وقال إبن سيرين[١]قال عمر بن الخطاب : والله لأعزلن خالدا عن الشام ، ومثنى بن سنان عن العراق حتى علما إن الله ينصر هذا الدين ، ولسنا ناصريه.
قال سيف : فكتب عمر الى أبي عبيدة : سلام عليك أما بعد ..
فإني عزلت خالدا عن جند الشام ووليتك أمرهم فقم به والسلام.
فوصل الكتاب الى أبي عبيدة فكتم الحال حياء من خالد ، وخوفا من اضطراب الأمور ولم يوقفه على الكتاب حتى فتحت دمشق ، وكان خالد على عادته في الأمرة ، وأبو عبيده يصلي خلفه[٢]أنتهى.
وقال سبط أبن الجوزي أيضا في مرآة الزمان ، في وقائع السنة الثالثة عشرة : وكتب عمر الى أبي عبيدة : أما بعد ..
فان أكذب خالد نفسه فهو أبين على من معه ، وإن لم يكذب نفسه فأنت الأمير على ما هو عليه ، ثم أنزع عمامته عن رأسه وقاسمه ما له نصفين.
وبلغ خالدا فقال : فعلها الاعيسر ، إبن حنتمة لا يزال كذا ، ودخل على أخته فاطمة بنت الوليد وكانت عند الحرث بن هشام فقال : ماترين في كذا وكذا فقالت : والله لا يحبك عمر أبدا ، وما يريد إلا أن تكذب نفسك ، فيعزلك ، فقبل رأسها ، وأرسل الى أبي عبيدة وقال : لاأكذب نفسي أبدا ، فقال : فقاسمني مالى ، فقاسمه حتى أخذ بغلا وأعطاه بغلا ، فتكلم الناس في عمر وقالوا : هذه والله العداوة.
ولم يعجب الصحابة ما فعل بخالد ، وقد روي إن خالدا أمتنع من ذلك
[١]أبو بكر محمد بن سيرين البصري المتوفى ١١٠. تهذيب الأسماء واللغات ١ : ٨٣. تاريخ الأسلام ٤ : ١٩٢. الأعلام ٧ : ٢٥. ومنات الجنات ٧ : ٢٤٩.
[٢]مرآة الزمان
فقام إليه بلال إبن حمامة المؤذن ليعقله بعمامته فقال له : أيها ما تريد؟ ونال منه ، ثم قال لبلال : إفعل ما تريد ، فيقال أنه عقله بعمامته ، إنتهى[١].
ومما يدل على خساسة نسب عمر وسوء حال أمه تعبير عمرو بن العاص عن عمر بقوله ابن حنتمة.
قال إبن الأثير الجزري ، في النهاية ، في لغة ـ بعج ـ : ومنه حديث عمرو بن العاص في صفة عمر إن أبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها ، أي كشفت لها كنوزها بالغنى والغنائم ، وحنتمة أمه[٢].
وقال أيضا في لغة ـ حنتم ـ ومنه حديث إبن العاص ، إن إبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها ، حنتمة أم عمر بن الخطاب وهى بنت هشام بن المغيرة ، ابنة عم أبي جهل[٣].
وقال إبن منضور الأفريقي[٤]في لسان العرب ، في لغة ـ بعج ـ : وفي حديث عمرو ووصف عمر رضي الله عنه ، فقال : إن أبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها ، هذا مثل ضربه أراد أنها كشفت له عما كان فيها من الكنوز والأموال والغنى ، وحنتمة أمه[٥].
وقال أيضا في لسان العرب : في لغة حنتمة ، وفي حديث إبن العاص ، إن إبن حنتمة بعجت له الدنيا معاها ، حنتمة أم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وهي بنت هشام بن المغيرة[٦].
[١]مرآة الزمان
[٢]النهاية ١ : ١٣٩.
[٣]النهاية ١ : ٤٤٨.
[٤]أبو الفضل محرم بن مكرم بن علي الأنصاري الأفريقي المصري المتوفى ٧١١. الدور الكامنة ٤ : ٢٦٢. حسن المحاضرة ١ : ٢١٩. روضاة الجنات ٨. ٨٦. مصفى المقال : ٤٢٥. الأعلام ٧ : ٣٢٩ ـ الشذرات ٦ : ٢٦.
[٥]لسان العرب ٢ : ٢١٤.
[٦]لسان العرب ١٢ : ١٦٢.
وقال محمد مرتضى الزبيدي ، في تاج العروس ، في لغة ـ بعج ـ وفي حديث عمرو وصف عمر رضي الله عنه فقال : ان ابن حنتمة بعجب له الدنيا معاها ، هذا مثل ضربه أراد إنها كشفت له عما كان فيها من الكنوز والأموال والغنى ، وحنتمة أمه[١].
