عزّ و جلّ كان حقا على اللّه أن يعافيه منه[1]، و إن من مرض ليلة و لم يشك ما أصابه فيها إلى أحد كتب اللّه له عبادة ستين سنة[2]، و إن المريض في سجن اللّه ما لم يشك إلى عواده[3].
و قد مدح أمير المؤمنين (ع) رجلا، فكان مما قال: «و كان لا يشكو وجعا إلّا عند برئه»[4].
و عن علي (ع): «إخفاء الفاقة و الأمراض من المروءة»[5].
و هناك مضامين أخرى في هذا المجال، لا مجال لتتبعها، فلتراجع في مظانها[6].
[1]- الوسائل ج 2 ص 628 و في هامشه عن الخصال ج 2 ص 166 و البحار كتاب الإيمان و الكفر باب 12 حديث 54 و ج 81 ص 211 و 203 و ج 62 ص 287 عن الشهيد رحمه اللّه و عن معاني الأخبار و الخصال و غرر الحكم ج 2 ص 646 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 81 و ميزان الحكمة ج 9 ص 125.
[2]- مشكاة الأنوار ص 281 و الكافي ج 1 ص 115 و 116 و الوسائل ج 2 ص 627 و راجع البحار ج 81 ص 215 عن ثواب الأعمال ص 175.
[3]- مستدرك الوسائل ج 1 ص 81/ 82 عن الدعائم و البحار ج 81 ص 211 و في الهامش عن الدعائم ص 217 و عن النهج و بمعناه غيره فراجع البحار، فصل: عيادة المريض.
[4]- نهج البلاغة، قسم الحكم، الحكمة برقم 289 و البحار ج 81 ص 204/ 205.
[5]- غرر الحكم ج 1 ص 39.
[6]- المحاسن للبرقي ص 9، و البحار ج 76 ص 335 و ج 81 ص 203 و 208، و 206 و 177 عنه و عن دعوات الراوندي، و مجالس الصدوق ص 258/ 259، و مستدرك الوسائل ج 1 ص 81، و الوسائل ج 2 ص 628 و 627 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 9/ 10 و الكافي ج 1 ص 116 و 115 و مجمع الزوائد ج 2 ص 295 عن الطبراني، و الأوسط، و مستدرك الحاكم ج 1 ص 349 و تلخيصه للذهبي، بهامش نفس الصفحة؛ و الترغيب و الترهيب ج 4 ص 292 و غرر الحكم ج 2 ص 662.
و نريد أن نشير هنا: إلى أن هذه النصوص ناظرة إلى الكتمان الّذي يكون من أجل الإعتماد على كرم اللّه سبحانه، و ألطافه، و يعطي المريض دفعة روحية قوية، تكون ثمرتها القرب من درجة المتوكلين، الّتي هي من أعظم الدرجات. و الّتي يفوز من وصل إليها، و يرتاح و يسعد من حصل عليها ..
و أكثر من ذلك، فان الإنسان يصير مقتنعا تماما بأن اللّه وحده هو الّذي يملك النفع و الضرر. و هو الشفاء، و منه الشفاء، و به الشفاء. و أن كل من سواه لا يستطيعون بدونه حيلة، و لا يهتدون سبيلا.
نعم .. يمكن أن يكونوا واسطة لافاضة الخير من قبل اللّه تعالى، مالك كل شيء و خالقه ..
و لعل إلى هذا يشير ما ورد في النصوص المتقدمة من التأكيد على لزوم كون الشّكوى إلى اللّه سبحانه لا إلى غيره ..
فان ذلك ليس إلّا من أجل أن يمر هذا الإنسان بالتجربة الروحية الّتي تصهره في بوتقتها، و تنفي كل خبث عنه، و ليخرج بعد ذلك طاهرا مطهرا نقيا ..
و ما أحلى التجربة، و ما أنجحها و أنجعها في هذا الوقت الّذي يشعر فيه الإنسان بالضعف و بالحاجة، و يبقى ثلاثة أيام يعيش في الأجواء الإلهية؛ مع اللّه الغني و القوي و المالك لكل شيء .. و تكون ظروفه الخاصة هذه، و هذه الأجواء الّتي يعيشها سببا في أن يخرج من مرضه هذا بروحية جديدة، تؤثر على كل حالاته، و مجمل سلوكه تأثيرا قويا و بعيدا و شاملا في أحيان كثيرة. و لربما يعادل الرّقي الرّوحي و الإنساني الّذي يحصل عليه خلال ليلة واحدة فقط ما يحصل عليه من عبادة ستين سنة، كما جاء في الرواية ..
