آفاقهم ، فأذا أسماؤهم ومآثرهم كالشهب الوهاجة .. تتلألأ في كبد السماء ما دامت الحياة.
وقليل .. وقيل الذين ترتسم أسماؤهم في كل أفق من تلكم الأفاق ، وتستنير مآثرهم مدى الحياة .. إلا أولئك الأفذاذ الذين ارتفعت بهم الطبيعة ، فكان لهم من نبوغهم النادر ، وشأنهم العظيم ما يجعلهم افذاذا في دنيا الفكر الأسلامي كلها ، ومنهم السيد المؤلف .. فقد شاءت المنحة الآلهية ، والأرادة العليا أن تبارك علمه ، ويراعه ، وبيانه ، فتخرج منهم للأجيال والشعوب نتاجا فكريا من أفضل النتاج ، وغذاء معنويا تتغلب به على التيارات السامة الوافدة عليها من خارج الوطن الأسلامي ، وما تحيكه أذناب الجهل والعمالة ، داخل الوطن من أنحراف مسير المسلمين وإتجاهاتهم البنائة الهادفة الى توحيد الكلمة ، وكلمة التوحيد ..
وقد لا أكون مبالغا ولا متعصبا ولا منحازا حين أطلق العنان للقلم فيسجل : أن السيد المؤلف يتقدم بما أنتجه وكتبه وصنفه الى الطليعة من علماء الشيعة ورجالاتها الذين كرسوا حياتهم طوال أعمارهم لخدمة الدين والمذهب والحق والواقع ، والأسلام الصحيح المتمثل في التشيع وبهذا أستحق أن يتصدر مجلس الخاصة في العالم الأسلامي الحاضر وحتى في عصوره المقبلة.
هذا وكان من المتوقع أن المشاكل الأجتماعية والمذهبية والسياسية المتراكمة من حوله ، والمهددة لحياته بالويل والثبور ، أن تصرفه عن النظر في حياته العلمية ، وتزحزحه عن عمله الفني .. وأقول الفني .. لأن البحوث والقضايا التي تطرقها كانت مبتكرة وخاصة به .. والواقع أن رجلا يمنى بما منى به ـ سيدنا ـ ينصرف عادة عما خلق له من علم وتأليف ، فان ما يحيط به من الصعاب ، يضيق بالنظر في أمر المكتبة والعود الى الكتابة ، لولا بركة وقته ، وسعة نفسه ، وقدرة ذهنه ، ورحابة صدره ، وتوكله وأتجاهه التام وتسليمه الى خالقه وبارئه ومصوره.
أن جهاده العلمي وأنهماكه الفكري لم تستسيغ له الحضور في الأندية
والمحافل والاجتماع بالشخصيات والرجال مع حرصهم البالغ في الأجتماع به والتحدث معه ، لأن القضايا هذه كانت في مفهومه لا تسمن ولا تغنى من جوع .. فابتعد من ملابسات الحياة العامة والتى كانت ولم تزل تزدحم على أبواب المراجع والمسؤولين ، فكان يضع لوقته وعمله حسابا ويستخرج منه نفعا ، ويقدر له قيمة وفائدة وينظر إليه نظرة أعتبار ، ليجمع بين العلم والعمل ، والنظرية والتطبيق ، والجوهر والعرض ، وأخيرا فرض بطولته على الأحداث والملابسات والمتطلبات التي كانت تولدها ظروف حياته الفردية.
وهذا إن دل على شئ فأنما يدل على أن ـ سيدنا ـ كان قد منح لكل لحظة من لحظات حياته حسابا خاصا ، ومسؤولية هامة يتسائل عنها ويحاسب عليها ، فبنى حياته على قول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول : والفرصة تمر مر السحاب فأنتهزوا فرص الخير ، ومنه أخذ إبن المقفع عبد الله فقال : أنتهز الفرصة في أحراز المآثر ، واغتنم الأمكان باصطناع الخير ولا تنتظر ما يعامل فتجازي عنه مثله ، فانك إن عوملت بمكروه واشتغلت ترصد أو أن المكافأة عنه قصر العمر بك عن اكتساب فائدة ، وافتناء منقبة ، وتصرمت أيامك بين تعد عليك وانتظار للظفر بادراك الثار من خصمك ، ولا عيشة في الحياة أكثر من ذلك[١].