وقال أيضا في تاج العروس : في لغة حنتم في ذكر حنتمة وهي أم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، ومنه حديث عمرو بن العاص ، ان ابن حنتمة بعجت له الدنيا معاها[٢]ولقد جرت بين عمر بن الخطاب ، وبين عمرو بن العاص منازعة عجيبة ظهرت فيها دنائة حسب عمر وأبيه بنحو عجيب ، وها نحن ننقل خبر هذه المنازعة برمته ليظهر منها هبوط درجة أمثال هؤلاء الأصحاب عن الأدب الشرعي والتهذيب الخلقي ، وإرتكابهم مالايجوز عقلا ولا شرعا.
قال شهاب الدين أحمد المعروف بأبن عبد ربه الأندلسي القرطبي المالكي[٣]في كتابه العقد الفريد : وكتب عمر بن الخطاب الى عمرو بن العاص ، وكان عامله على مصر ،
من عبد الله بن الخطاب الى عمرو بن العاص : سلام عليك ، فانه بلغني أنه فشت لك فاشية من خيل ، وإبل ، وغنم ، وبقر ، وعبيد وعهدي بك قبل ذلك أن لا مال لك ، فأكتب الي من أين أصل هذا المال ولا تكتمه[٤].
فكتب إليه عمرو بن العاص :
لعبدالله عمر أمير المؤمنين : سلام عليك ، والله أني لاأعرف الخطاب يحمل
[١]تارج العروس ٢ : ٩.
[٢]تاج العروس ٨ : ٢٦٤.
[٣]إبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه بن حبيب بن حدير بن سالم القرطبي المالكي المرواني المتوفي ٣٢٨. معجم الأدباء ٤ : ٢١١ ، جذوة المقتبس : ٩٤. نفح الطيب ٤ : ٢١٧. مرآة الجنان ٢ : ٢٩٥. أبو الفداء ٢ : ٩٢.
[٤]العقد الفريد ١ : ١٦. صبح الأعشى ٦ : ٣٨٦. جمهرة رسائل العرب ١ : ٢٠١.
فوق رأسه حزمة من الحطب ، وعلى اذنه مثلها ، وما منهما إلا في عزة لا تبلغ من سعيه ، والله ماكان العاص بن وائل يرضى أن يلبس الديباج مزورا بالذهب.
قال له محمد : اسكت ، والله عمر خير منك ، وأما أبوك وأبوه ففي النار ، والله لولا الزمان الذي سبقه فيه لا ألفيت معقل شاة يسرك غزوها ، ويسرك بكاؤها ، فقال عمرو : هي عندك بأمانة الله فلم يخبر بها عمر[١].
وهذه المنازعة العجيبة ، والمشاجرة الغريبة قد ذكرها إبن أبي الحديد المدائني ، في شرح نهج البلاغة أيضا وتلك ألفاظه.
وكتب عمر الى عمرو بن العاص وهو عامل في مصر :
أما بعد : فقد بلغني إنه قد ظهر لك مال من إبل وغنم وخدم وغلمان ، ولم يكن لك قبله مال ، ولا ذلك من رزقك ، فانى لك هذا ، ولقد كان لي من السابقين الأولين من هو خير منك ، ولكني أستعملتك لغنائك ، فإذا كان عملك لك وعلينا فبما نؤثرك على أنفسنا؟ فاكتب الي من أين مالك ، وعجل والسلام[٢].
فكتب إليه عمرو بن العاص :
قرأت كتاب أمير المؤمنين ولقد صدق ، فأما ما ذكره من مالي فاني قدمت بلدة الأسعار فيها رخيصة ، والغزو فيها كثير ، فجعلت فضول ما حصل لي من ذلك فيما ذكره أمير المؤمنين ، والله يا أمير المؤمنين لو كانت خيانتك لنا حلالا ماخناك أئتمنتنا ، فاقصر عنا عناك ، فان لنا أحسابا إذا رجعنا إليها اعنتنا عن العمل لك ، وأما من كان لك من السابقين الأولين فهلا أستعملتهم ، فوالله ما دققت لك بابا ـ.
[١]إبن أبي الحديد ١: ٥٧.
[٢]جمهرة رسائل العرب ١: ٢٠٤.
فكتب إليه عمر :
أما بعد : فأني لست من تسطيرك وتشقيقك الكلام في شئ ، إنكم معشر الأمراء ، أكلتم الأموال ، وأخلدتم الى الأعذار ، فانما تأكلون النار ، وتورثون العار ، وقد وجهت اليك محمد بن مسلمة ليشاطرك ما في يديك ، والسلام[١].