و بملاحظة النصوص الّتي وردت في هذا المجال نعرف: أن الشكوى الّتي ورد الترغيب في الإبتعاد عنها هي الشكوى الّتي تستبطن استدرار عطف المشكوّ إليه، نتيجة لشعوره بضعف الشاكي و عجزه، و اللّه لا يريد لعبده أن يكون ضعيفا و عاجزا إلّا أمام اللّه عزّ و جلّ ...
و من الجهة الأخرى، فان اللّه تعالى لا يريد لعبده أن يعتقد بأن غير اللّه تعالى يملك له شيئا من النفع أو الضر، فان هذا أمر مرغوب عنه و مرفوض، لأن اللّه وحده هو مالك كل شيء، و بيده النفع و الضرر، و هو الكبير المتعال ..
و كذلك .. فان الشكوى الّتي تستبطن استعظام الأمر الّذي نزل بالشاكي و اعتباره أن ذلك ينافي عدل اللّه سبحانه و تعالى و لطفه و رحمته .. إن هذه الشكوى مرغوب عنها شرعا، و مرفوضة جملة و تفصيلا، بل لا بد من الصبر و التسليم؛ فعن الصادق (ع): «من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها، و أدى إلى اللّه شكرها كانت له كفارة ستين سنة، قال: قلت: و ما قبلها بقبولها؟ قال صبر على ما كان فيها»[1].. و عنه (ع): «أيما رجل اشتكى، فصبر و احتسب، كتب اللّه له من الأجر أجر ألف شهيد»[2].. و عن النبي6، أنه قال:
«يكتب أنين المريض حسنات ما صبر، فان جزع كتب هلوعا»[3].
و ورد: أن الصادق (ع) سئل عن حد الشكاية للمريض، فقال: «إن الرجل يقول: حممت اليوم، و سهرت البارحة، و قد صدق، و ليس هذا
[1]- البحار ج 81 ص 205 و في الهامش عن ثواب الأعمال ص 175.
[2]- طب الأئمة ص 17 و البحار ج 81 ص 206 عنه و عن أعلام الدين.
[3]- البحار ج 81 ص 211 و في هامشه عن الدعائم ص 217.
شكاية، و إنّما الشكوى أن يقول: قد ابتليت بما لم يبتل به أحد، و يقول: لقد أصابني ما لم يصب أحدا»[1].
قال المجلسي رحمه اللّه تعالى: «هذا تفسير للشكاية الّتي تحبط الثواب، و إلّا فالأفضل: أن لا يخبر به أحدا، كما يظهر من الأخبار السابقة.
و يمكن حمله على الأخبار لغرض كإخبار الطّبيب مثلا»[2].
و قد ورد الحث على إخبار الطبيب بالمرض، و يكفي في ذلك ما تقدم مما يدل على لزوم التداوي، أضف إلى ذلك: ما روي عن علي (ع) من أنه قال: «من كتم مكنون دائه عجز طبيبه عن دوائه»[3].
و عنه (ع): «من كتم الأطباء مرضه خان بدنه»[4].
فالإخبار بالمرض لا يلازم الشكوى، كما دل عليه الخبر الآنف .. و قد تقدم أيضا: أن المريض في سجن اللّه ما لم يشك إلى عواده. و أن من مرض يوما و ليلة فلم يشك إلى عواده، بعثه اللّه يوم القيامة مع خليله إبراهيم. و أنه ما من عبد ابتليته ببلاء فلم يشك إلى عواده إلّا أبدلته لحما خيرا من لحمه[5]الخ .. و كل ذلك يدل على أن الاخبار بالمرض شيء، و الشّكوى المرغوب عنها شيء آخر .. و أما اختلاف الروايات في الترغيب بعدم الشكوى ليلة، أو
[1]- الكافي ج 3 ص 116 و مشكاة الأنوار ص 279 و راجع: البحار ج 81 ص 202 و في هامشه عن معاني الأخبار ص 142 و 253 و الوسائل ج 2 ص 631 و ميزان الحكمة ج 9 ص 126 عنه.
