كما أننا نجد: أن بغداد مقر الخلافة العبّاسية لم تعد هي المركز الطبّي الوحيد، فان انقسام الدولة الإسلامية إلى ممالك صغيرة مستقلة قد حمل معه ظاهرة تكون مراكز كثيرة للعلوم الطبية في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، كغزنة، و القيروان، و مصر و غيرها؛ الأمر الذي هيأ الجو لظهور نوابغ في هذا العلم في مختلف أرجاء الدولة الإسلامية ... و مهد السبيل لتخرج أعداد هائلة من الأطباء من مختلف الاختصاصات. و من ثم إنتاج أعداد ضخمة جدا من المؤلفات في هذا العلم، لم يستطع المؤلفون في التراجم و الموسوعات حتى احصاء اسمائها، مع شدة عنايتهم بذلك، و اصرارهم عليه .. و على مؤلفات المسلمين، و منجزاتهم العلمية كانت النهضة الطبيّة المعاصرة، كما سنشير إليه ... و نستطيع أن نجمل مظاهر الحضارة الإسلامية في المجال الطبّي و أثر المسلمين في النهضة الطبيّة الكبرى في العناوين و البحوث التّالية:
المؤلفات الطبيّة، و أثرها في النهضة الأخيرة:
يقول الدكتور فيليب حتي: «في القرن العاشر للميلاد ظهر أطباء مسلمون من المرتبة العالية أغنوا بمؤلفاتهم التراث الطبّي في الشرق و في الغرب؛ و كان معظم أولئك الأطباء من الفرس إنما كانوا يؤلفون كتبهم باللغة العربية»[1].
و عن كتاب القانون لابن سينا يقول: «و قد ترجمه إلى اللاتينية جرارد الكرموني في طليطلة في القرن الثاني عشر، فاحتل بذلك محل الكتب المدرسية الطبيّة السابقة، و ظل كتابا مدرسيا قرونا عديدة.
أما في الشرق فقد ظل كتاب القانون في الطب المرجع الأوحد في
[1]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 192.
الطب، إلى أن حل محله الكتب الطبيّة العصرية الّتي ظهرت في القرن التاسع عشر»[1].
أما محمد الخليلي، فيقول: انه قد نشر من كتاب القانون طبعة عربية في روما سنة 1593 م و في بولاق مصر سنة 1877 م و في الهند سنة 1323 م.
و ظهرت له في أوروبا عدة شروح، و ترجمت أجزاء أخرى منه إلى اللغة الإفرنسية و الإلمانية، و الإنجليزية، و غيرها من لغات أوروبا، كما ترجمت إلى التركية، و الفارسية.
و بالجملة: فقد كان القانون من أجل الكتب الّتي تدرس في جامعتي (مونبليه) و (لوفان) إلى أواسط القرن السابع عشر، كما كان البرنامج الطبّي في قينا سنة 1520 م و في فرنكفورت سنة 1558 م أكثره على القانون، و على المنصوري.
قال العلامة ساربوري في كتابه: تاريخ العلم: كان كتاب القانون ذلك المعلم الطبّي العظيم توراة الطب، أي دستوره المقدس.
و قال الدكتور (ماكس مايرهوف) في كتابه: تراث الإسلام: ان إبن سينا قد جمع في قانونه تراث اليونان إلى اختبار العرب، فكان أسمى ما بلغه من التنظيم العلمي العربي. ثم قال في موضع آخر: و المرجح أنه لم يوضع في تاريخ الطب كتاب عنى العلماء بدراسته كهذا الكتاب، أي القانون.
و لكن منذ القرن السابع عشر إلى التاسع عشر وضعت كتب افرنجية زاحمت القانون في نفوذه، و ان كان تأثيره لم ينقطع تماما ...[2]انتهى.
[1]- المصدر السابق ص 194.
[2]- راجع: معجم أدباء الأطباء ج 1 ص 116.
و الخلاصة: أن أوروبا قد ظلت قرونا عديدة و كتب الشيخ الرئيس مرجعها الوحيد في الدراسة الطبيّة و الفلسفيّة[1]. و كان إبن سينا يلقب في أوروبا بملك الأطباء، و ظل كتابه يدرس إلى سنة 1650 م في جامعة (لوون) في بلجيكا، (و مونبليه) في فرنسا[2]..
و يقول فيليب حتي عن كتاب «الملكي» لعلي بن العباس: «أنه الكتاب الوحيد الّذي نقله الصليبيون إلى اللغة اللاتينية. و قد ظل كتابا مدرسيا في الشرق و الغرب إلى ان حل محله الكتاب الذي وضعه إبن سينا، و هذا أشبه بموسوعة طبية»[3].
و يذكر گوستاف لوبون: أن كتاب الملكي قد ترجم سنة 1127 و طبع في سنة 1523 م[4].
كما أن كتاب الحاوي للرازي قد ترجم إلى اللاتينية، و طبع مرارا «يستعمل ككتاب مدرسي في المعاهد الطبيّة الاوروبية، ان علم الرازي و فضله على العلوم الطبيّة يرفعان من قدره، و يجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة ..»[5].
