الفصل الرابع عشر في ذكر آداب يختم بها الكتاب
قال رسول اللَّه6في وصيته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب7: «يا علي ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلّا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، و المتأمّر على ربّ البيت، و طالب الخير من أعدائه، و طالب الفضل من اللئام، و الداخل بين اثنين في سرّ لم يدخلاه فيه، و المستخفّ للسلطان، و الجالس في مجلس ليس له بأهل، و المقبل بالحديث على من لا يبل[1]عليه»[2].
«يا عليّ لا تمزح فيذهب بهاءك و لا تكذب فيذهب نورك، و إياك و الخصلتين: الضجر و الكسل، فإنك إن ضجرت لم تصبر على حقّ و إن كسلت لم
[1]- في المصدر: لا يسمع عنه.
[2]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 256، ح 821.
تؤدّ حقّا»[1].
«يا عليّ سبعة من كنّ فيه فقد استكمل حقيقة الإيمان و أبواب الجنّة مفتحة له: من أسبغ وضوءه، و أحسن صلاته، و أدّى زكاة ماله، و كفّ غضبه، و سجن لسانه، و استغفر لذنبه، و أدّى النصيحة لأهل بيت نبيّه[2].
ثلاثة مجالستهم تميت القلب: مجالسة الأنذال و مجالسة الأغنياء و الحديث مع النساء[3].
و ثلاثة يتخوّف منهنّ الجنون: التغوّط بين القبور، و المشي في خفّ واحد، و الرجل ينام وحده[4].
و ثلاث درجات، و ثلاث كفارات و ثلاث مهلكات، و ثلاث منجيات، فأمّا الدرجات: فإسباغ الوضوء في السبرات، و انتظار الصلاة بعد الصلاة، و المشي بالليل و النهار إلى الجماعات. و أمّا الكفارات: فإفشاء السلام، و إطعام الطعام، و التهجّد بالليل و الناس نيام. و أمّا المهلكات: فشحّ مطاع، و هوى متّبع، و إعجاب المرء بنفسه. و أمّا المنجيات: فخوف اللَّه في السرّ و العلانية، و القصد في الغنى و الفقر، و كلمة العدل في الغضب و الرضا[5].
يا علي تسعة أشياء تورث النسيان: أكل التفّاح الحامض، و أكل الكزيرة، و الجبن، و سؤر الفأرة، و قراءة كتابة القبور، و المشي بين مرأتين، و طرح القملة،
[1]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 256، ح 821.
[2]-« الكافي» ج 2، ص 641، ح 8؛« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 259، ح 821.
[3]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 259، ح 821.
[4]-« الكافي» ج 6، ص 534، ح 10؛« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 259، ح 821.
[5]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 260، ح 821.
و الحجامة في النقرة[1]، و البول في الماء الراكد»[2].
و قال الصادق7: «عجبت لمن فزع من أربع كيف لا يفزع إلى أربع، عجبت لمن خاف العدوّ كيف لا يفزع إلى قوله تعالى:حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ[3]؟! فإني سمعت اللَّه عزّ و جلّ يقول:فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ[4]، و عجبت لمن اغتمّ كيف لا يفزع الى قوله تعالى:لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ[5]؟! فإني سمعت اللَّه عزّ و جلّ يقول بعقبها:
وَ نَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَ كَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ[6]. و عجبت لمن مكر به كيف لا يفزع إلى قوله عزّ و جلّ:وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ[7]؟! فإني سمعت اللَّه عزّ و جلّ يقول بعقبها:فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا[8]، و عجبت لمن أراد الدنيا و زينتها كيف لا يفزع إلى قوله تعالى:ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ[9]؟! فإنّي سمعت اللَّه عزّ و جلّ يقول:إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ[10]و عسى مرجية»[11]-[12].
[1]- النقرة: موضع من الرأس يقرب من أصل الرقبة.
[2]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 261، ح 821.
[3]- سورة آل عمران، الآية 173.
[4]- سورة آل عمران، الآية 174.
[5]- سورة الأنبياء، الآية 87.
[6]- سورة الأنبياء، الآية 88.
[7]- سورة غافر، الآية 44.
[8]- سورة غافر، الآية 45.
