة فرسها، وبقي الرأس على هذا زماناً طويلاً حتى كُلّمت فيه فألقته، وقيل إنما ألقته بأمر اليرلغ، ولم تتزوج بعد عرب طي، وحرص الأفرم على زواجها وكتب إليها في ذلك وأخذ كتب السلطان وسلار إليها فيه، وبذل لها حمص وبلادها صداقاً عنه فنهرت رسله وردّتهم بالخيبة، وقالت: أنا أنصح أمة محمد - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أنصح فلان وفلان وفلان، فإن كانت مناصحاتي للمسلمين هي التي أطمعت الإفرم فيّ فما بقيتُ أناصحهم، وكيف تجاسر الأفرم عليّ، ومن هو الأفرم؟ وأنا أقل كوتلجي عند مثل الأفرم.
وقدمت هذه يلقطلو الى الشام وتوجهت الى الحج في سنة ثلاث وعشرين وسبع مئة.
قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: وكنت حاجّاً في تلك السنة فكنت أرى منها امرأة تعد برجال حزماً وعزماً وكرماً، وعليها سيماء الجلالة ووسامة الملك، وتصدقت بأموال كثيرة، قيل إنها تصدقت في الحرمين بثلاثين ألف دينار، وكانت تركب في الطريق محفة، وتركب الخيل، وتشدّ في وسطها التركاش ويُشال عليها الجتر، وكانت تضرب حلقات صيد وتتصيد طول الطريق. وكانت بحر كرم وغاية إحسان، ولما قدمت دمشق خرج الأمير سيف الدين تنكز للقيّها ولاطفها حتى دخلت دمشق بغير جتر على رأسها.
اليمني
الشيخ تاج الدين عبد الباقي، اسمه محمد بن أحمد.
ابن يمن
قاضي القضاة الحنفي.
ينجي
الأمير سيف الدين السلاح دار.
كان من جملة الأمراء بدمشق، ولما جاء الفخري وملك دمشق كان هو فيها مقيماً في شدّ الدواوين، وكان يصدّ الفخري وغيره عن أشياء كثيرة من طلب الناس.
ومرض مدة بعد ذلك وتوفي - رحمه الله تعالى - في أوائل سنة ثلاث وأربعين وسبع مئة.
ينغجار
الأمير سيف الدين الناصري أخو الأمير سيف الدين آرغون الدوادار الناصري.
كان سكنه على بركة الفيل في حكر الخازن، وأُخرج الى الشام سنة ثلاثين وسبع مئة فيما أظن، وأقام بدمشق مدة، وولي نيابة قلعة دمشق مدة، وولي الرحبة، وولي نيابة بعلبك مديدة في أيام الأمير سيف الدين يلبغا.
وتوفي - رحمه الله تعالى - بدمشق في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مئة.
يوسف بن إبراهيم بن جملة
الشيخ الإمام العالم الفقيه قاضي القضاة بالشام، الحوراني المحجّي الشافعي الأشعري.
كان قد تفقّه مدة لابن حنبل رضي الله عنه، ثم إنه انتقل الى مذهب الشافعي، وتميّز وناظر الأقران، وأخذ عن الشيخ صدر الدين بن الوكيل، وعن قاضي القضاة شمس الدين بن النقيب، وعن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني. وصار من الأعيان، ونظر القمر الى جماله وهو خزيان، وجالد فرسان البحث وجادلهم، وفضّ على الطلبة ما عنده في خزانة علمه وجاد لهم.
ولما باشر قضاء الشام وتولى بحكمه الأوامر والأحكام، باشر ذلك بصلف وأمانة، وعفاف لم تتطرق إليها جناية ولا خيانة، وكان ذا مهابة وسطوة على المريب، وشدة وطأة على القريب والغريب:
قاضٍ إذا التبس الأمران عنّ له ... رأيٌ يفرّق بين الماء واللبنِ
القائل الصدق فيه ما يضَرّ به ... والواحد الحالتين السرّ والعلن
الفاصل الحكم عيَّ الأولون به ... ومُظهر الحقّ للساهي وللذّهن
وكان فيه ديانة وحسن عقيدة، وله محاسن كل منها بيت القصيدة.