فلما قدم إليه محمد أتخذ له طعاما وقدمه إليه فأبى أن يأكل فقال : مالك لا تأكل طعامنا؟ قال : أنك عملت لي طعاما هو تقدمة للشر ، ولو كنت عملت لي طعام الضيف لأكلته فأبعد عني طعامك وأحضر لي مالك ، فلما كان الغد وأحضر ماله جعل محمد يأخذ شطرا ويعطي عمرو أشطرا ، فلما رأى عمرو ما حاز محمد من المال قال : يا محمد أقول ، قال : قل ما تشاء ، قال لعن الله يوما كنت فيه واليا لأبن الخطاب ، والله لقد رأيته ورأيت أباه وإن على كل واحد منهما عباءة قطوانية مؤتزرا بها ما تبلغ ما بغى ركبته وعلى عنق كل واحد منهما حزمة من حطب ، وأن العاص بن وائل لغة مزررات الديباج ، فقال محمد : أيها يا عمر ، فعمر والله خير منك ، وأما أبوك وأبوه ففي النار ، ووالله لولا ما دخلت فيه من الأسلام لألغيت معتلف شاة يسرك غزوها ويسوءك بكوها قال : صدقت فإكتم علي قال : أفعل[٢].
ومن الدلائل على كون عمر بن الخطاب ولد الزناء ، ومحمولا في الحيض ، وكون أم عمر أمة زانية حملت به في بقية أيام حيضها ماقاله عمرو بن العاص في حق نفسه تعريضا لعمر.
قال الزمخشري[٣]في كتابه المسمى ـ بالفائق ـ ما لفظه : عمر ، وقال لعمر
[١]إبن أبي الحديد ٣ : ١٠٤. جهرة رسائل العرب ١ : ٢٠٤.
[٢]المصدر السابق.
[٣]أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المعتزلي المتوفى ٥٣٨ الحافظ المضر المحديث الشاعر. معجم المؤلفين ١٢ : ١٨٦. روضات الجنات ٨ : ١١٨. ماضي النجف وحاضرها ١ : ١٠١. جولة في دور الكتب : ٧٣. معجم الأدباء ١٩ : ١٢٦.
رضي الله عنه : اني والله ما تأبطتني الاماء ، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي ، أي لم يحضنني البغايا جمع بغي ، فعول بمعنى فاعلة من البغاء ـ الغبرات ـ جمع غبر جمع غابر ، فهو البقية ـ المآلي ـ جمع مئلات ، وهي خرقة الحائظ هاهنا ، وخرقة النائحة في قوله : وانواحا عليهن المآلي ..
ويقال : ألت المرأة إيلاء ، إذ اتخذت مئلات ، ويقولون : المتألية ، المتآلية نفي عن نفسه الجمع بين سبتين أحداهما أن يكون لغية ، والثانية أن يكون محمولا في بقية حيضه.
وأضاف الغبرات الى المآلي لملابستها لها[١].
وقال إبن الأثير الجزري في النهاية : في لغة أبط ، ما لفظه ، ومنه حديث عمرو بن العاص إنه قال لعمر : أني والله ما تأبطتني الاماء ، أي لم يحضنني ويتولين تربيتي[٢].
وقال إبن الأثير في النهاية في لغة غبر وهذا لفظه : ومنه حديث عمرو بن العاص ، ولا حملتني البغايا في غبرات المآلي ، أراد أنه لم يتول الاماء تربيته ، والمآلي فرق الحيض ، أي في بقاياها[٣]إنتهى.
وهذه الذي ذكره إبن الأثير في معنى كلام إبن العاص لا يخلو عن تفريط وتضجيع ، وتقصير وتقليل ، والذي ذكره الزمخشري في بيان معنى كلام إبن العاص هو الصدق الصريح البين الذي لا يلط بالتسويف.
ولقد أعترف إبن الأثير بالحق الصريح في معنى كلام إبن العاص في كتابه هذا ، أعني نهاية في لغة مأل كما قال مال في حديث ، عمرو بن العاص ، أني والله ما تأبطتني الاماء ، ولا حملتني البغايا في غبرات المالي ، المآلي جمع مئلات بوزن سعلات ، وهي هاهنا فرقة الحائض وهي خرقة النائحة أيضا ، يقال : آلت المرأة أيلاء ، إذ أتخذت مئلات ، وميمها زائدة نفي عن نفسه الجمع بين السبتين أن يكون
[١]الفائق :
[٢]النهاية ١ : ١٥.
[٣]النهاية ٣ : ٣٣٨.
لزينة ، وأن يكون محولا في بقية حيضة ، أنتهى.