[2]- هامش الكافي ج 3 ص 116 عن مرآة العقول، و راجع: البحار ج 81 ص 202.
[3]( 3- 4) ميزان الحكمة ج 9 ص 126 عن غرر الحكم.
[4]( 3- 4) ميزان الحكمة ج 9 ص 126 عن غرر الحكم.
[5]- راجع المصادر المتقدمة من أول البحث عن شكوى المريض إلى عواده و حتى الآن لتجد هذه النصوص و غيرها ..
ثلاثة أيام، أو مطلقا، فيحمل على اختلاف درجات الفضل فيها ..
و أما رواية من كتم وجعا أصابه ثلاثة أيام الخ .. فيمكن أن يقال؛ إن المراد فيها، أن إخباره لأخوانه بعد الثلاثة يصير له فضل. أو أن المراد بالكتمان عدم الشكوى، لا عدم الإخبار بالمرض مطلقا؛ بقرينة قوله فيها، «و شكا إلى اللّه عزّ و جلّ» فتكون كغيرها من الروايات.
و أما الرواية الّتي تجعل كتمان المرض من كنوز البر، فلا بد و أن تحمل على ما ذكر أيضا. أو على صورة الشفاء السريع، حيث لا يطول المرض، أو على ما ذكره المجلسي آنفا ..
و يبقى أن نشير إلى أن ما ورد من قول الإمام الصادق (ع) للحسن بن راشد: «يا حسن إذا نزلت بك نازلة، فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف، و لكن اذكرها لبعض إخوانك، فانك لن تعدم خصلة من خصال أربع: أما كفاية، و أما معونة بجاه أو دعوة تستجاب، أو مشورة برأي»[1].
و كذا ما عن الصادق (ع): «من شكا إلى مؤمن فقد شكا إلى اللّه عزّ و جلّ، و من شكا إلى مخالف فقد شكا اللّه عزّ و جلّ»[2].
فان الظاهر هو أنها ناظرة إلى شكوى غير المرض، و حيث لا تستبطن الشكوى أيا من المعاني المرغوب عنها شرعا ..
و يشير إلى ذلك قوله: «أما كفاية» و ذلك لأن المرض لا تتأتى فيه
[1]- البحار ج 78 ص 265 عن التحف و ج 81 ص 207 عن كتاب الاخوان للصدوق ص 34، و الوسائل ج 2 ص 431 عنه و روضة الكافي ص 170 و الفصول المهمة ص 502، و تحف العقول ص 284.
[2]- الوسائل ج 2 ص 632 و البحار ج 81 ص 207 و معاني الأخبار ج 2 ص 387 و بمعناه عن قرب الإسناد ص 52 و راجع غرر الحكم ج 2 ص 683.
الكفاية، و أما ما بعد هذه الفقرة كالمعونة بالجاه مثلا فيمكن أن تتأتى فيه، بأن يستعمل نفوذه لإيصاله إلى الطبيب الفلاني، أو إدخاله المستشفى الفلاني، و ما أشبه ذلك بالنسبة للمشورة بالرأي و استجابة الدعاء، فالأمر فيهما واضح ...
و أما الحديث الثاني، فهو مطلق، و لعله يشير إلى ما تضمنه حديث الحسن بن راشد، لان السياق منسجم معه أكثر من غيره، حيث أن المريض قد منع من الشكوى حتّى إلى عواده، و ان كانوا من إخوانه، كما أشرنا إليه ..
عدم إسماع المريض التعوذ من البلاء:
و قد تقدم: أن محمد بن علي (ع) كان لا يسمع المبتلي التعوذ من البلاء، و تقدم ما يشير إلى الحكمة في ذلك حين الكلام على موضوع «الممرض في المستشفى».
عدم إطالة الجلوس عند المريض:
و ان عوارض المرض، و الحالات المتغيرة، الّتي تطرأ على المريض، لربما تفرض عليه أحيانا: أن يكون في وضع لا يرغب أن يراه عليه أحد ..
كما أن نفس الحالة العلاجية له لربما يكون اطلاع الغير عليها موجبا لتألم المريض نفسيا .. و إذا كانت العيادة ضرورية أيضا، فوجه الجمع هو عدم إطالة مكث العائد عند المريض حتّى لا يزيد في إحراجه، أو في ألمه النفسي.
