< فهرس الموضوعات > الفصل الأول :
< / فهرس الموضوعات > الفصل الأول :
< فهرس الموضوعات > الطب . . كمسؤولية < / فهرس الموضوعات > الطب . . كمسؤولية
أحكام الإسلام إنه لا شك في إن الله هو خالق كل شيء . . كما أنه عليم وبصير بكل ما في هذا الكون . . وعليم بعباده ، وبصير بهم . . كما قال تعالى : ( له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ، هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير )[1]. والآيات في ذلك كثيرة . .
كذلك . . فإنه تعالى رحيم بعباده رؤوف بهم ، لا يريد لهم إلا الخير والسعادة ، والصلاح ، كما قال تعالى : ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم )[2].
وقال تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ،
[1]سورة الحديد ، الآية : 2 - 4 .
[2]سورة الحديد ، الآية : 9 .
الرحمن الرحيم )[1].
والآيات في ذلك كثيرة . .
وهكذا . . فإنه تعالى إذا شرع لهم أحكاماً تنظم أمور معاشهم ومعادهم - بما في ذلك أحكام القصاص - فإنما يهدف من ذلك إلى تحقيق السعادة والكمال لهم ، وحفظهم من الانزلاق في مهاوي الشقاء والضلال والضياع ، كما أشارت إليه الآية المتقدمة من سورة الحديد . .
وحينما سئل الإمام الباقر ( عليه السلام ) عن سبب تحريم الميتة ، والخمر ، ولحم الخنزير ، والدم ، قال : « إن الله تعالى لم يحرم ذلك على عباده ، وأحل لهم ما وراء ذلك من رغبة فيما أحل لهم ، ولا زهد فيما حرمه عليهم ، ولكنه خلق الخلق ، فعلم ما تقوم به أبدانهم وما يصلحهم ، فأحله لهم ، وأباحه لهم : وعلم ما يضرهم فنهاهم عنه ، ثم أحله للمضطر في الوقت الذي لا يقوم بدنه إلا به »[2].
وروي بأسانيد عن الرضا ( عليه السلام ) ، أنه قال : « وجدنا : أن ما أحل الله ففيه صلاح العباد ، وبقاءهم ، ولهم إليه حاجة ، ووجدنا المحرم من الأشياء ولا حاجة[3]بالعباد إليه ، ووجدناه مفيداً » .
وقال الحر العاملي : « والأحاديث في ذلك كثيرة[4].
[1]سورة الفاتحة ، الآية : 1 - 3 .
[2]الكافي ج 6 ص 242 ، والمحاسن ص 334 والتهذيب ج 9 ص 128 ومن لا يحضره الفقيه ج 3 ص 218 والوسائل ج 17 ص 2 والبحار ج 62 ص 82 عن علل الشرايع ، وميزان الحكمة ج 3 ص 366 عنه .
[3]لعل الواو في قوله « ولا » زائدة .
[4]الفصول المهمة ص 541 عن علل الشرايع ، والبحار ج 6 ص 93 . وراجع علل الشرايع ج 1 ص 250 و 252 .
ويكفي أن نذكر : أن الله تعالى قد اعتبر الإسلام نعمة أنعم الله بها على العباد ، وقد أتم نعمته هذه بتنصيب علي ( عليه السلام ) إماماً وقائداً في يوم الغدير ، قال تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً )[1].
حق التشريع . . لمن ؟ ! :
وإذا كان الله تعالى هو الخالق والمالك لهذا الكون والإنسان ، والخبير به والمطلع على كل ما فيه من علاقات وروابط ، والعارف بما يصلحه مما يفسده ، فإنه سيكون هو فقط الذي يملك حق وضع قانون وتشريع يؤمن لهذا الإنسان سعادته وكماله ، ويهيمن على كل حالاته وسلوكه .
وكل من يتصدى لهذا الأمر سوى المولى سبحانه وتعالى ، ممن لا يعرف عن هذا الكون والإنسان شيئاً يذكر ، فإنه يكون خارجاً عن جادة الإنصاف ، وعن مقتضيات العقل ، والفطرة . . بل وظالماً ومتعدياً أيضاً . . ولن يستطيع أن يضع النظام الكامل والشامل ، والمطابق لكل مقتضيات وأحوال هذا الإنسان إن لم نقل : إنه سيضع في كثير من الأحيان ما يؤدي إلى شقائه وبلائه ، إن لم يكن إلى دماره وهلاكه .
وكمثال على ذلك نقول : لو أن شخصاً اخترع آلة في غاية الدقة والتعقيد وتتأثر بما حولها تأثرات مختلفة ، فهل يحق لمن لا يعرف حقيقة تركيبها ، وخصائصها : أن يمنع مخترعها عن التصرف فيها ، وعن أن يضع لها نظاماً يحفظ لها سلامتها واستمرارها ، ويحافظ على كل دقائقها وخصائصها ؟ ثم يتصدى هو - ذلك الجاهل بها وبكل شيء عنها ، أو بأكثره - لوضع ذلك النظام
[1]سورة المائدة ، الآية : 3 .
والقانون ؟ ! وهل يمكن أن يمدحه أحد على ذلك ؟ ! وهل ثمة من يتوقف في توجيه اللوم والتقريع له ؟ ! وهل يمكن أن لا يطالب كل عاقل منصف بإيقافه عند حده ، ثم بتغريمه لكل النقائص والخسائر التي نجمت عن طغيانه ذاك ، بالإضافة إلى العقاب الرادع والجزاء العادل[1]، ليكون ذلك موعظة له في نفسه ، وعبرة لغيره .