وكان في أيام نيابته لقاضي القضاة جلال الدين بدمشق قد قام على الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الزيارة، وسدّد سهمه إليه وأطلق زياره، وانتصب لهذا الأمر، وأوطأ قدميه على الجمر، ولم يُصلّ على جنازته، وتبرأ من حيازته.
ولم يزل على حاله الى أن وقعت له تلك الواقعة التي كان فيها غرضاً للسهام الرواشق، ووقته في وقتها كل غاسق، ودخل الى دار السعادة وهو قاضي القضاة وخرج منها وهو فاسق، واعتُقل في القلعة مدة، وحلّت به في هذه الواقعة كل شدة، ثم إنه أفرج عنه بعد مدة، وأعطي تدريس المسروريّة بعد أن كاد يموت غمّاً، كما جرى لسيبويه في المسألة الزنبورية.
ولم يزل بعد ذلك على حاله الى أن غاض ماء حياته، وفاض دمع باكياته.
وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة ثمان وثلاثين وسبع مئة، ودفن بوادي العظام عند أهله.
ومولده سنة ستّ وثمانين وست مئة.
وكان قد درّس بالدولعيّة، وخرّج له شيخنا علم الدين البرزالي عن الفخر علي وجماعة.
ولما توفي قاضي القضاة علم الدين الأخنائي ولي هو بعده قضاء القضاة بدمشق، وذلك في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، لأن الأمير سيف الدين تنكز كتب في أمره للسلطان بعناية ناصر الدين الدوادار، وباشر القضاء على أحسن ما يكون من الصّلف والعفة. وكان فصيحاً بليغاً شديد العارضة في البحث.
ثم إن حمزة التركماني أحرف الأمير سيف الدين تنكز عنه وأغراه، ولم يزل به الى عقره وقال عنه إنه رشا ناصر الدين الدوادار بالذهب على القضاء، وهذا أمر أنا وغيري
نستبعده من الجانبين. وكان تنكز قد فوّض إليه الأمر في الشيخ ظهير الدين لأنه لم يصح ما نقله عنه، فبالغ ابن جملة في تعزير الظهير واستقصى، والاستقصاء شؤم، فعُقد له مجلس في يوم الجمعة تاسع عشري شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، وقد بيّت القضية له حمزة، فدخل وهو قاضي القضاة في الشام، وخرج وهو فاسق قد حكم بعزله وسجنه في القلعة. وكانت واقعة غريبة في تلك الأيام لم يعهد الناس مثلها.
أنشدني إجازة لنفسه القاضي زين الدين عمر بن الوردي:
دمشق لا زال ربعُها خَضِراً ... بعدلها اليوم يُضربُ المثلُ
فضامنُ المكْسِ مطلقٌ فرحٌ ... فيها وقاضي القضاة معتقلُ
وقلت أنا في ذلك:
العفو يا ربّ من بلاءٍ ... قوى الورى ما تطيقُ حَمله
أمرٌ جرى في الوجود فرداً ... يا عجباً وهو لابن جَملَه
وأقام في الحبس خمسة عشر شهراً الى أن شفع فيه موسى بن مهنا، وتحدث الأمير سيف الدين تنكز مع قاضي القضاة شرف الدين المالكي في عاشر صفر سنة ست وثلاثين وسبع مئة في إخراجه من الاعتقال، فقال القاضي: يكتب خطه، ويُشهد عليه أن الحُكم الذي صدر منه في حقه صحيح، فلم يُجب الى ذلك، وتردّد الرسول إليه في ذلك غير مرة، ثم إنه أجاب الى أنه يمشي الى مجلس المالكي ويسلم عليه، فخرج من القلعة يوم الإثنين ثالث عشر صفر الى دار القاضي المالكي، ثم الى الجامع، ثم الى أهله بالمدرسة المسرورية.
