الفصل الثالث عشر في ذكر ما يتعلّق بالسفر من الآداب
قال رسول اللَّه6: «سافروا تصحّوا، و جاهدوا تغنموا و حجّوا تستغنوا»[1].
و قال الصادق7: «إنّ في حكمة آل داود7أنّ على العاقل أن لا يكون ظاعنا إلّا في ثلاث: تزوّد لمعاد أو مرمّة لمعاش أو لذّة في غير محرّم»[2].
و إذا أردت الخروج إلى السفر فينبغي أن تختار من أيام الأسبوع يوم السبت فقد قال الصادق7: «من أراد سفرا فليسافر يوم السبت، فلو أنّ
[1]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 173، ح 764.
[2]-« الكافي» ج 5، ص 87، ح 1؛« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 173، ح 763.
حجرا زال عن جبل في يوم سبت لردّه اللَّه تعالى إلى مكانه»[1]، أو يوم الثلثاء فإنّه اليوم الذي الان اللَّه فيه الحديد لداود7[2]، أو يوم الخميس، فإنّ النبي6كان يسافر يوم الخميس[3]، فإنّه يوم يحبّه اللَّه و رسوله و ملائكته[4].
و لا تسافر و القمر في العقرب فمن فعل ذلك لم ير الحسنى[5].
و اتق الخروج إلى السفر اليوم الثالث من الشهر، و الرابع منه، و الحادي و العشرين منه، و الخامس و العشرين منه، لأنّها أيام منحوسة على ما ورد في الأخبار[6].
فإن احتجت إلى الخروج في شيء من هذه الأيام فاسأل اللَّه العافية فيه و تصدّق بشيء و اشتر به سلامة طريقك و اخرج. فقد قال الصادق7:
«افتتح سفرك بالصدقة و اخرج إذا بدا لك، و اقرأ آية الكرسي و احتجم إذا بدا لك»[7].
[1]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 173، ح 766.
[2]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 173، ح 766.
[3]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 173، ح 768.
[4]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 173، ح 769.
[5]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 174، ح 778.
[6]- لم أجد هذه الأخبار في المصادر المتقدمة على الكتاب، و إنّما رويت في« زوائد الفوائد»؛« مكارم الأخلاق»؛« الأمان»؛« وسائل الشيعة»؛« بحار الأنوار» و ... عن المصادر المتأخرة عنه، نعم رواها في« الدروع الواقية» ص 87، مسندا و غير مسند عن الشيخ الطوسي و لم أجدها في كتب الشيخ.
[7]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 175، ح 782.
فإذا عزمت على الخروج إلى الى السفر و حان وقت الرحيل فعليك أن تنظر في أمر نفسك و تقطع العلائق بينك و بين الناس و تفصل بينك و بين معامليك و تخلص رقبتك من جميع حقوق الآدميين، ثم تنظر في أمر مخلّفيك و من يجب عليك نفقته فتترك لهم ما يحتاجون إليه من النفقة على الاقتصاد مدّة سفرك، ثم توصي بوصية تذكر فيها ما شئت ممّا يقرّبك إلى اللَّه تعالى و تسلّمها إلى من تثق به من المؤمنين، و تستفتح سفرك بشيء من الصدقة قلّ أم كثر و تصلّي ركعتين تقرأ فيهما ما شئت من القرءان و تسأل اللَّه الخيرة لك في الخروج، و تقرأ: «آية الكرسي» و تحمد اللَّه و تثني عليه و تصلّي على النبي6و تقول: «اللّهمّ إنّي خرجت في هذا السّفر بلا ثقة منّي لغيرك و لا رجاء يأوي بي إلّا إليك و لا قوّة أتّكل عليها و لا حيلة ألجأ إليها إلّا طلب رضاك و ابتغاء رحمتك تعرّضا لرزقك و سكونا إلى عائدتك و أنت أعلم بما سبق لي في علمك في وجهي هذا ممّا أحبّ إلى عائدتك و أكره، اللّهمّ فاصرف عنّي مقادير كلّ بلاء و مقضيّ كلّ لاواء و ابسط عليّ كنفا من رحمتك و لطفا من عفوك و جماعا من معافاتك وفّق فيه يا ربّ جميع قضاءك على موافقة هواي و حقيقة أملي و ادفع عنّي ما أحذر و ما لا أحذر على نفسي ممّا أنت أعلم به منّي و اجعل ذلك خيرا لي لآخرتي و دنياي معا أسئلك أن تخلفني فيما خلّفت ورائي من أهلي و ولدي و مالي و جميع حزانتي فأنت أفضل ما تخلف به غائبا من المؤمنين في تحصين كلّ عورة و حفظ كلّ مضيعة و تمام كلّ نعمة و دفاع كلّ سيّئة و كفاية كلّ محذور و صرف كلّ مكروب و كمال ما تجمع به الرّضا و السّرور في الدّنيا و الآخرة ثمّ ارزقني ذكرك و شكرك و طاعتك و عبادتك حتّى ترضى و بعد الرّضا، اللّهمّ إنّي استودعك اليوم ديني و نفسي و مالي و أهلي و ذرّيّتي و جميع إخواني، اللّهمّ احفظ الشّاهد منّا و الغائب، اللّهمّ احفظنا و احفظ
علينا، اللّهمّ اجعلنا في جوارك و لا تسلبنا نعمتك و لا تغيّر ما بنا من نعمة و عافية و فضل»[1].
