المريض النفسية، هذا عدا عما له من آثار جسدية أيضا بملاحظة: أن التساهل و الإهمال في هذا الأمر لربما يكون له مضاعفات لا تحمد عقباها بالنسبة للمرضى الّذين يفترض الإهتمام بمعالجتهم، و بابعاد كل ما يمكن أن يحمل ميكروبا عنهم، لا بزيادة مشاكلهم، و متاعبهم و آلامهم ..
7- و بعد هذا .. فانه إذا كانت النار المتوقدة في الغرفة تساهم في تقليل كمية الأوكسيجين فيها، فان من الطبيعي أن يترك ذلك أثرا على تنفس المريض، حيث تقل كمية الأوكسيجين الّتي تصل إلى الجسم. و يمكن أن يترك ذلك أثرا سيئا على الحالة الصحيّة العامة للمريض، و يحدث له مشاكل و مضاعفات جديدة، كان في غنى عنها، و لعل هذا هو بعض السر في نهيهم (ع) عن النوم في الغرفة الّتي فيها نار مشبوبة.
8- و أما بالنسبة لكون المكان كثير العشب و الشجر[1].. فان الأمر فيه واضح؛ فعدا عن أن النظر إلى الخضرة من شأنه أن يبعث البهجة و الإرتياح في
[1]- ان اهتمام الإسلام بالشجر و الخضرة واضح جدا حتّى لقد حرم على الحجاج قطع شجر الحرم، و جعل عليهم الكفارة في ذلك .. كما أن النبي6كان يوصي المقاتلين بأن لا يقطعوا شجرا، و لا يتلفوا زرعا .. و في وصية علي( ع) لولده:« و ان لا يبيع من أولاد نخيل هذه القرى ودية، حتّى تشكل أرضها غراسا» قال الرضي:« و المراد: أن الأرض يكثر فيها غراس النخل، حتّى يراها النّاظر على غير تلك الصفة الّتي عرفها؛ فيشكل عليه أمرها، و يحسبها غيرها ...» راجع نهج البلاغة بشرح محمد عبده ج 3 ص 26. و قال تعالى:لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌسورة سبأ، الآية: 15.
و هذا كثير جدا .. و هو يعطي حقيقة القيمة الّتي يعطيها الإسلام للشجرة حتّى ليهتم بتعويد النّاس على المحافظة على الشجر و الزرع و لو عن طريق وضع العقاب على المخالفة في ذلك، و حتّى في حال الحرب مع العدو.
النفس، و يجلو البصر .. فان هذه الأشجار و الأعشاب بالذات هي الّتي تجعل الهواء طريا و صافيا، بالإضافة إلى أنها تغنيه بمادة الأوكسيجين الّتي تفرزها، و الّتي هي بمثابة الغذاء للجسم، و تصل إليه عن طريق التنفس و عن طريق خلايا الجسم الظاهرة، الّتي اهتم الإسلام بالمحافظة على قدرتها على القيام بوظيفتها عن طريق الأمر بالنظافة و الغسل، و غير ذلك من أمور ضرورية لذلك ..
9- أما وضع الأسرة في المستشفى، بحيث يكون المريض مستقبلا للقبلة في مجلسه و في حال نومه .. فانه هام أيضا؛ حيث ان ذلك يمكّن الجسم- بسبب ملاحظة بعض التوازنات بالنسبة للدورة الدموية و للجاذبية و غيرها- من أن يحتفظ بذرات الحديد المتواجدة فيه في حالة متوازنة. و قد شرح ذلك المرحوم الشهيد الدكتور پاك نجاد في كتابه أولين دانشكاه و آخرين پيامبر، فراجع ..
و حسبنا ما ذكرناه هنا .. فان استقصاء الكلام في تلك الخصوصيات يحتاج إلى وقت طويل و تأليف مستقل، و غرضنا هنا هو الإشارة إلى بعض ذلك، لا كله .. و للتوسع مجال آخر ..
علاقة الطبيب بالممرض:
و أما عن العلاقة الممرض و الطبيب، فيجب أن تحكمها الرّوح الإسلاميّة و الإنسانية ..
