الطب، إلى أن حل محله الكتب الطبيّة العصرية الّتي ظهرت في القرن التاسع عشر»[1].
أما محمد الخليلي، فيقول: انه قد نشر من كتاب القانون طبعة عربية في روما سنة 1593 م و في بولاق مصر سنة 1877 م و في الهند سنة 1323 م.
و ظهرت له في أوروبا عدة شروح، و ترجمت أجزاء أخرى منه إلى اللغة الإفرنسية و الإلمانية، و الإنجليزية، و غيرها من لغات أوروبا، كما ترجمت إلى التركية، و الفارسية.
و بالجملة: فقد كان القانون من أجل الكتب الّتي تدرس في جامعتي (مونبليه) و (لوفان) إلى أواسط القرن السابع عشر، كما كان البرنامج الطبّي في قينا سنة 1520 م و في فرنكفورت سنة 1558 م أكثره على القانون، و على المنصوري.
قال العلامة ساربوري في كتابه: تاريخ العلم: كان كتاب القانون ذلك المعلم الطبّي العظيم توراة الطب، أي دستوره المقدس.
و قال الدكتور (ماكس مايرهوف) في كتابه: تراث الإسلام: ان إبن سينا قد جمع في قانونه تراث اليونان إلى اختبار العرب، فكان أسمى ما بلغه من التنظيم العلمي العربي. ثم قال في موضع آخر: و المرجح أنه لم يوضع في تاريخ الطب كتاب عنى العلماء بدراسته كهذا الكتاب، أي القانون.
و لكن منذ القرن السابع عشر إلى التاسع عشر وضعت كتب افرنجية زاحمت القانون في نفوذه، و ان كان تأثيره لم ينقطع تماما ...[2]انتهى.
[1]- المصدر السابق ص 194.
[2]- راجع: معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 116.
و الخلاصة: أن أوروبا قد ظلت قرونا عديدة و كتب الشيخ الرئيس مرجعها الوحيد في الدراسة الطبيّة و الفلسفيّة[1]. و كان إبن سينا يلقب في أوروبا بملك الأطباء، و ظل كتابه يدرس إلى سنة 1650 م في جامعة (لوون) في بلجيكا، (و مونبليه) في فرنسا[2]..
و يقول فيليب حتي عن كتاب «الملكي» لعلي بن العباس: «أنه الكتاب الوحيد الّذي نقله الصليبيون إلى اللغة اللاتينية. و قد ظل كتابا مدرسيا في الشرق و الغرب إلى ان حل محله الكتاب الذي وضعه إبن سينا، و هذا أشبه بموسوعة طبية»[3].
و يذكر گوستاف لوبون: أن كتاب الملكي قد ترجم سنة 1127 و طبع في سنة 1523 م[4].
كما أن كتاب الحاوي للرازي قد ترجم إلى اللاتينية، و طبع مرارا «يستعمل ككتاب مدرسي في المعاهد الطبيّة الاوروبية، ان علم الرازي و فضله على العلوم الطبيّة يرفعان من قدره، و يجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة ..»[5].
و على كل حال .. فان كتب الرازي قد بقيت مدة طويلة جزءا من الكتب الدراسية حتى القرن السابع عشر. و كذلك كتب إبن سينا، و يوجد بها فرمان
[1]- المصدر السابق ج 1 ص 115.
[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 569.
[3]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 193 و راجع: تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 199.
[4]- تمدن إسلام و عرب ص 611.
[5]- راجع: موجز تاريخ الشرق الادنى ص 193.
لمدرسة دار الفنون مؤرخ في سنة 1617 م[1].
و لم يقتصر الأمر على كتاب الحاوي من مصنفات الرازي؛ بل ان اكثر مصنفاته قد ترجمت إلى اللاتينية و طبعت مرارا ابتداء من سنة 1509 م[2].
أما گوستاف لوبون فقد أجمل ما تقدم بقوله: «لقد ترجمت كتب إبن سينا إلى مختلف لغات الدنيا، و بقيت حوالي ستة قرون تعتبر اصول و مباني الطب، كما أن مدارس الطب، و خصوصا دار الفنون في فرنسا و إيطاليا كانت تقتصر على تدريس كتبه، و لم يمض خمسون سنة، على خروج كتبه من الدراسة في فرنسا ...
و لا يقصر عن ذلك اهتمام الاوروبيين بكتب الرازي ترجمة و تدريسا.
و هناك كتب إبن رشد الطبيّة الّتي طبعت مرارا في أوروبا، و كذلك كتاب علي ابن عباس ...