فإذا خرجت من منزلك فقف على باب دارك و اقرأ سورة الحمد أمامك و عن يمينك و عن شمالك، و آية الكرسي أمامك و عن يمينك و عن شمالك، و تصدّق بما تسهّل عليك، و قل: «اللّهمّ إنّي اشتريت بهذه الصّدقة سلامتي و سلامة سفري و ما معي»، ثمّ قل: «اللّهمّ احفظني و احفظ ما معي و سلّمني و سلّم ما معي و بلّغني و بلّغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل»[2].
ثمّ تقول: «لا اله الّا اللَّه الحليم الكريم، لا اله الّا اللَّه العليّ العظيم، سبحان اللَّه ربّ السّموات السّبع و ربّ الارضين السّبع و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم، و سلام على المرسلين و الحمد للَّه ربّ العالمين، و صلّى اللَّه على محمّد و آله الطّاهرين، الطّيبين. اللّهمّ كن لي جارا من كلّ جبّار عنيد و من كلّ شيطان مريد، بسم اللَّه دخلت، بسم اللَّه خرجت، اللّهمّ إنّي أقدّم بين يدي نسياني و عجلتي بسم اللَّه ما شاء اللَّه في سفري هذا ذكرته أم نسيته، اللّهمّ أنت المستعان على الأمور كلّها، و أنت الصّاحب في السّفر و الخليفة في الأهل، اللّهمّ هوّن علينا سفرنا، و اطو لنا الأرض و سيّرنا فيها بطاعتك و طاعة رسولك، اللّهمّ أصلح لنا ظهرنا و بارك لنا فيما رزقتنا و قنا عذاب النّار، اللّهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر و كآبة المنقلب و سوء المنظر في الأهل و المال و الولد، اللّهمّ أنت عضدي و ناصري[3]، اللّهمّ
[1]- ما ذكره المؤلف رحمه اللَّه تلفيق من أدعية متعددة، راجع:« الكافي» ج 4، ص 283 ح 2؛« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 177، ح 790- 793.
[2]-« الكافي» ج 2، ص 543، ح 11؛« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 177، ح 790.
[3]- في« الكافي»+: بك أحلّ و بك أسير، اللهمّ إنّي أسألك في سفري هذا السرور و العمل بما يرضيك عنّي.
اقطع عنّي بعده و مشقّته و اصحبني فيه و اخلفني في أهلي بخير و لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه العليّ العظيم»[1]-[2].
و إذا أردت الركوب فقل: «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم، بسم اللَّه و اللَّه أكبر»[3].
فإذا استويت عليه قلت: «الحمد للَّه الّذي هدانا للإسلام و منّ علينا بمحمّد6،سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَ إِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ[4]و الحمد للَّه ربّ العالمين، اللّهمّ أنت الحامل على الظّهر و المستعان على الأمر، اللّهمّ بلّغنا بلاغا يبلغ إلى خير، بلاغا يبلغ إلى رحمتك و رضوانك و مغفرتك، اللّهمّ لا طير إلّا طيرك، و لا خير إلا خيرك، و لا حافظ غيرك»[5].
و تأخذ معك عصا لوز مرّ فقد قال رسول اللَّه6: «من خرج إلى سفر و معه عصا لوز مرّ- و تلا هذه الآية:وَ لَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ- الى قوله تعالى:-وَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ[6]آمنه اللَّه من كلّ سبع ضارّ و من كلّ لصّ عاد و من كلّ ذات حمة، حتى يرجع الى منزله،
[1]- في« الكافي»+: اللهم إنّي عبدك و هذا حملانك، و الوجه وجهك و السفر إليك و قد اطلعت على ما لم يطلع عليه أحد، فاجعل سفري هذا كفّارة لما قبله من ذنوبي و كن عونا لي عليه و اكفني وعثه و مشقّته و لقّني من القول و العمل رضاك، فإنّما أنا عبدك و بك و لك.
[2]-« الكافي» ج 4، ص 284، ح 2.
[3]-« الكافي» ج 4، ص 284، ح 2.
[4]- سورة الزخرف، آيتا 13- 14.
[5]-« الكافي» ج 4، ص 285، ح 2؛« التهذيب» ج 5، ص 50، ح 154.
[6]- سورة القصص، الآيات 22- 28.
و كان معه سبعة و سبعون من المعقّبات يستغفرون له حتى يرجع و يضعها»[1].
و قال موسى بن جعفر8: «أنا ضامن لمن خرج يريد سفرا معتّما تحت حنكه ثلاثا أن لا يصيبه السرق و الغرق و الحرق»[2].
تقول في مسيرك: «اللّهمّ خلّ سبيلنا و أحسن تسييرنا و أحسن عاقبتنا»[3]-[4].