و على الطبيب أن لا يرهق الممرض، و يجعله يتضايق نفسيا، لان ذلك يمكن أن يؤثر على معاملته و أخلاقياته مع المريض، و بالتّالي على مستوى خدمته. له و نوعيتها.
كما أن على الممرض أن يحترم الطبيب، و يسارع إلى تلبية طلباته؛
لانها إنّما تكون من أجل المريض و في سبيله، و ليست طلبات شخصية له ..
و إذا كان كل من الطبيب و الممرض يسعيان إلى هدف واحد، و هو إنقاذ المريض، و التخفيف من آلامه، ثم الحصول عن طريق ذلك على رضا اللّه سبحانه؛ فلماذا لا يتعاونان على الوصول إلى ذلك الهدف، الّذي يرضي اللّه، و الضمير، و الوجدان الإنساني؟!.
الممرض في المستشفى:
و بعد كل ما تقدم .. فان العلاقة بين الممرض و المريض تصبح واضحة، و كذا السلوك العام للممرض في مختلف أحواله و مواقفه؛ فان كل ذلك يجب أن يكون إسلاميا بكل ما لهذه الكلمة من معنى؛ و ما ذلك إلّا لان المريض- كما قدمنا- قريب من اللّه، و من رحمته و غفرانه، و هو مستجاب الدعوة، و ليس مرضه إلا كرامة ربانية، و رحمة إلهية.
و اننا بملاحظة ما تقدم و غيره نستطيع أن نشير إلى النقاط التالية:
1- إن على الممرض أن لا يزعج المريض و لا يغيظه، بل يحافظ على مشاعره، و يهتم براحته النفسية بكل ما أوتي من قوة و حول .. و لا يحق له أن يزجره أو ينتهره بأي وجه ..
كما أن عليه أن لا يضجره كذلك .. و ذلك عملا بقول الصادق (ع):
«فلا تزعجوه و لا تضجروه»، أو «و لا تزجروه» .. و عنه (ع): «إسماع الأصم من غير تضجر صدقة هنيئة»[1]. و هذا يتأكد بالنسبة إلى الممرض الّذي ربما ينفد صبره أحيانا، بسبب المتاعب الّتي يتعرض لها في عمله.
نعم .. و هذا هو ما تفرضه الأخلاق الإنسانية الفاضلة، و التعاليم الإلهية
[1]- البحار ج 74 ص 388 و ثواب الأعمال ص 168.
الكريمة السامية، و تضافرت عليه النصوص و الآثار بالنسبة لغير المريض أيضا، فكيف بالنسبة إليه.
نعم و هكذا الحال بالنسبة إلى غير ذلك من أخلاق إسلامية و إنسانية، يفترض في كل مسلم أن يتحلى بها، و يعامل إخوانه المؤمنين على أساسها ..
2- أن لا يكون ثمة تمييز بين الغني و الفقير- سواء في قبول المستشفى لهما، أم في العناية و الخدمات الّتي يفترض بالمستشفى و الممرض ان يقدمها لكل منهما، و قد تقدم ما يشير إلى ذلك في الفصل السابق.
3- أن يكون الممرض نظيفا حسن المظهر، بالإضافة إلى الإهتمام البالغ بالنظافة سواء بالنسبة للمريض، أو المستشفى بصورة عامة، ثم تصريفه لجميع الشّؤون المطلوبة منه، و الّتي يحتاج المستشفى إلى تصريفها بالسرعة الممكنة، و الإتقان و الجد اللازمين.
4- انه لا بد للذين يشرفون على المريض من أن لا يديموا النّظر إليه، و أن لا يسمعوه الإستعاذة من البلاء فان ذلك يجعله يلتفت إلى نفسه، و ما حاق بها من بلاء- و لا سيما إذا كان مبتلى بعاهة ظاهرة- و يعتبر أن هذا النظر إليه إنّما هو ليتجلى للناظر ذلك النقص الّذي يحب هو إخفاءه. و لا بد و أن يقايس هذا المبتلى بين النقص الّذي يحيق به، و بين كمال ذلك الناظر إليه، و هنا لا بد و أن يتملكه حزن عميق، و شعور قوي بالمرارة و الكآبة ..