وولي القضاة بعده القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله.
ولما خرج من الاعتقال أُعطي تدريس الدولعيّة، ثم تمرّض، وخلت المدرسة الشامسة البرانية، فدرّس بها أياماً بعد ذلك زين الدين بن المرحّل، وكانت وفاته بالمسرورية.
وكنت بالديار المصرية لما رسم السلطان الملك الناصر بولايته قاضي القضاة، فكتبت له تقليده بذلك ونسخته: الحمد لله الذي أعلى منار الشرع الشريف بجماله، وجلّى دُجاه بمن تحسدُه البدور في الأفق ليالي التمام على كماله، وشيّد ركنه بمن يقصر باع السيف في جلاده عند جداله، وحفظ قواعده بمن إذا أمسك قلم فتاويه تفيّأت الأحكام تحت ظلاله، وأحيا سنّته بمن تتضح به سنن حرامه وحلاله، ونشر لواء فضله بمن إذا ظمئ البحر المحيط فقُلْ دع ذا فإنك عاجز عن حاله.
نحمده على نعمه التي ادخرت لأيامنا الشريفة حَبراً عزّ بوجوده اجتماع المثلين، واقتطف ثمار العلوم فما داناه أحد في الفروع ولا وصل معه الى الأصلين، وطال بالعلم ثم بالحلم وزاد في تطوّلاته ولم يقتصر على الطولين، وأجمع الناس على استحقاقه، فلم تكن المسألة فيه ذات قولين.
ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ندّخرها ليوم القضاة والفصل، ونعلم أنها أصل الإيمان وما سواه فرعٌ والقياس ردُّ فرع الى أصل، ونعتمد على بركات فضلها في الأمر والنهي والقطع والوصل، وننال بإخلاصها على أعداء الدين عز العزم ونصر النّصل.
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله خير من قضى ومضى، وأعدل من مضى،
وسيف شرعه إذا استقبله مُشكل حكم فيه ومضى، وأشرف من ساس الناس بحلقة الرضى وحكمة المرتضى، وأعز من أغضى الشيطان لظهور ملّته على جمر الغضا.
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه خير من اتّبع شرعه في أحكامه، وخاف مقام ربّه فشكر الله له حسن مقامه، وقصر خطاه على ما أمهره ونهاه، فلم يكن له إقدام على حركة أقدامه، واستبرأ لدينه في قضاياه فما أخطأت سهامه مرامي مَرامه، صلاة تتألق بأنوارها البروق اللامعة، وتتعلق بأستارها الخلائق في الواقعة، ما قبّلت ثغورُ الأقلام خدودَ المهارق الساطعة، ورقّمت إبَرُ الغمام برودَ الحدائق اليانعة، وسلّم تسليماً كثيراً الى يوم الدين.
وبعد: فإن منصب الشرع الشريف لا شك في عموم نفعه، ولا مَرية في أن السوابق جرت لنصبه، والعوالي جُرّت لرفعه، ولا ريب في أن شمم كلِّ عرنين ينقاد صاغراً لوضعه، ما حكمنا في شيء حتى نعود الى أمره ونعوذ، ولا خرجنا في السياسة عن حكمه لا على سبيل السهو ولا بحكم الشذوذ، ولا برز أمره بحكمٍ إلا وقال: سيفنا المنصور له دائم النفوذ.
وكانت دمشق المحروسة كالشامة في وجنة الشام، وكالجوهرة التي أصبحت واسطة عقد الملك في الانتظام، هذا الى ما جاء في فضلها في السنّة، وثبت لنا في الخارج أنها أنموذج الجنة، قد شغر منصب حكمها الشافعي من قاضٍ يسوس الرعايا، ويجتهد في أحكامه حتى تدلّه الألمعية على المقاتل الخفايا، ويتوسم وجوه الخصوم وكلامهم فيكون ابن جلا وطلاع الثنايا، أمهلْنا آراءنا الشريفة هذه الفترة، واستخرنا الله تعالى فيمن