و من هنا .. فقد ورد عنهم (ع) استحباب عدم إطالة الجلوس عند المريض، حتّى عبر عنها الإمام الصادق (ع)- كما روي- بقوله:
«العيادة قدر فواق ناقة»[1]أي حلبها.
و عن النّبي6: «أعظم العيادة أجرا أخفها»[2]و في نص آخر عنه6: «خير العيادة أخفها»[3].
و عن أمير المؤمنين (ع)، قوله: «إن من أعظم العواد أجرا لمن إذا عاد أخاه خفف الجلوس إلّا إذا كان المريض يحب ذلك و يريده، و يسأله ذلك» الخ. و في معناه غيره[4].
فانه إذا كان المريض يريد ذلك، فان الإستجابة له يكون فيها تقرب إلى اللّه تعالى من جهة، كما أن طلبه هذا .. يكشف عن عدم وجود ما يحتمل أن يكون موجبا للحرج بالنسبة إليه .. من جهة أخرى ..
وضع اليد على المريض، و الجلوس عند رأسه:
و لعل لأجل أن يطمئن المريض إلى أنه لا يزال مقبولا لدى الآخرين، و لا تنفر النفوس منه، و كذلك الحال بالنسبة للعائد نفسه ... نلاحظ: أن ثمة أوامر بوضع العائد يده على المريض، و اعتبر أن الّذي يخالف ذلك يكون من الحمقى، و عيادة الحمقى أشد على المريض من وجعه، حيث يتسبب الأحمق بكثير من الآلام النفسية للمريض، بسبب تصرفاته غير اللائقة، و المشعرة
[1]- الكافي ج 1 ص 117/ 118 و الوسائل ج 2 ص 642 و نقله في ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25155 و لكن عبارته هكذا: العيادة فاق ناقة.
[2]- ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25149.
[3]- ميزان الحكمة ج 9 ص 129 عن كنز العمال الحديث رقم 25139.
[4]- راجع الوسائل ج 2 ص 642، و الكافي ج 3 ص 118/ 119 و قرب الإسناد ص 8 و البحار ج 81 ص 214 و 227 و سفينة البحار ج 2 ص 285 و مجمع الزوائد ج 2 ص 296 عن البزار و مصنف عبد الرزاق ج 3 ص 594 و كشف الاستار ج 1 ص 369.
للمريض بضعفه و نقصه ..
و قد ذكر البعض: أن النبي6كان إذا عاد مريضا وضع يده على جبهته، و ربما وضعها بين ثدييه، و يدعو له[1].
و قد روي عن أبي عبد اللّه (ع): «تمام العيادة للمريض: أن تضع يدك على ذراعه و تعجّل القيام من عنده، فان عيادة النوكى أشد على المريض من وجعه»[2]..
و فهم الشهيد رحمه اللّه: أن وضع اليد على ذراعه و هو حال الدعاء له[3].
و لكن قد ورد عن أمير المؤمنين (ع)، قوله: «من تمام العيادة للمريض أن يضع العائد إحدى يديه على الأخرى، أو على جبهته»[4]. و فهم المجلسي رحمه اللّه: أن المقصود هو أن يضع العائد يده على جبهة نفسه، و احتمل أن يكون ذلك لأجل إظهار الحزن و التأسف على مرضه، كما هو الشايع، فلا يبعد أن يكون ذكرهما على سبيل المثال[5]..
و لكن الأظهر هو ما تقدم من أنه يضع يده على المريض نفسه، أو على ذراعه ... (و ذكر الذراع للمثال على الظاهر) .. و يمكن حمل هذه الرواية
[1]- الطب النبوي لإبن القيم ص 92 و راجع البخاري، المرضى 13.
[2]- الكافي ج 3 ص 118 و الوسائل ج 2 ص 642 و البحار ج 81 ص 227 و في هامشه عن مكارم الأخلاق ص 415.
[3]- البحار ج 81 ص 227 عن الدروس.
[4]- قرب الإسناد ص 8 و سفينة البحار ج 2 ص 285 و الكافي ج 3 ص 119 و الوسائل ج 2 ص 642 و البحار ج 81 ص 214.
[5]- البحار ج 81 ص 214.