و قد «كان محمّد بن علي لا يسمع المبتلى الإستعاذة من البلاء»[1]و المراد بمحمد بن علي الإمام الباقر (ع).
و روي عن أبي عبد اللّه الصّادق (ع): «لا تنظروا إلى أهل البلاء؛ فان
[1]- البيان و التبيين ج 3 ص 280 و 158 و عيون الأخبار ج 2 ص 208.
ذلك يحزنهم»[1].
و في نص آخر عن النبي6: «اقلّوا النظر إلى أهل البلاء .. أو: لا تديموا النظر» الخ ...[2].
و في حديث آخر عنه6: «لا تديموا النظر إلى المجذومين»[3].
و واضح: أن هذا لا يختص بالمشرفين على شؤون المريض، بل يعم كل ناظر إليه من غيرهم أيضا .. و ان كان هؤلاء يتعرضون لهذا الأمر أكثر من غيرهم ..
5- هذا .. و لا بد من توفر عنصر حسن القيام على المرضى، و حسن معاملتهم، كما أمر به علي (ع) مولاه قنبرا، ثم الإهتمام بقضاء حوائجهم، فلا يكلفون القيام إليها بأنفسهم .. و قد كان الإمام الباقر (ع) إذا أعتل جعل في ثوب، و حمل لحاجته- يعني الوضوء- و ذلك أنه كان يقول: ان المشي للمريض نكس، كما تقدم.
و بعد .. فان المبادرة إلى قضاء حاجات المريض تستدعي حصول الرضا منه، و الدّعاء له منه، و سيأتي: أن دعاء المريض مستجاب، كدعاء الملائكة .. هذا كله عدا عن أن ذلك يوفر له الراحة و الطمأنينة النفسية، الأمر الّذي يجعله أقوى على مواجهة المرض الّذي يلم به .. كما هو معلوم ..
و إذا كان المريض من أهل بيته؛ فانه يكون أعظم قربة و أجرا عند اللّه
[1]- مشكاة الأنوار ص 28، و البحار ج 75 ص 16 و طب الأئمة ص 106 و قصار الجمل ج 1 ص 146.
[2]- طب الأئمة ص 106 و البحار ج 75 ص 15 و ج 62 ص 213.
[3]- الطب النبوي لإبن قيم الجوزية ص 116 عن إبن ماجة و في هامشه عن أحمد و الطيالسي، و الطبراني و البيهقي، و إبن جرير و التراتيب الإدارية ج 2 ص 342.
تعالى؛ فعن النبي6: «من قام على مريض يوما و ليلة بعثه اللّه مع إبراهيم خليل الرحمان، فجاز على الصّراط كالبرق اللامع»[1].
و روى علي بن إبراهيم في تفسيره، في قوله تعالى:إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ*قال: كان يقوم على المريض[2].
و عن الصادق (ع)، عن آبائه، عن النبي6: «من سعى لمريض في حاجة، قضاها، أو لم يقضها، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه». فقال رجل من الأنصار، بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، فان كان المريض من أهل بيته، أو ليس ذلك أعظم أجرا إذا سعى في حاجة أهل بيته؟ قال: نعم[3].
و من الطبيعي: أن المريض يصير حساسا جدا، نتيجة لإحساسه بالضعف، و بحاجته إلى الآخرين؛ فيتأثر، و يشعر بالمرارة لاقل شيء .. كما أن النّاس الّذين يقومون عليه، إنّما يخدمونه و هم يرون فيه عبئا ثقيلا على كواهلهم ..
و أما أولئك الّذين يكلفون بنظافته، و إبعاد القذارات عنه، فان إحساسهم بالتبرم و التضجر منه يزيد، و شعورهم بالقرف و الإشمئزاز من حالاته ينمو و يتعاظم .. هذا بالإضافة إلى انفعالاتهم النفسية، تجاه معاناته للآلام و المصائب الّتي يرونها؛ فمن يقوم على المريض يوما و ليلة؛ فانه لا بد و أن
[1]- عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 11 ص 565 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 86 عن اعلام الديلمي، و البحار ج 81 ص 225 و ج 76 ص 368.
[2]- مستدرك الوسائل ج 2 ص 61.
