الفصل الأوّل الأخلاق و الآداب
الإنسان مشتمل على الجسم و الروح، و قد تصدّى الحكمة بقسميها- النظرية و العلمية- بإثبات وجود النفس الإنسانيّة- أي الروح- و تجرّدها عن المادّة و تدبيرها للبدن، و أقاموا على ذلك براهين كثيرة لا حاجة لنا إلى ذكرها هاهنا.
و الفرق بين الجسم و الروح كثيرة نشير إلى بعضها:
الجسم من عالم الخلق و الروح من عالم الأمر.
و الجسم مادي محسوس و له أحكام المادة و الروح بريء منها و من أحكامها.
و أيضا يمكن تعريف الجسم و معرفته بأحكام و تعريفات ايجابية ثبوتية، و أمّا الروح فلا يمكن تعريفها إلّا بأحكام سلبية.
و بالجملة هذا الجسم من عالم الدنيا و عالم الشهادة، و الروح من عالم الغيب و الآخرة.
و كلّ انسان محتاج في وصوله إلى كماله اللائق به إلى تربية جسمه و روحه، و الشرائع الإلهيّة متصدّية لإيصاله إلى هذا الغرض و المقصد الأسنى. فمن عكف همّته و قصّر نظره إلى صلاح بدنه و جسمه فقد خرج عن حقيقة الإنسانية، و كذا من نسي صلاح بدنه و صرف وجهه إلى الآخرة أيضا غير واصل إلى الكمال، بل يلزم أن يكون أحول العينين: بإحداهما يرى الدنيا و جسمه فيها و يأخذ نصيبه منها، و بالأخرى يرى الآخرة و صلاح روحه.
و حيث إنّ كلا من الجسم و الروح يؤثّر على الآخر فقد ورد: «ليس منّا من ترك دنياه لدينه أو ترك دينه لدنياه»[1]، و في الأمثال: «العقل السليم يكون في البدن السليم»، و من هنا ترى أنّ أحكام اللَّه تعالى غير منعطفة على الروح فقط، بل مفرّقة و منقسمة على الجسم و الروح، فيجب لكلّ أحد الاهتمام بالجسم و الروح.
نعم، ليسا في مرتبة واحدة و لا شك أنّه عند التعارض يقدّم صلاح الروح على البدن.
و حيث ثبت اشتمال الإنسان على الجسم و الروح فيحتاج في تربية جسمه إلى علم و في تربية روحه إلى علم آخر، و الأوّل هو «الآداب» و الثاني هو «الأخلاق» و الدين و الشرائع الإلهية جامع لهما.
تعريف الأخلاق
الخلق يجمع على أخلاق، و قال النراقي- رحمه اللَّه-: «الخلق عبارة
[1]-« الفقه المنسوب للإمام الرضا7» ص 237؛« تحف العقول» ص 409؛« بحار الأنوار» ج 78، ص 321، ح 18، و ص 346، ح 4.
عن ملكة للنفس مقتضية لصدور الأفعال بسهولة من دون احتياج إلى فكر و رويّة»[1].
و قال الراغب: «أما الخلق ففي الأصل كالخلق ... لكن الخلق يقال في القوى المدركة بالبصيرة و الخلق في الهيئات و الأشكال و الصور المدركة بالبصر ... و يجعل الخلق تارة من الخلاقة و هي الملاسة، فكأنّه اسم لما مرّن عليه الإنسان من قواه بالعادة ... فجعل الخلق مرّة للهيئة الموجودة في النفس التي يصدر عنها الفعل بلا فكر، و جعل مرّة اسما للفعل الصادر عنه باسمه»[2].
و يستفاد من هذه التعاريف أنّ الأخلاق هو ملكة أو حالة راسخة نفسانية توجب صدور الأعمال منه بلا روية و فكر. فمن تأمل و تروّى في صدور عمل حسن منه ثمّ فعله لا يعدّ فعله فضيلة أخلاقيا، بل الشخص الأخلاقي هو الذي يكون صدور العمل الحسن منه ملكة له بحيث لا يتروي في صدوره منه، كالغوّاص الذي صار هذا العمل ملكة له.
فقد علم ممّا تقدم:
أوّلا: أنّ موضوع الأخلاق هو النفس الإنسانى دون بدنه.
و ثانيا: تسمية بعض الأعمال بالفضيلة الأخلاقية أو رذيلتها تكون باعتبار حكاية الأعمال عن النفس و حالاتها و ملكاتها.
و ثالثا: يلزم أن تكون تلك الحالة راسخة في النفس و غير قابلة للزوال بسهولة.
[1]-« جامع السعادات» ج 1، ص 22.
[2]-« الذريعة إلى مكارم الشريعة» ص 39.
و رابعا: يكون صدور الأعمال منه بلا فكر و روية.