و تقول أيضا في طريقك: «خرجت بحول اللَّه و قوّته بغير حول منّي و قوّة لكن بحول اللَّه و قوّته، برئت إليك يا ربّ من الحول و القوّة، اللّهمّ إنّي أسئلك بركة سفري هذا، و بركة أهله، اللّهمّ إنّي أسئلك من فضلك الواسع رزقا حلالا طيّبا تسوقه إليّ و أنا خائض في عافية بقوّتك و قدرتك، اللّهمّ إنّي سرت في سفري هذا بلا ثقة منّي بغيرك و لا رجاء لسواك فارزقني في ذلك شكرك و عافيتك و وفّقني بطاعتك و عبادتك حتّى ترضى و بعد الرّضا»[5].
و ليكن مسيرك في آخر الليل و لا تسر في أوّله، فإنّ الأرض تطوى من آخر الليل[6].
و إذا كان مسيرك بالنهار فسر طرفي النهار و أنزل وسطه.
[1]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 176، ح 786.
[2]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 197، ح 898.
[3]- في« الكافي»: عافيتنا.
[4]-« الكافي» ج 4، ص 287، ح 1.
[5]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 312، باب سياق مناسك الحج، ح 1545.
[6]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 174، ح 772.
و كان رسول اللَّه6إذا هبط سبّح و إذا صعد كبّر[1].
و إذا بلغت جسرا فقل حين تضع قدمك عليه: «بسم اللَّه اللّهمّ ادحر عنّي الشّيطان الرّجيم»[2].
و إذا سافرت مع قوم فعليك بحسن مصاحبتهم و مرافقتهم و استعمال مكارم الأخلاق فيما بينهم، و أكثر استشارتهم في أمرك و أمورهم و أكثر التبسّم في وجوههم، و إذا دعوك فأجبهم، و إذا استعانوا بك فأعنهم، و استعمل طول الصمت و كثرة الصلاة و سخاء النفس بما معك من دابّة أو ماء أو زاد، و اسمع لمن هو أكبر منك سنّا، و إذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم، و إذا أمروك بأمر و سألوك شيئا فقل: نعم، و لا تقل: لا، فإنّ «لا» عيّ و لؤم. و إذا تحيّرتم في الطريق فأنزلوا، و إذا شككتم في القصد فقفوا و تؤامروا، و إذا رأيتم شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم و لا تسترشدوه، فإنّ الشخص الواحد في الفلاة مريب لعلّه يكون عين اللصوص، أو يكون هو الشيطان الذي حيّركم، و احذروا الشخصين أيضا إلّا أن تروا شيئا عرفتم الحقّ منه، فإنّ الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، و من خالطت فإنّ استطعت أن تكون يدك العليا عليه فافعل[3].
و قال النبي6: «أحبّ الصحابة إلى اللَّه عز و جل أربعة و ما زاد قوم على سبعة إلا كثر لغطهم»[4].
و قال الصادق7: «حقّ المسافر أن يقيم عليه إخوانه إذا
[1]-« الكافي» ج 4، ص 287، ح 2؛« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 179، ح 796.
[2]-« الكافي» ج 4، ص 287، ح 3.
[3]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 195، ح 884؛« المحاسن» ص 375.
[4]-« روضة الكافي» ص 251، ح 464؛« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 183، ح 820.
مرض ثلاثا»[1].
و لا تخرج في السفر وحدك فإنّ الشيطان مع الواحد، و هو من الاثنين أبعد[2].
و روي: «أنّ الرجل إذا سافر وحده فهو غاو و الاثنان غاويان و الثلاثة نفر»[3]، و لعن رسول اللَّه6ثلاثة: «آكل زاده وحده، و راكب الفلاة واحدة، و النائم في بيت وحده»[4].
و يسحب التنوق في اتخاذ السفرة في السفر[5]، و نظر موسى بن جعفر8إلى سفرة عليها حلق صفر فقال: «انزعوا هذه و اجعلوا مكانها تحديدا[6]فإنّه لا يقرب شيئا ممّا فيها شيء من الهوامّ»[7].
و اعلم أنّ المروّة مروّتان: مروّة في الحضر و مروّة في السفر، فأمّا التي في الحضر فتلاوة القرآن و لزوم المساجد و المشي مع الإخوان في الحوائج (و) النعمة ترى على الخادم فإنّها تسرّ الصديق و تكبت العدوّ، و أمّا التي في السفر
[1]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 183، ح 820.
[2]-« روضة الكافي» ص 251، ح 465؛« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 181، ح 808.
[3]-« روضة الكافي» ص 251، ح 465، و فيه: و روى بعضهم سفر، و كذا في« المحاسن» ص 356، ح 56.
[4]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 181، ح 810.
[5]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 184، ح 826.
[6]- في المصدر: حديدا.
[7]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 184، ح 827. و اعلم أنّ السفرة بالضم: طعام يصنع للمسافر و الجمع سفر كغرفة و غرف، و سمّي الجلدة التي يوضع فيها الطعام سفرة مجازا.
و التنوق: التأنق و الاعتناء، أي يستحبّ أن تجعلوا زادكم طيبا حسنا في السفر.