و اكثر من ذلك، فان كل الجراحين الّذين جاؤوا بعد القرن الرابع عشر للميلاد قد اعتمدوا- كما يقول هالر- على كتب الزهراوي الاندلسي (المعروف بالبقاسس) المتوفي سنة 1107 م، صاحب كتاب: التصريف لمن عجز عن التأليف، و قد اخترع هذا العالم بنفسه كثيرا من آلات الجراحة، و بحث عن تفتيت الحصاة بشكل كامل، مع أن هذا يعد «غلطا» من الأعمال الجديدة، و أول طبعة لكتابه باللاتينية كانت سنة 1497 و آخرها سنة 1861 م، الخ كلامه[3].
[1]- راجع: تمدن إسلام و عرب ص 610.
[2]- المصدر السابق ...
[3]- تمدن إسلام و عرب ص 609- 614 بتصرف و تلخيص ..
و هناك أيضا كتاب التيسير لابن زهر الاندلسي، الذي عاش في القرن السادس للهجرة، و قد استفاد منه الافرنج في نهضتهم الحديثة[1]و يقول بروكلمان عن كتاب الزهراوي المنسوب إلى الزهراء ضاحية في قرطبة، و المتوفي سنة 1023: «و الحق أن الاجيال التالية احتفلت احتفالا خاصا بالجزء المفرد للجراحة في هذا الكتاب بما يشتمل عليه من وصف مفصل للالات الجراحية، فنقل إلى اللاتينية في القرن الخامس عشر، و نشر في طبعات عدة»[2].
هذا .. و بمراجعة بسيطة إلى لوائح مؤلفات الأطباء المسلمين و الفروع الّتي تطرقوا إليها يعرف إلى أي حد بلغ الطب عندهم في تشعباته و فروعه المختلفة ... و يكفي أن نذكر أن البعض يعتبر أنه بعد أن شرع المسلمون يعملون مستقلين، برز عطاؤهم المبتكر بصورة خاصة في حقل التطبيب، و في الرياضيات و الجغرافيا[3].
و قد فاته أنهم قد برز عطاؤهم المبتكر في غير ذلك من العلوم أيضا كالكيمياء و غيرها، و قد يكون من بينها ما أبدعوا فيه أكثر من ابداعهم في هذه العلوم الّتي أشار إليها.
و أخيرا ... فان گوستاف لوبون يقول: بما أن الكتب الطبيّة العربية قد ترجمت عموما إلى اللغات الاوروبية، فانها لم تتعرض للضياع كثيرا، كما كان الحال بالنسبة لسائر الكتب[4].
[1]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 200.
[2]- تاريخ الشعوب الإسلامية ص 314.
[3]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 191.
[4]- تمدن إسلام و عرب ص 608.
و لكن الحقيقة هي: أن من يراجع كتب الموسوعات و التراجم يجد أسماء آلاف من الكتب الطبيّة فيها- و هم لم يذكروا إلّا قسما محدودا منها- و لم يوجد لها في هذه الأيام عين و لا أثر، فليراجع على سبيل المثال: كتاب: كشف الظنون، و عيون الانباء، و تاريخ الحكماء، و الفهرست لابن النديم و غيرها ليجد أن معظم الكتب الطبيّة الإسلامية و لا تعرف إلّا اسماء عدد محدود منها.
بعض منجزات المسلمين الطبيّة:
انه لا ريب في أن الطب كان يعتبر في شرق البلاد الإسلامية و غربها من أرفع العلوم شأنا، و أسماها مقاما، كما أشار إليه البعض[1].
كما أنه لا ريب في أن للمسلمين بحوثا عميقة في الطب، و حصلوا على نتائج كبيرة فيه[2]و قد طوروا علم الطب، و فن الجراحة إلى أعلى الدرجات[3].
و بقيت أوروبا تعتمد على تصانيفهم في الجراحة حتى الأزمنة المتأخرة، و كذا استعمالهم البنج في الجراحة، و غير ذلك كثير ... و قد اكتشفوا الكثير من المعالجات الّتي لا تزال متداولة إلى اليوم[4].
كما أن الرازي هو أول من استعمل السبيرتو، و الفتيلة ذات الطرفين في معالجة الجراح، كما أنه أول من استعمل الماء البارد في الحمى الدائمة[5].
[1]- تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 314.
[2]- تمدن إسلام و عرب ص 608.
[3]- مختصر تاريخ العرب ص 283. و تمدن إسلام و عرب ص 616.
[4]- راجع: تمدن إسلام و عرب ص 616.
[5]- تمدن إسلام و عرب ص 609.
قال محمد الخليلي عن الرازي: «هو أول من اكتشف زيت الزاج المسمى اليوم حامض الكبريتيك، و يدعى في اللغة العربية الزاج الأخضر، و كان قبلا يسمى زيت الرازي، و قد استخرجه من كبريتات الحديد، و طريقة استعماله لا تزال مستعملة كما هي، و هو أول من استخرج الكحول «أي السبيرتو»، و استحضرها من المواد النشوية و السكرية المختمرة: و هو أول من عرف الجدري و عزل المصابين به في مستشفاه، و أمر بعزلهم في البيوت. و هو أول من عرف الأمراض السارية، و هو أول من اخترع الخلال المعروف عند أطباء العرب، و هو أن يثقب الجلد، و يمرر فيه خيط غليظ ليسيل الصديد من الدنبلة، أو أي ورم آخر ... انتهى»[1].
