و هل يكفي إذن المريض أو وليه للطبيب بالعلاج من دون إبراء في عدم ضمانه؟ ربما يقال: أنه لا يضمن حينئذ، و ذلك «لان الضمان يسقط بالإذن، و لانه فعل سائغ شرعا» فلا يستعقب ضمانا[1].
و لكن هذه الحجة غير كافية، فان كونه سائغا شرعا لا يوجب سقوط الضمان[2]، و السائغ هو المعالجة لا الإتلاف، و هو لم يؤذن به ..، و أما قوله: أن الضّمان يسقط بالإذن ... فيمكن أن يكون له وجه، إذا قلنا: أنه من قبيل إقدام المريض، أو وليه على تحمل نتائج عمل الطبيب، و رضاهم بها، لو اتفق وقوعها ... فهو من قبيل الابراء ... و لكن الظاهر: هو أن إذنهم لا يدل على عدم مطالبتهم بالدية و الضمان في صورة التلف، فهم يأذنون بالعلاج استنادا إلى أن الشارع قد ضمن لهم حقهم في صورة إتلاف الطبيب لمريضه، أو لعضو منه، فتبقى قاعدة: الضمان على من أتلف على حالها ..
و لأجل كون ذلك مرتكزا لدى العرف نجد: أنه لو أخذ البعض ولده إلى الطّبيب، فعالجه، فمات بسبب ذلك العلاج؛ فانه يشتكي عليه، و يعتبره مسؤولا عن إتلاف ولده[3].
و بعد كل ما تقدم يتضح: أنه لا يمكن الأخذ بما روي عن إبن عمر، عن النبي6: «ليس على مداو ضمان» الخ[4].
إلا أن يكون المقصود هو عدم ضمانه، إن كان قد أخذ البراءة، و ذلك بعد حمل هذا المطلق على ذلك المقيد.
[1]- الشرايع ج 4 ص 249 و الجواهر ج 43 ص 45.
[2]- الجواهر ج 43 ص 46 و مثل له بالضرب للتأديب.
[3]- راجع: الجواهر ج 43 ص 46.
[4]- المجروحون ج 2 ص 82 و راجع: ميزان الإعتدال ج 3 ص 198.
و أما الإستدلال على الضمان هنا بالإجماع، فهو في غير محله، لان الظاهر، أو على الأقل يحتمل: أنه اجماع على القاعدة، الّتي هي: الضمان على من أتلف؛ فلا يكون حجة ..
و كذا لا يصح الإستدلال باطلاق رواية تضمين علي (ع) للختان ...
على الضمان هنا، لانها قضية في واقعة لا اطلاق فيها، فيحتمل قويا أن يكون تضمينه له بسبب تفريطه و تقصيره في أداء مهمته، كما أشرنا إليه سابقا. و قد أشار إلى ما ذكرناه أيضا في الجواهر، فراجع.
و لو أقدم الطبيب الحاذق على العلاج من دون إذن أحد، استنادا إلى وجوب ذلك عليه، لرواية: التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة، و ذلك مقدمة لحفظ النفس المحترمة، فتلف المريض بسببه، فانه يضمن أيضا، لان التلف سبب للضمان، فهو من قبيل تأديب الصبي، و نحوه[1].
روايتان لا ربط لهما بالضمان:
و في رواية «قلت (أي للإمام الصّادق (ع)): انا نبط الجّرح، و نكوي بالنار؟ قال: لا بأس، قلت: نسقي هذه السموم: الأسمحيقون، و الغاريقون؟ قال: لا بأس: قلت: انه ربما مات، قال: و ان مات»[2]
و عن حمدان بن إسحاق، قال: كان لي إبن، و كانت تصيبه الحصاة، فقيل لي: ليس له علاج إلّا أن تبطه، فبططته، فمات، فقالت الشيعة:
شركت في دم إبنك قال: فكتبت إلى أبي الحسن، صاحب العسكر، فوقع-
[1]- راجع: المسالك و الجواهر ج 43 ص 45.
[2]- روضة الكافي ص 193 و الفصول المهمة ص 402 و البحار ج 62 ص 67 و الوسائل ج 17 ص 177 و طب الإمام الصادق ص 59.
صلوات اللّه عليه- يا أحمد ليس عليك فيما فعلت شيء، إنّما إلتمست الدواء، و كان أجله فيما فعلت[1].
فالرواية الأولى ليست ناظرة للضمان و لا لعدمه ... و إنّما هي ناظرة إلى جواز الإقدام على ذلك و عدمه ... و إن أدى إلى موت المريض.