[9]- سورة الكهف، الآية 39.
[10]- سورة الكهف، الآية 39- 40.
[11]- في المصدر: و عسى موجبة.
[12]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 280، ح 831.
و دخل سفيان الثوري على جعفر بن محمد8فقال له: «يا سفيان تخرج عنّا غير مطرود فإنّك رجل يطلبك الولاة و علينا منهم عيون» فقال له: جعلت فداك أو تحدثني إذ دخلت عليك فأنصرف بشيء؟ فقال: «يا سفيان قد أكثرت من الحديث و ليس بأكثر منه فهو خير و لكنّي أخبرك بأشياء إن عملت بها انتفعت، يا سفيان إذا أنعم اللَّه عليك نعمة و أحببت دوامها و الزيادة من اللَّه فأكثر حمد اللَّه [و الشكر] عليها، فإنّ اللَّه تعالى يقول:لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ[1]، يا سفيان و إذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار فإنّ اللَّه تبارك و تعالى يقول:
اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ[2]وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً[3]في الآخرة، يا سفيان و إذا نزلت بك بليّة أو شدّة من شدائد الدنيا من سلطان أو غيره فأحببت أن يكشفها اللَّه عنك فقل: «لا حول و لا قوّة إلّا باللَّه» فإنّها مفتاح الفرج و هي كنز من كنوز الجنّة».
فخرج سفيان و هو يقول: ثلاث و أيّ ثلاث!!، و قال أبو عبد اللَّه7:
«احفظهنّ»[4].
و قال الرضا7: «لا ينبغي للرجل أن يدع الطيب في كلّ يوم، فإن لم يقدر ففي كلّ جمعة، و لا يدع ذلك[5]. و من أراد التمسح بالطيب فليصل على
[1]- سورة ابراهيم، الآية 7.
[2]- في المصدر+: يعني في الدنيا.
[3]- سورة نوح، الآيات 10- 13.
[4]-« كشف الغمة» ج 2، ص 370، نقلا عن« مطالب السؤول في مناقب آل الرسول» لكمال الدين بن طلحة؛« بحار الأنوار» ج 78، ص 200، ح 29 و ص 226 ح 96.
[5]-« الكافي» ج 6، ص 510، ح 4.
النبي6».
و في روايات الرضا7قال: «قلّموا أظفاركم يوم الثلثاء، و استحمّوا يوم الأربعاء، و أصيبوا من الحجامة حاجتكم يوم الخميس، و تطيّبوا بأطيب طيبكم يوم الجمعة»[1].
و تقول عند الحجامة و الدم سايل: «بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم أعوذ باللَّه الكريم في حجامتي هذه من العين في الدّم و من كلّ سوء»[2]و اقرأ آية الكرسي، و يكره الحجامة و يوم الأربعاء يوم الجمعة.
و في مناهي النبي6: أنّه نهى عن التختّم بخاتم صفر أو حديد[3]، و نهى أن ينقش شيء من الحيوان على الخاتم[4].
و نهى أن يشرب الماء كما تشرب البهائم، و قال: «اشربوا بايديكم فإنّها أفضل أوانيكم»[5].
و نهى أن ينفخ في طعام أو شراب أو ينفخ في موضع السجود[6].
و نهى أن تمحى شيء من كتاب اللَّه بالبزاق أو يكتب به[7].
و عن خلف بن حماد قال: قلت للرضا7: إنّ أصحابنا يروون عن
[1]-« من لا يحضره الفقيه» ج 1، ص 77، ح 345.
[2]-« معاني الأخبار» ص 172؛« بحار الأنوار» ج 62، ص 111، ح 11.
[3]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 5، ح 1.
[4]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 5، ح 1.
[5]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 5، ح 1.
[6]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 5، ح 1.
[7]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 3، ح 1.
آباءك:أنّ الشعر ليلة الجمعة و يوم الجمعة و في شهر رمضان و في الليل مكروه، و قد هممت أن أرثي أبا الحسن7و هذا شهر رمضان، فقال: «ارث أبا الحسن7في ليلة الجمعة و في شهر رمضان و في الليل و في ساير الأيام فإنّ اللَّه تعالى يكافيك على ذلك»[1].