فالمتحصل من كل ذلك اختصاص حق التشريع بالباري سبحانه وتعالى ، العالم بكل شيء ، والمهيمن على جميع المخلوقات .
شمولية قوانين الإسلام :
وبعد . . فلا ريب في أن التشريعات الإلهية والتعاليم القرآنية ، إنما تهدف إلى تحقيق الكمال والسلامة والهناء والسعادة - كل السعادة والهناء - لهذا الإنسان ، بالإضافة إلى تكامل الإنسان في إنسانيته ، وفي قربه من الله تعالى ، والفوز برضاه .
وبديهي : أنه كلما كانت النظم أدق وأشمل كلما كانت السعادة والسلامة لهذا الإنسان أتم وأكمل ، ووصوله إلى ذلك الهدف الأسمى أسرع وأيسر .
ومن هنا . . فقد كانت تعاليم الإسلام وقوانينه دقيقة وشاملة لجميع شؤون الإنسان ، ومختلف أحواله وأوضاعه : سياسية كانت ، أو اقتصادية ، أو سلوكية ، أو نفسية ، أو غيرها . . مما يرتبط بالفرد أو بالمجتمع . . فكل شيء محكوم لقانون ، ويهيمن عليه نظام ، يوجهه لخير الإنسان ، ويجعله في خدمته .
[1]فإن من سن سنة حسنة كان له أجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة .
نعم كل شيء . . فبالنسبة لشخص الإنسان ، نجده لم يغفل حتى عن أكله وشربه ، وقيامه ، وجلوسه ، ومشيه ، ونبرات صوته ، بل لقد تدخل حتى في اختيار ، ومواصفات البيت الذي يعيش فيه . والثياب التي يلبسها ، وفي كيفية تصرفه بها . . بل وحتى في خلجات الإنسان القلبية ، وأفعاله الجوانحية .
كما أننا نجد : أن الإسلام لم يشرع أي قانون يضر بمكانة الإنسان الاجتماعية ، أو بذوقه ، وسجيته ، أو بروحه وحالته النفسية ، أو بصحته البدنية .
وكمثال على ذلك : نشير إلى تعاليم الإسلام المتعلقة بتقليم أظفاره ، وترجيل شعره ، وأوامره له بالتنظيف والتطهر ، حتى لقد ورد : أن الله يبغض الرجل القاذورة[1]، وورد : أن النظافة من الإيمان[2]، وعنه ( صلى الله عليه وآله ) : « بئس العبد القاذورة »[3]. . بل لقد حرم عليه بعض الألبسة التي تضر بمكانته الاجتماعية وتوجب استهانة الناس به .
إلى غير ذلك من الشؤون والأحوال التي يمر بها الإنسان أو تمر به ، والتي غفل عنها أي تشريع آخر سوى التشريع الإلهي الحق ، لأنه صادر عن ساحة الحق سبحانه وتعالى . . حتى ليقول الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إن عندنا الجامعة ، قلت : [ أي الراوي ] وما الجامعة ؟ قال : صحيفة فيها كل حلال وحرام ، وكل شيء يحتاج إليه الناس حتى الأرش في الخدش ، وضرب بيده
[1]البحار ج 76 ص 84 و ج 80 ص 106 عن كنز الفوائد للكراجكي و ج 99 ص 303 فقه الرضا 48 و ج 99 ص 84 ، والخصال ج 2 ص 620 ، وتحف العقول حديث الأربعمائة ص 73 .
[2]البحار ج 62 ص 291 عن طب النبي للمستغفري .
[3]الفصول المهمة ص 441 ، وطب الصادق ص 15 عن الدعائم .
إلي فقال : أتأذن يا أبا محمد ؟ قلت : جعلت فداك ، إنما أنا لك ، فاصنع ما شئت ، فغمزني بيده ، حتى أرش هذا »[1].
طبيعة قوانين الإسلام :
ونحن لا نريد أن ندعي هنا : أن شمولية الإسلام هذه قائمة على أساس النص الصريح على كل كلية وجزئية ، فإن ذلك أمر متعسر بل متعذر . . وإنما تكمن شموليته في كونه قد نظر إلى الإنسان ، وأحواله ، وأوضاعه نظرة واعية تتسم بالشمول والدقة ، فقد لاحظ :
أولاً : شؤونه الثابتة التي لا يطرأ عليها تغيير ولا تبديل في أي من الظروف والأحوال ، فوضع لها قوانين ثابتة ، وأنظمة محددة . . وذلك من قبيل قوانين الإرث ، والزواج ، والطلاق ، ونحوها . . ويمكن أن يدخل في ذلك جميع الأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية ، حسب الاصطلاح الأصولي .
ثم لاحظ :
ثانياً : الشؤون التي يطرأ عليها التغيير والتبديل ، ولا يمكن أن تكون في إطار ضابطة معينة وثابتة ، فجعل أصولاً وقواعد عامة ، يجري التغيير والتبديل في نطاقها .
فهذه القوانين والضوابط ثابتة ، والمتغير هو ما تنطبق عليه تلك القواعد والأصول .
ويمكن أن يدخل في هذا الإطار سائر الموضوعات التي تعرض لها العناوين الثانوية ، حسب الاصطلاح الأصولي .
[1]الوسائل ج 19 ص 272 حديث 1 .