وأعلم إن هذه المكالمة الفضيحة التي جرت بين عمر بن الخطاب ، وعمرو بن العاص ، قد ذكرها إبن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة مع مزيد توضيح وتشريح يشتمل على ذكر صهاك وهذه الفاظه : قدم عمرو بن العاص على عمر وكان واليا لمصر فقال له : في كم سرت قال : في عشرين قال عمر : لقد سرت سير عاشق ، فقال عمرو : أني والله ما تأبطتني الاماء ولا حملتني في غبرات المآلي فقال عمر : والله ماهذا الجواب عن الكلام الذي سألتك عنه ، وأن الدجاجة لتفحص في الرماد ، فتضع لغير الفحل ، وأنما تنسب البيضة الى طرتها فقام عمرو مربد الوجه.
قلت : المآلي خرق سود يحملها النوائح ويشرف بها بأيديهن عند اللطم ، وأراد خرق الحيض هاهنا ، وشبهها بتلك ، وأنكر عمر فخره بالامهات وقال : إن الفخر للأب الذي إليه النسب.
وسألت النقيب أبا جعفر عن هذا الحديث في عمر فقال : أن عمرا فخر على عمر لأن أمه الخطاب زنجية تعرف بباطحلى تسمى صهاك فقلت له : وأم عمرو النابغة أمة من سبايا العرب فقال : أمه عربية من عترة سبت في بعض الغارات ، فليس يلحقها من النقص عندهم ما يلحق الاماء الزنجيات ، فقلت له : أكان عمرو يقدم على عمر بمثل هذا القول ، قال : قد يكون بلغه عنه قول قدح في نفسه فلم يحتمله له ، ونفث بما في صدره منه وإن لم يكون جوابا مطابقا للسؤال ، وقد كان عمر مع خشونته يحتمل نحو هذا فقد جبهه الزبير مرة وجعل يحكي كلامه يمططه وجبهه سعد بن أبي وقاص أيضا فأغضي عنه.
ومر يوما في السوق على ناقة له فوثب غلام من بني ضبة فأذا هو خلفه فالتفت إليه فقال : ممن أنت؟ قال : ضبي قال : جسور والله ، فقال الغلام على العدو ، فقال عمر وعلى الصديق أيضا ما حاجتك فقضى حاجته ، ثم قال : دع الآن لنا
ظهر راحلتنا[١].
ومن الدلائل الواضحة الباهرة على مهانة نسب عمرو ورذالة أمه الفاجرة العاهرة ما جرى بين عمر وأبن العباس رضوان الله له ، في أمر قطاع البحرين ، قال علي المتقي[٢]في كنز العمال ، في فضائل عمر من قسم فعال ما لفظه :
أنبأنا أبن عينية ، أخبرني عمرو بن دينار ، عن أبي جعفر ، أن العباس ابن عبد المطلب ، قال لعمر بن الخطاب : إن رسول الله (ص) أقطع لي البحرين فقال له عمر : من شهودك؟ قال : المغيرة بن شعبة قال : ومن معه؟ قال : ليس معه أحد قال عمر : فلا أذن فأبى عمر أن يأخذ باليمين مع الشاهد ، فقال له العباس : أعضك الله بنظر أمك فقال عمر لأبن عباس : يا عبد الله خذ بيد أبيك فأقمه عنا[٣].
ولقد حكى عمر بنفسه خساسة حسبه ودناءة نفسه بحيث يقضي منه العجب ، قال أبو إسحاق إبراهيم بن علي المعروف بالحصيري القيرواني المالكي[٤]في زهر الآداب وثمر الآداب : وروى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، حج فلما كان يضجنان قال : لا إله إلا الله العلي العظيم ، المعطي من شاء ، ما شاء ، كنت في هذا الوادي في مدرعة صوف أرعى إبل الخطاب وكان قطا يتبعني إذا عملت ، ويضربني إذا قصرت ، وقد أمسيت الليلة ليس بيني وبين الله أحد[٥].
[١]إبن أبي الحديد ٣ : ١٠٢.
[٢]علاء لدين علي بن حسام الدين بن عبد الملك الجونبوري الهندي المتوفى ٩٧٥. فقيه محدث واعظ مشارك في بعض العلوم له تصانيف. كشف الظنون : ٥٦١ ، ٥٩٧ ، ٦٧٥ ، ١٩٨٩. هدية العارضين ١ : ٧٤٦.
النور السافر. النور السافر : ٣١٤.
[٣]كنز العمال ٤ : ٤٢٦ ـ هامش المسند ـ
[٤]المتوفى ٤١٣.
[٥]زهر الاداب وثمر الاداب ١ : ٣٦.