و في الثانية كان الممارس لبط الجرح هو الولي نفسه، و تعليله (ع) بقوله: إنّما إلتمست الدواء و كان أجله فيما فعلت، ليس تعليلا لعدم الضمان، ليؤخذ بعموم التعليل، بل هو ناظر لنفي العقاب الأخروي، حيث اعتبر الشيعة: أنه قد شرك في دم إبنه ... هذا بالإضافة إلى عدم وضوح سند الرواية.
و الخلاصة: أنه لا بأس بأن يأخذ الطبيب الحاذق البراءة من ولي المريض، إذا كان المريض صبيا أو مجنونا، أو من المريض نفسه، إذا أراد أن يقدم على العلاج الّذي يحتمل فيه الخطر على المريض، حتى لا يتعرض للضمان الّذي ينشأ عن التّلف المحتمل.
[1]- الكافي ج 6 ص 53 و البحار ج 62 ص 68.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الفصل الثاني: التلميذ ... قبل أن يصير طبيبا ...
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
مواصفات طالب العلم الطبي:
أما عن مواصفات طالب العلم الطبي، فلعلها لا تحتاج إلى بيان، إذا اتضح لدينا حقيقة نظرة الإسلام إلى المريض، و مكانته عند اللّه، و ما أعدّ اللّه له، كما يتضح ذلك بالمراجعة إلى الروايات الكثيرة جدا، و لا مجال لعدها و حصرها ... إذا اتضح لدينا أيضا حقيقة المسؤولية الملقاة على عاتق الطبيب تجاه المريض، و واجباته تجاهه، و الّتي سنتحدث عنها في الفصل التالي إن شاء اللّه تعالى.
و نستطيع أن نجمل هنا مواصفات طالب العلم الطبي بكلمة واحدة و هي أن يتحلى بجميع مواصفات الإنسان المسلم، الّذي يمثل الإسلام وعيا و عمقا، و خلقا، و سلوكا، و يعيش أهداف الإسلام، و تعاليمه، و قيمه، بكل جهات وجوده، و مختلف شؤون حياته.
و قد ذكر القدماء بعض المواصفات لطالب العلم الطبي، لا نرى بأسا بالإشارة إليها هنا، ما دامت توافق مقتضيات الفطرة السليمة، و الإسلام دين الفطرة و ان كان في بعضها بعض الهنات.
فقد نسبوا إلى أبقراط الوصية المعروفة بترتيب الطب، و يقول فيها:
«ينبغي أن يكون المتعلم للطب في جنسه حرا[1]و في طبعه جيدا، حديث السن، معتدل القامة، متناسب الأعضاء، جيد الفهم، حسن الحديث، صحيح الرأي عند المشورة، عفيفا، شجاعا، غير محب للفضة، مالكا لنفسه عند الغضب، و لا يكون تاركا له في الغاية، و لا يكون بليدا.
و ينبغي أن يكون مشاركا للعليل، مشفقا عليه، حافظا للاسرار، لان كثيرا من المرضى يوقفونا على أمراض بهم لا يحبون أن يقف عليها غيرهم.
و ينبغي أن يكون محتملا للشتيمة، لان قوما من المبرسمين[2]، و أصحاب الوسواس السوداوي يقابلونا بذلك، و ينبغي لنا أن نحتملهم عليه، و نعلم: أنه ليس منهم، و أن السبب فيه المرض الخارج عن الطبيعة.
و ينبغي أن يكون حلق رأسه معتدلا مستويا، لا يحلقه، و لا يدعه كالجمة، و لا يستقصى قص أظافير يديه[3]، و لا يتركها تعلو على أطراف أصابعه.
و ينبغي أن تكون ثيابه بيضاء نقية، و لا يكون في مشيه مستعجلا، لان ذلك دليل على الطيش، و لا متباطئا، لانه يدل على فتور النفس.
و إذا دعي إلى المريض، فليقعد متربعا، و ليختبر منه حاله بسكون و تأن
[1]- هذا الشرط لا معنى له إسلاميا، إلّا إذا كان العبد لا يستطيع أن يقوم بوظيفته بالشكل المناسب.
[2]- البرسام: علة يهذي فيها المريض.
[3]- لقد ورد في بعض الروايات أن المرأة لا تستقصي قص أظافير يديها، و لم نجد مثل ذلك بالنسبة للطبيب ... فيبقى إستحباب قص أظافيره على النحو الكامل بلا معارض ...
إلّا إذا كانت طبيعة عمله تستدعي ذلك.