و على كل حال .. فان كتب الرازي قد بقيت مدة طويلة جزءا من الكتب الدراسية حتى القرن السابع عشر. و كذلك كتب إبن سينا، و يوجد بها فرمان
[1]- المصدر السابق ج 1 ص 115.
[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 569.
[3]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 193 و راجع: تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 199.
[4]- تمدن إسلام و عرب ص 611.
[5]- راجع: موجز تاريخ الشرق الادنى ص 193.
لمدرسة دار الفنون مؤرخ في سنة 1617 م[1].
و لم يقتصر الأمر على كتاب الحاوي من مصنفات الرازي؛ بل ان اكثر مصنفاته قد ترجمت إلى اللاتينية و طبعت مرارا ابتداء من سنة 1509 م[2].
أما گوستاف لوبون فقد أجمل ما تقدم بقوله: «لقد ترجمت كتب إبن سينا إلى مختلف لغات الدنيا، و بقيت حوالي ستة قرون تعتبر اصول و مباني الطب، كما أن مدارس الطب، و خصوصا دار الفنون في فرنسا و إيطاليا كانت تقتصر على تدريس كتبه، و لم يمض خمسون سنة، على خروج كتبه من الدراسة في فرنسا ...
و لا يقصر عن ذلك اهتمام الاوروبيين بكتب الرازي ترجمة و تدريسا.
و هناك كتب إبن رشد الطبيّة الّتي طبعت مرارا في أوروبا، و كذلك كتاب علي ابن عباس ...
و اكثر من ذلك، فان كل الجراحين الّذين جاؤوا بعد القرن الرابع عشر للميلاد قد اعتمدوا- كما يقول هالر- على كتب الزهراوي الاندلسي (المعروف بالبقاسس) المتوفي سنة 1107 م، صاحب كتاب: التصريف لمن عجز عن التأليف، و قد اخترع هذا العالم بنفسه كثيرا من آلات الجراحة، و بحث عن تفتيت الحصاة بشكل كامل، مع أن هذا يعد «غلطا» من الأعمال الجديدة، و أول طبعة لكتابه باللاتينية كانت سنة 1497 و آخرها سنة 1861 م، الخ كلامه[3].
[1]- راجع: تمدن إسلام و عرب ص 610.
[2]- المصدر السابق ...
[3]- تمدن إسلام و عرب ص 609- 614 بتصرف و تلخيص ..
و هناك أيضا كتاب التيسير لابن زهر الاندلسي، الذي عاش في القرن السادس للهجرة، و قد استفاد منه الافرنج في نهضتهم الحديثة[1]و يقول بروكلمان عن كتاب الزهراوي المنسوب إلى الزهراء ضاحية في قرطبة، و المتوفي سنة 1023: «و الحق أن الاجيال التالية احتفلت احتفالا خاصا بالجزء المفرد للجراحة في هذا الكتاب بما يشتمل عليه من وصف مفصل للالات الجراحية، فنقل إلى اللاتينية في القرن الخامس عشر، و نشر في طبعات عدة»[2].
هذا .. و بمراجعة بسيطة إلى لوائح مؤلفات الأطباء المسلمين و الفروع الّتي تطرقوا إليها يعرف إلى أي حد بلغ الطب عندهم في تشعباته و فروعه المختلفة ... و يكفي أن نذكر أن البعض يعتبر أنه بعد أن شرع المسلمون يعملون مستقلين، برز عطاؤهم المبتكر بصورة خاصة في حقل التطبيب، و في الرياضيات و الجغرافيا[3].
و قد فاته أنهم قد برز عطاؤهم المبتكر في غير ذلك من العلوم أيضا كالكيمياء و غيرها، و قد يكون من بينها ما أبدعوا فيه أكثر من ابداعهم في هذه العلوم الّتي أشار إليها.
و أخيرا ... فان گوستاف لوبون يقول: بما أن الكتب الطبيّة العربية قد ترجمت عموما إلى اللغات الاوروبية، فانها لم تتعرض للضياع كثيرا، كما كان الحال بالنسبة لسائر الكتب[4].
[1]- تاريخ التمدن الإسلامي، المجلد الثاني ص 200.
[2]- تاريخ الشعوب الإسلامية ص 314.
[3]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 191.
[4]- تمدن إسلام و عرب ص 608.
و لكن الحقيقة هي: أن من يراجع كتب الموسوعات و التراجم يجد أسماء آلاف من الكتب الطبيّة فيها- و هم لم يذكروا إلّا قسما محدودا منها- و لم يوجد لها في هذه الأيام عين و لا أثر، فليراجع على سبيل المثال: كتاب: كشف الظنون، و عيون الانباء، و تاريخ الحكماء، و الفهرست لابن النديم و غيرها ليجد أن معظم الكتب الطبيّة الإسلامية و لا تعرف إلّا اسماء عدد محدود منها.
بعض منجزات المسلمين الطبيّة:
انه لا ريب في أن الطب كان يعتبر في شرق البلاد الإسلامية و غربها من أرفع العلوم شأنا، و أسماها مقاما، كما أشار إليه البعض[1].