هنا حدثنا التاريخ بخبر من أخبار ـ سيدنا ـ الوافرة على سبيل المثال ، فنقرأ : ان عثمان علي خان أحد ملوك حيدر آباد ومؤسسي الجامعة العثمانية عام ١٩١٩ م رغب في مقابلة المؤلف ومشاهدته من كثب ، وبالغ وألح في رغبته الشديدة ، مدة من الزمن ، حتى حظى بالموافقة والتشرف بالمقابلة ، فتوجه من عاصمة قطره نحو مقر السير في ـ لكنهو ـ فلما انتهى نظام حيدر آباد الى مقر السيد ، واقترب من داره أطل السيد من شرفة مكتبته ، وقال : السلام عليكم .. لقد كنت ترغب بمشاهدتي والنظر إلي فانظر .. وبعد لحظات دخل المؤلف مكتبته وأغلق النافذة وواصل مطالعته وكتابته .. وانصرف الملك
[١]شرح ابن الحديد ٤ : ٢٥٢.
من هناك ، وهو جد فخور برؤية السيد ، ومتبجح بها.
ثم أن أبناء المؤلف سألوه عن بواعث عدم الجلوس ، والتحدث مع الملك ، أجابهم : إنه رجل عمل ، ولا فراغ له ، وإنه مسؤول عن كل لحظة عمره.
فهو بهذا أستطاع أن يوفي حق علمه ، فيبلغ من المرتبة نصيبه وحظه الوافر الذي تحتاجه حياته العلمية ، وتفتقر إليه بيئته الدينيه ، وهو منذ ترك النجف الأشرف .. ومغادرة الجامعة الكبرى التى وضع لبنتها الأولى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام .. منذ أن ثوى في تلك التربة المقدسة .. على اتصال مستمر بالبحث ، ومثابرة متواصلة بالكتابة والتأليف والمناظرة ، يقضي طوال نهاره وشطرا من لياليه في مكتبته ، تاركا وراءه حياتا مرهقة لاغبة.
تآليفه :
قد لا يكون مقياسا أول على أنتاجه الفكري ، من مؤلفاته الثرية النبيلة الغزيرة ، وهي دلالة واضحة وشهادة ناطقة بأنه كان من صميم الحياة العلمية ، مؤلفاته من الناحية الكيفية لا الكمية ، فأن المعيار الكيفية لما فيها من الاستيعاب والدقة والعمق والأصالة ، وبعبارة أخرى فهي بما فيها من تفكير ونحت ومتانة وغور وتتبع وحيوية ، دال على أتصاله الواقع العميق بحياته العلمية من جهة ، وأدل على خصوبة سليقته ووفور فضله ، وغزارة بيانه من جهة أخرى.
وبهذا المعيار نتوصل الى علم الرجل وفضله ، وخصائص ماكتب وامتياز ما صنف ، وهو أمتيار قليل النظير لا يلاحظ في عامة التصانيف ، ولذلك كثيرا ما تظهر السطحية على مؤلفات المؤلفين الكثرين الذين لم يكتبو ولم يصنفو إلا لارتفاع وتزايد أعداد كتبهم ومؤلفاتهم ، وتصاعد أرقام تصانيفهم ، فتمتاز حينئذ بالسطحية والحشو.
وما أكثر أمثال هذه التآليف الضحلة ، المبتذلة السطحية ، والرخيصة السوقية التي لا تنبأ ولا تكشف إلا عن جهل كاتبها ، وهزل مؤلفها ، وأبتعاد
مصنفها عن العلم وشواطئ الفضيلة ، وجداول الحق ، وخمائل الواقع ، وبعده التام عن التاريخ والعلوم الاأسلامية ، وقد طبعت مطابع الكويت وايران في الآونة الأخيرة كتبا لم يجد فيها القارئ غير الدس الرخيص ، والشتم المقذع ، والتطاول الهزيل ، تحمل على صفحاتها نظريات لا عقائدية ، وآراء بشعة ، وأفكار مشوهة ، ومعتقدات فاسدة ، تهدف الأطاحة بصرح الحق والحقيقة ، وترمي الأنهدام بمفاهيم الأسلام الصحيح ، وأهدافه وشخصيته.
وهنا ينبغي القول بصراحة إن هذه الكتب والوديعات ، لا تمثل وجهة النظر الشيعي ، ولا تمت للشيعة بصلة ، وإن الشيعة براء منها براءة الذئب من دم يوسف.