و حيث إنّ موضوع الأخلاق هو النفس الإنساني و للنفس قوى ثلاثة: قوة الدرك و قوة الجذب و قوة الدفع، تسمّى النفس باعتبار الأولى، أي القوّة الناطقة النفس المطمئنة، و باعتبار الثانية، أي القوّة الشهوية النفس الأمّارة، و باعتبار الثالثة، أي القوة الغضبية النفس اللوّامة.
و لكلّ واحد من هذه القوى حالات ثلاثة: إفراط و اعتدال و تفريط، و الفضيلة منها هو الاعتدال، و الرذيلة منها هو الإفراط و التفريط. فأصول الرذائل ستّة و هي: الوسوسة و الحمق و الشره و الخمولة و الغضب و الجبن. و أصول الفضائل ثلاثة: الحكمة و العفّة و الشجاعة، و المجموع من هذه الثلاثة يسمّى بالعدالة.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
تعريف الآداب
عن أمير المؤمنين7: «الآداب حلل مجدّدة»[1].
و قال7: «الآداب تلقيح الأفهام و نتائج الأذهان»[2].
الأدب هو حفظ حدود كل شيء و عدم التعدّي عنها، فإنّ اللسان مثلا مقيّد و محدود بأن لا يتكلّم بما يشينه و يهدم مروّته مثل السوء من القول، فمن تكلّم بشيء من الفحش فقد خرج عن أدب اللسان و يقال فيه: إنّه سيّئ الأدب و لا يقال: إنّه سيّئ الخلق.
و قال الزبيدي: «أصل الأدب: الدعاء. و قال شيخنا ناقلا عن تقريرات شيوخه: الأدب ملكة تعصم من قامت به عمّا يشينه. و في المصباح: هو تعلّم رياضة النفس و محاسن الأخلاق. و قال أبو زيد الأنصاري: الأدب: يقع على كلّ رياضة محمودة يتخرّج به الإنسان في فضيلة من الفضائل، و مثله في التهذيب. و في التوشيح: هو استعمال ما يحمد قولا و فعلا أو الأخذ أو الوقوف مع المستحسنات أو تعظيم من فوقك أو الرفق بمن دونك. و نقل الخفاجي في العناية عن الجواليقى في شرح أدب الكاتب: الأدب في اللغة حسن الأخلاق و فعل المكارم، و اطلاقه على العلوم العربية مولّد حدث في الإسلام»[3].
أقول: و إن كان يستفاد من هذا الكلام إطلاق الأدب على محاسن
[1]-« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 18، ص 93 باب المختار من حكم أمير المؤمنين7؛« روضة الواعظين» ص 10؛« غرر الحكم و درر الكلم» ص 247.
[2]-« كنز الفوائد» ج 1، ص 319؛« اعلام الدين» ص 84،« بحار الأنوار» ج 75، ص 68.
[3]-« تاج العروس» ج 2، ص 12.
الأخلاق و على ملكة تصدر هذه الأفعال منها، و لكن التأمّل الصّادق في موارد استعماله يشهد بأنّ الأخلاق حالة بل ملكة نفسانية و الأدب وصف لأعمال الإنسان الظاهرة من جوارحه، و إذا قيل: أدّبته تأديبا، فالمراد عقابه على إساءته، و هو سبب يدعو إلى الأدب، و معنى قوله6: «إنّ هذا القرآن مأدبة اللَّه»[1]أنّ القرآن كتاب أدب يدعو اللَّه تعالى الناس إلى تعلّم الأدب منه.
و قال العلامة الطباطبائي: «الأدب هو الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يقع عليه الفعل المشروع إمّا في الدين أو عند العقلاء في مجتمعهم، كآداب الدعاء و آداب ملاقاة الأصدقاء، و إن شئت قلت: ظرافة الفعل. و لا يتحقّق إلّا في الأفعال الاختيارية التي لها هيئات مختلفة فوق الواحدة حتى يكون بعضها متلبّسا بالأدب دون بعض، كأدب الأكل مثلا في الإسلام، و هو أن يبدأ فيه باسم اللَّه و يختم بحمد اللَّه، و يؤكل دون الشبع.»[2]فتحصل أنّ الأدب: هو الهيئة الحسنة للفعل الذي يمكن أن يقع على وجوه متعدّدة، و وقوعه على أحسن ما يمكن أن يقع.
الفرق بين الأخلاق و الآداب
1- الأخلاق تبحث عن المسائل المتعلّقة بالنفس الانسانية، و الآداب تبحث عن أفعال الجوارح.
2- المسائل الأخلاقية ثابتة في جميع الأزمان و لا يعرضها التغيير دون
[1]-« التفسير المنسوب للإمام العسكري7» ص 60 ح 31.
[2]-« الميزان في تفسير القرآن» ج 6، ص 275.