و على كل حال فان في اكتشاف الرازي للسبيرتو، و أسيد السولفوريك يكون قد أسدى خدمة جلى للطب[2].
أما الفتائل ذات الطرفين، و المشار إليها آنفا، فانها كانت لا تزال مستعملة إلى أواسط النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري.
كما أن الرازي هو أول من شرح تشعبات الأعصاب في الرأس و الرقبة بشكل واف و واضح، و هو أول من أجرى عملية خياطة جرح المعدة بواسطة المصران المعوج في الغنم، كما أنه أول من اكتشف الطب المفصلي، و استعمل القطن[3].
و يقول فيليب حتي: «... و قد ألف الرازي أقدم كتاب طبي يميز فيه سريريا بين الحصبة و الجدري، و لسنا نعلم: أن الاغريق أو غيرهم من
[1]- معجم ادباء الأطباء ج 2 ص 74.
[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 414.
[3]- راجع: تاريخ طب در إيران ج 2 ص 428 و 421.
الشعوب توصل إلى هذه المعرفة قبل عهد الرازي»[1].
و يضيف: «أن علم الرازي و فضله على العلوم الطبيّة يرفعان من قدره و يجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة»[2].
و لست أدري أين هؤلاء العظماء الخلاقون في أوروبا الوسيطة؟! و هل كان في أوروبا آنذاك عظيم؟! أو ليست أوروبا لا تزال تعتمد على علم الرازي و أمثاله من علماء المسلمين حتى الامس القريب؟! ..
أو ليس يقولون؟ ان محمد بن أحمد الحتاتي الذي نشأ في القاهرة، و المتوفي سنة 1052 ه قد: «رحل إلى الروم، و مكث بها مدة طويلة، و لم يسعفه الدهر بما يروم، فتنقل في المدارس حتى صار رئيس الأطباء في اسكى سرايا ثم رجع إلى القاهرة؟[3]».
و يدعى فيليب حتي: أن من مبتكرات كتاب الملكي لعلي بن العباس «اشارة إلى وجود الحركة الدموية الشعرية، و إلى أن الطفل عند الولادة لا يخرج من تلقاء نفسه، بل بفضل تقلصات عضلية الرحم»[4].
و قد فاته أن الحقيقة هي: أن الإمام الصادق (ع) هو أول من نبه إلى حقيقة الدورة الدموية و شرحها و أوضحها بشكل واف و كامل، كما أثبته محمد الخليلي في كتابه: «طب الإمام الصادق (ع)»[5]و قرر أنه قد سبق هارفي،
[1]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 192، و راجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203.
[2]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193.
[3]- معجم أدباء الأطباء ج 2 ص 55 تأليف محمد الخليلي.
[4]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193.
[5]- طب الإمام الصادق( ع) ص 30/ 31.
الذي لا يزال الكثيرون يهللون و يكبرون و يهتفون بإسمه على أنه هو مكتشف الدورة الدموية، و قد سبق بها غيره ...
المنجزات الطبيّة لابن سينا:
و عن إبن سينا و قانونه في الطب، نجدهم يقولون: «ان من حسنات هذا الكتاب: أنه يميز بين التهاب المنصف الصدري (الحيزوم) و بين ذات الجنب، و ينص كذلك على أن السحاق ينتقل بالعدوى، و أن عدوى الأمراض تسري بواسطة الماء و التراب»[1].
قال الأستاذ محمد الخليلي: «لقد امتاز الرئيس إبن سينا على أبقراط و أرسطو و جالينوس بدقته في مناقشة الحالات المرضية، و مهارته في فن التشخيص، و مبحث أسباب الأمراض.
فهو أول من وصف الإلتهاب السحائي، أي البرسام الحاد، و ميزه عن سائر الأمراض الحادة المصحوبة بالهذيان. و قد كان ذلك يشتبه على اليونانيين، و هو أول من أوضح أن التهاب البلورا «ذات الجنب»، و التهاب الرئة «ذات الرئة» قد تنتج عنهما أعراض سر سامية، و أن التهاب السحايا في تلك الحالات يعتبر نذيرا بالموت.
و هو أول من أجاد في شرح أمراض الجهاز التنفسي، و أتقن وصف الأمراض العصبية. و له الفضل في إبتكار كثير من طرق العلاج النفساني.
و هو أول من اختص بالقول: بأن الحصبة اكثر ما تكون عدواها في الربيع و الخريف، و أنها اكثر وقوعا في هذين الفصلين، و أن الاطفال اكثر اصابة بهما. و هو أول من وصف علاج البواسير بالشق.
[1]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 194.