كما أنه لا ريب في أن للمسلمين بحوثا عميقة في الطب، و حصلوا على نتائج كبيرة فيه[2]و قد طوروا علم الطب، و فن الجراحة إلى أعلى الدرجات[3].
و بقيت أوروبا تعتمد على تصانيفهم في الجراحة حتى الأزمنة المتأخرة، و كذا استعمالهم البنج في الجراحة، و غير ذلك كثير ... و قد اكتشفوا الكثير من المعالجات الّتي لا تزال متداولة إلى اليوم[4].
كما أن الرازي هو أول من استعمل السبيرتو، و الفتيلة ذات الطرفين في معالجة الجراح، كما أنه أول من استعمل الماء البارد في الحمى الدائمة[5].
[1]- تاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان ص 314.
[2]- تمدن إسلام و عرب ص 608.
[3]- مختصر تاريخ العرب ص 283. و تمدن إسلام و عرب ص 616.
[4]- راجع: تمدن إسلام و عرب ص 616.
[5]- تمدن إسلام و عرب ص 609.
قال محمد الخليلي عن الرازي: «هو أول من اكتشف زيت الزاج المسمى اليوم حامض الكبريتيك، و يدعى في اللغة العربية الزاج الأخضر، و كان قبلا يسمى زيت الرازي، و قد استخرجه من كبريتات الحديد، و طريقة استعماله لا تزال مستعملة كما هي، و هو أول من استخرج الكحول «أي السبيرتو»، و استحضرها من المواد النشوية و السكرية المختمرة: و هو أول من عرف الجدري و عزل المصابين به في مستشفاه، و أمر بعزلهم في البيوت. و هو أول من عرف الأمراض السارية، و هو أول من اخترع الخلال المعروف عند أطباء العرب، و هو أن يثقب الجلد، و يمرر فيه خيط غليظ ليسيل الصديد من الدنبلة، أو أي ورم آخر ... انتهى»[1].
و على كل حال فان في اكتشاف الرازي للسبيرتو، و أسيد السولفوريك يكون قد أسدى خدمة جلى للطب[2].
أما الفتائل ذات الطرفين، و المشار إليها آنفا، فانها كانت لا تزال مستعملة إلى أواسط النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري.
كما أن الرازي هو أول من شرح تشعبات الأعصاب في الرأس و الرقبة بشكل واف و واضح، و هو أول من أجرى عملية خياطة جرح المعدة بواسطة المصران المعوج في الغنم، كما أنه أول من اكتشف الطب المفصلي، و استعمل القطن[3].
و يقول فيليب حتي: «... و قد ألف الرازي أقدم كتاب طبي يميز فيه سريريا بين الحصبة و الجدري، و لسنا نعلم: أن الاغريق أو غيرهم من
[1]- معجم ادباء الأطباء ج 2 ص 74.
[2]- تاريخ طب در إيران ج 2 ص 414.
[3]- راجع: تاريخ طب در إيران ج 2 ص 428 و 421.
الشعوب توصل إلى هذه المعرفة قبل عهد الرازي»[1].
و يضيف: «أن علم الرازي و فضله على العلوم الطبيّة يرفعان من قدره و يجعلانه يحتل مرتبة بين عظماء المفكرين الخلاقين في أوروبا الوسيطة»[2].
و لست أدري أين هؤلاء العظماء الخلاقون في أوروبا الوسيطة؟! و هل كان في أوروبا آنذاك عظيم؟! أو ليست أوروبا لا تزال تعتمد على علم الرازي و أمثاله من علماء المسلمين حتى الامس القريب؟! ..
أو ليس يقولون؟ ان محمد بن أحمد الحتاتي الذي نشأ في القاهرة، و المتوفي سنة 1052 ه قد: «رحل إلى الروم، و مكث بها مدة طويلة، و لم يسعفه الدهر بما يروم، فتنقل في المدارس حتى صار رئيس الأطباء في اسكى سرايا ثم رجع إلى القاهرة؟[3]».
و يدعى فيليب حتي: أن من مبتكرات كتاب الملكي لعلي بن العباس «اشارة إلى وجود الحركة الدموية الشعرية، و إلى أن الطفل عند الولادة لا يخرج من تلقاء نفسه، بل بفضل تقلصات عضلية الرحم»[4].
و قد فاته أن الحقيقة هي: أن الإمام الصادق (ع) هو أول من نبه إلى حقيقة الدورة الدموية و شرحها و أوضحها بشكل واف و كامل، كما أثبته محمد الخليلي في كتابه: «طب الإمام الصادق (ع)»[5]و قرر أنه قد سبق هارفي،
[1]- موجز تاريخ الشرق الادنى ص 192، و راجع تاريخ التمدن الإسلامي المجلد الثاني ص 203.
[2]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193.
[3]- معجم أدباء الأطباء ج 2 ص 55 تأليف محمد الخليلي.
[4]- موجز تاريخ الشرق الأدنى ص 193.
[5]- طب الإمام الصادق( ع) ص 30/ 31.