إن المقاييس والمفاهيم العلمية ، والأدبية ، والاجتماعية أبيدت بصورة نهائية ، وفقدت بكاملها وأصبح كل جاهل ومتذبذب يطلق على نفسه كلمة ـ المؤلف ـ ويحمل اليراع ، ويسود الصحائف بمداد جهله ومخازيه ، من دون مراعاة لمفاهيم التأليف والفكر ، والحق ، والنقل ، والأمانة ، والبحث والتتبع ، والكرامة ، والأنسانية :
فوا عجبا كم يدعي الفضل ناقص
ووأسفا كم يظهر النقص فاضل
وقال السهى : للشمس أنت ضئيلة
وقال الدجى : يا صبح لونك حائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة
وفاخرت الشهب الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويانفس جدي إن دهرك هازل
أما مؤلفات المترجم له .. رضي الله عنه .. نجدها رفيعة عميقة ، أنيقة رقيقة ، عذبة سامية ، تجمع بين سمو الفكر ، وترف اللفظ والأسلوب ، وهو ما قلنا عنه في صدر بحثنا من كونه حريصا على المزاولة بين علمه وفنه ، وفضله وأبداعه ، فإذا ما قرأت بحثا علميا بحتا مهما كان موضوعه ، خلت أنك تقرأ بحثا أدبيا جامعا ، لقوة أسلوبه ومتانته ونصاعته ، يعجبك بيانه المستجمع لكل العناصر الأدبية ، مع لطف مواقعه من القلوب ، وسرعة تأثيره في النفوس.
وبعد أجتياز هذه المرحلة ، فمؤلفاته كثيرة أيضا من حيث الكمية ، وهذا إن دل علي شئ فإنما يدل على ملكة خصية أصيلة ، ومناعة حية قويمة ، تثبت لأبي محمد سعيد ..
عمالقة علم ، وبطولة فكر ، وجهابذة أدب.
وأليك ثبتا بتصانيف هذا العملاق حسب الحروف ..
مآثره الفكرية :
١ ـ إثبات رد الشمس :
لأمير المؤمنين (ع) ورفع ما أورد عليه من الشبهات ، ويعرف أيضا بأثبات حديث رد الشمس ، وحديث الشمس هذا أخرجه جمع من الحفاظ الأثبات بأسانيد جمة صحح جمع من مهرة الفن بعضها ، وحكم آخرون بحسن آخر ، وشدد جمع منهم النكير على من غمز فيه وضعفه ، ومنهم من أفرد فيه كتابا خاصا جمع فيه طرقه وأسانيده[١].
٢ ـ أسباغ النائل بتحقيق المسائل :.
فقه عملي من فتاوى المترجم له في كافة أبواب الفقه من الطهارة ـ الى ـ الحدود والديات ـ يقع في ثمانية اجزاء ، طبع بالهند[٢].
٣ ـ أفحام الأعداء والخصوم :
في نفي ما أفتروه على سيدتنا أم كلثوم ... في مجلدين وهو الكتاب الذي بين يديك وقد جلبت نسخته من مكتبة المؤلف رحمة الله وبركاته عليه .. بعد تصويرها من الهند وتعتبر من نفائس مخطوطات مكتبة المرجع الديني الأعلى فقيه المحققين .. ومحقق الفقهاء .. آية الله العظمى السيد شهاب الدين النجفي المرعشي .. بارك الله في عمره ، في مدينة قم ..
أما ما جاء في الذريعة ٢ : ٢٥٧ ، من إن كتاب أفحام الأعداء والخصوم ،
[١]الذريعة ١ / ٩٥. الغدير ٣ : ١٢٦.
مطبوع في لكهنو ـ الهند ـ فغير صحيح ولا أصل له.
ومن المؤسف إن العلامة السيد علي الحسيني الميلاني .. نسى أو تناسى ذكر هذا الكتاب في ترجمته للسيد المؤلف .. عند بيان مؤلفاته في مقدمة تعريبه لكتاب ـ عبقات الأنوار ـ حديث الثقلين ـ[١]وقد كان موفقا في تعريبه وكتابته المقدمة.
٤ ـ الأنشاءات الفارسية :
يحتوي على خطب ومقالات باللغة الفارسية[٢].
٥ ـ الخطب.
للجمعات والأعياد ، ويضم جلائل الخطب ، التي القاها من على المنبر بجامع لكهنو الذي يقال له : جامع الكوفة لأجل المشابهة ، وتقع في عدة مجلدات ، ويعرف أيضا بديوان الخط[٣].
٦ ـ ديوان شعر : جمع شعره وما جادت به قريحته الفياضة من شعر وخطب ، ويقع في مجلد واحد كبير موجود في مكتبته الخاصة[٤].
٧ ـ عبقات الأنوار : بعد وفاة الإمام الحافظ السيد حامد حسين في عام ١٣٠٦ بقي هذا المشروع الأسلامي الخصب ناقصا إذ لم يمهله الأجل لأكمال سائر الأحاديث ، أخذ المترجم له مسؤولية أكمال هذا المنهج متبعا أسلوب والده وخطته المألوفة فكتب :
أ ـ حديث الطير ، سندا ودلالة.