هذا آخر ما أردناه من جمع الآداب المأثورة في كتب أصحابنا المشهورة رضي اللَّه عنهم أجمعين.
[1]- لم أجد هذه الرواية في المصادر المتقدمة على الكتاب. و قد رواها في« وسائل الشيعة» ج 14، ص 599 ح 19898 عن« الآداب الدينية».
و بعد فليعلم مولانا وليّ النعم حرس اللَّه علوّه و كبت عدوّه أنّ من ولّاه اللَّه تعالى في أمور العباد و أتاه البسطة و ملّكه أزمة البلاد فإنّ العبادة التي تيسّر له لا تتيّسر لغيره فليغتنم مولانا خلّد اللَّه دولته التوفّر على السنن المرضية التي يبقى ذكرها و يزداد على مرّ الأيام نشرها و لا يستحقر انتظار أرباب الحاجات و وقوفهم ببابه و لو لحظة واحدة.
و ليكن الاهتمام بأمور أهل الإيمان أهمّ إليه ممّا يتشاغل به نوافل العبادات فضلا عن اتباع الشهوات، فقد روي عن النبي6أنّه قال: «الوالي العادل المتواضع ظلّ اللَّه و ريحه في أرضه، فمتى نصح في نفسه و في عباد اللَّه حشره اللَّه تعالى وفده يوم لا ظلّ إلّا ظلّه، و متى ما غشّه في نفسه و في عباد اللَّه خذله اللَّه تعالى يوم القيامة»[1].
و عنه عليه و آله السلام أنّه قال: «من أكرم فقيرا مسلما لقي اللَّه عزّ و جلّ و هو عنه راض»[2].
و قال الصادق7: «قضاء حاجة المؤمن أفضل من ألف حجة متقبلة بمناسكها، و عتق ألف نسمة لوجه اللَّه، و حملان ألف فرس في سبيل اللَّه بسرجها و لجامها»[3].
[1]- ما وجدته في المصادر المتقدمة على الكتاب.
[2]-« من لا يحضره الفقيه» ج 4، ص 7، ح 1.
[3]-« أمالي الصدوق» ص 196، ح 1 من المجلس 42؛« بحار الأنوار» ج 74، ص 285، ح 5.
و قال7: «مياسير شيعتنا أمناؤنا على محاويجهم فاحفظونا فيهم حفظكم اللَّه»[1].
و عن إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبد اللَّه7«من طاف بهذا البيت طوافا واحدا كتب اللَّه تعالى له ستة آلاف حسنة و محا عنه ستة آلاف سيئة، و رفع له ستة آلاف درجة، و أعتق عنه ألف نسمة، و قضى له ألف حاجة، و غرس له ألف شجرة» قال: فقلت له: هذا كلّه لمن طاف طوافا واحدا؟ قال7:
«نعم، أفلا أخبرك بأفضل منه؟» قلت: بلى، قال7: «قضاء حاجة المؤمن أفضل من طواف و طواف و طواف» حتى عدّ عشرة[2].
و روي عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند حسن بن علي8فأتاه رجل، فقال له: يا ابن رسول اللَّه إنّ فلانا له عليّ مال و يريد أن يحبسني، فقال7: «و اللَّه ما عندي مال فأقضي عنك» قال له: فكلّمه، قال: فلبس7نعليه، فقلت له: يا ابن رسول اللَّه أنسيت اعتكافك؟ فقال له: «لم أنس و لكنّي سمعت أبي7يقول: قال رسول اللَّه6: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنّما عبد اللَّه عزّ و جلّ تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله»[3].
فليجتهد- حرس اللَّه علوه- في نيل هذه الرتبة التي لا يقدر أحد عليها قدرته و لا ينزل أحد فيها منزلته.
[1]-« الكافي» ج 2، ص 265، ح 21، و فيه: يحفظكم اللَّه.
[2]-« الكافي» ج 2، ص 194، ح 8 و ليس فيه: و اعتق منه ألف نسمة و قضى له ألف حاجة و غرس له ألف شجرة.
[3]-« من لا يحضره الفقيه» ج 2، ص 123، ح 538.