[3]- أمالي الصدوق ص 387 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 10 و عقاب الأعمال ص 341 و الوسائل ج 2 ص 643 و ج 11 ص 565 و البحار ج 81 ص 217 و ج 76 ص 368 و 335/ 336.
يتحمل و يصبر، و يكبت عواطفه، و يتحمل المشقات الرّوحية و الجسديه، فيكون كإبراهيم الخليل، الّذي كبت عواطفه و تحمل المحنة في ولده الذبيح.
هذا .. و قد ورد نص بالخصوص بالنسبة للسعي في قضاء حاجة الضرير؛ فعن النبي6: من كفى ضريرا حاجة من حوائج الدنيا، و مشى فيها حتّى يقضي اللّه له حاجته، أعطاه اللّه براءة من النفاق، و براءة من النار، و قضى له سبعين حاجة من حوائج الدّنيا، و لا يزال يخوض في رحمة اللّه حتّى يرجع[1].
هذا كله .. عدا عن الرّوايات الكثيرة، الّتي تحث على قضاء حاجات المؤمنين و معونتهم، و تعد بالأجر الجزيل، و الثواب الجميل على ذلك ..
و بعد فان ذلك هو ما تقتضيه الرّحمة الإنسانية، الّتي تنشأ عن رؤية عجز و ضعف الآخرين. و قد أشار الصّادق (ع) إلى ذلك- كما روي عنه- فقال: لا تنظروا في عيوب الناس كالارباب، و أنظروا في عيوبهم، كهيئة العبيد، إنما الناس رجلان، مبتلى، و معافى، فارحموا المبتلى؛ و احمدوا اللّه على العافية[2]. كما ورد أن اللّه إنما يقبل الصلاة ممن يتواضع لعظمته ... إلى أن قال: و يكسو العاري، و يرحم المصاب[3]..
بقي أن نشير أخيرا إلى أنه لا مانع من أن تمرض المرأة الحائض،
[1]- أمالي الصدوق رحمه اللّه تعالى ص 386/ 387 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9، و عقاب الأعمال ص 340، و الوسائل ج 2 ص 643، و البحار ج 74 ص 388، و ج 76 ص 335 و 336.
[2]- تحف العقول ص 225، و البحار ج 78 ص 284 و راجع ج 81 ص 173 عن دعوات الراوندي.
[3]- تحف العقول ص 226، و البحار ج 78 ص 285 عنه.
المريض[1].. و الّذي ورد النهى عنه هو أن تحضره حال احتضاره لا أكثر.
6- و بكلمة جامعة .. لا بد أن يكون المحيط في المستشفيات و المستوصفات إنسانيا، و إسلاميا الهيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى .. و على ذلك .. فلا بد من الإهتمام بالمحافظة على قواعد الشرع، و التوجيهات الواردة عن المعصومين- و قد تقدم بعضها- بدقة و أمانة في مختلف المظاهر و المجالات.
تمريض و معالجة الرجل للمرأة و العكس:
و يواجهنا هنا سؤال، و هو: هل للرجل أن يتولى علاج، و تمريض المرأة؟ و هل للمرأة ذلك بالنسبة للرجل أم لا، و إذا كان ذلك جائزا، فإلى أي مدى؟
و في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:
اننا إذا راجعنا أحاديث جواز النظر لكل من الرجل و المرأة إلى الآخر، مع الآية الكريمة الامرة بغض البصر من قبل كل منهما عن الآخر. فاننا نخرج بنتيجة: أن إختلاط الرجال بالنساء و عكسه، فضلا عن المعالجة و التمريض بالنظر أو باللمس أمر مرجوح و مرغوب عنه شرعا، و لكن لا بد لنا هنا من التكلم في ناحيتين:
الأولى: في مداواة المرأة للرجل. و نشير إلى:
1- اننا نجد في التاريخ: أنهم يذكرون: أن عددا من النساء كن يداوين المرضى و الجرحى، كما سنرى إن شاء اللّه.
[1]- الكافي ج 3 ص 138، و البحار ج 81 ص 230، و الوسائل ج 2 ص 595 و 671 و في هامشه عن التهذيب ج 1 ص 121 و قرب الإسناد ص 129.