[١]طبع في مجلدين عام ١٣٩٨ مطبعة مهر ـ قم.
[٢]الذريعة ٢ : ٣٩٥.
[٣]الذريعة ٧ : ٢٨٦.
[٤]الذريعة ٩ / ٧٤٤٥.
ب ـ حديث أنا مدينة العلم وعلي بابها ، سندا ودلالة.
ج ـ حديث الثقلين ، ومعه حديث السفينة ، سندا ودلالة.
وقد طبعت المجلدات هذه للمرة الأولى في الهند[١]وفي إيران للمرة الثانية ، وكذا حديث الثقلين في ستة أجزاء مع فهارس وغيرها في أصفهان عام ١٣٨٠ ه ـ ١٣٧٩ ه بأعتناء الحجة المحقق السيد محمد علي روضاتي.
والجدير بالذكر ، إن السيد ناصر حسين قد جعل ما ألفه وأكمله من ـ العبقات ـ بأسم والده السيد حامد حسين تجليلا له ، وأكبارا لجهاده العلمي ، ولأنه رحمة الله عليه ، قد رسم الخطوط لجميع هذه الأحاديث الأثني عشر ، وفهرس رؤوس أقلامها وأمهات مطالبها ، وأشار على المصادر الموجودة لديه في أوائلها تسهيلا لأخراج ما يريد منها[٢].
٨ ـ ما ظهر لأمير المؤمنين (ع) من الفضائل يوم خيبر :
مجلد كبير مخطوط في مكتبته بلكهنو[٣].
٩ ـ مسند فاطمة بنت الحسين (ع) :
جمع فيه الأحاديث الواردة عن أبنة السبط الشهيد (ع) فاطمة ، وهو لم يزل مخطوطا في مكتبته الخاصة[٤].
١٠ ـ المواعظ :
يحتوي على أحاديث ونصائح[٥].
١١ ـ نفحات الأزهار في فضائل الأئمة الأطهار.
[١]فهرست كتابهاي بابي فارسي ٣ : ٣٤٩١.
[٢]عبقات الأنوار ـ حديث الثقلين ـ ١ : ٢٠ ـ المقدمة.
[٣]الذريعة ١٩ : ٢٢
[٤]الذريعة ٢١ : ٢٨.
[٥]الذريعة ٢٣ : ٢٢٥.
جاء إنه يقع في ١٦ مجلدا ضخما كلها من طرق العامة ، مع ذكر أسانيدها ومصادرها بصورة وافية مع ترجمة لرجال السند[٥].
١٢ ـ نفحات الأنس :
بحث قيم في وجوب قراءة السورة في الصلاة[٦].
وللمؤلف رضي الله تعالى عنه ..
غير هذه الروائع الخالدة بحوث ودراسات أخرى تحتفظها خزانة كتبه العامرة وكلها تعتبر من كنوز الفكر والعقل ، وتمتاز جميهعا بأمانة النقل ، وترابط الكلام ، وشدة الصقل ، وأشراقة البيان ، وصحة الأستنباط ، وسعة التتبع وشمول الأستقصاء ، ودقة الملاحظة ، وإيفاء البحث حقه من شتى جوانبه.
شاعريته :
على الرغم من مناعة المؤلف ، كرم الله وجهه .. في البيان ، وحيويته في البحث والتتبع وأحاطته الكاملة بالسنة النبوية ، ومعاجم السير ، والحديث ، والتاريخ ، والرجال ، فقد كان في بعض الأحايين يخوض عباب الشعر ويتغلب على أمواجه ، كأنه إبن الشعر ونسيجه وصنيعه ، مارس الشعر منذ نعومة أطفاره ، ودرس على مدارسه ، ولا عجب لأن في طبع الأنسان كما قيل ، نزوعا الى الترنم محاكاة للطيور في أوكارها فهو إن قطع مسافة أو جهد في عمل نزع الى التشاغل من متاعب جسده بشغل فمه ، والترنم يستدعي كلاما تسبح به العواطف وتستلذه الأذن ، فوجد الشعر بهذه الدواعي ، ولا حاجة للقول بأنه كان على غاية البساطة خاليا من ديباجته الحالية ، ومناسبا لسذاجة الأنسان الأولية ، ثم أخذ يتطور ويتهذب على حسب ترقي الأنسان وطوره ، حتى أنتهى الى الدرجة التي تشاهده عليها.
[٦]الذريعة ٢٤ : ٢٤٧.