إلي فقال: أتأذن يا أبا محمد؟ قلت: جعلت فداك، إنما أنا لك، فاصنع ما شئت، فغمزني بيده، حتى أرش هذ»[1].
طبيعية قوانين الإسلام:
و نحن لا نريد أن ندعي هنا: أن شمولية الإسلام هذه قائمة على أساس النّص الصّريح على كل كلية و جزئية، فان ذلك أمر متعسر بل متعذر ... و إنّما تكمن شموليته في كونه قد نظر إلى الإنسان، و أحواله، و أوضاعه نظرة واعية تتسم بالشّمول و الدّقة، فقد لاحظ:
أولا: شؤونه الثّابتة الّتي لا يطرأ عليها تغيير و لا تبديل في أي من الظروف و الأحوال، فوضع لها قوانين ثابتة، و أنظمة محددة ... و ذلك من قبيل قوانين الإرث، و الزواج، و الطّلاق، و نحوها ... و يمكن أن يدخل في ذلك جميع الأحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الأولية، حسب الاصطلاح الاصولي.
ثم لاحظ:
ثانيا: الشّؤون الّتي يطرأ عليها التغيير و التبديل، و لا يمكن أن تكون في اطار ضابطة معينة و ثابتة، فجعل أصولا و قواعد عامة، يجري التغيير و التبديل في نطاقها.
فهذه القوانين و الضوابط ثابتة، و المتغير هو ما تنطبق عليه تلك القواعد و الأصول.
و يمكن أن يدخل في هذا الإطار سائر الموضوعات الّتي تعرض لها العناوين الثانوية، حسب الإصطلاح الأصولي.
[1]- الوسائل ج 19 ص 272 حديث 1.
و من هنا ... فقد كان للإسلام مرونة خاصة بالنسبة لموقفه من الثقافات و العلوم التي تفيد المجتمع الاسلامي، و بالنسبة لشؤون الإدارة الدّاخلية، و شؤون الأمن في البلاد الإسلامية، تبعا للضرورات الّتي تفرضها الظروف و الأحوال الطارئة و المتغيرة.
و قد أعطى ذلك للإسلام قدرة خاصة على استيعاب كل جديد، و على أن يساير التطورات الحضارية المختلفة على مرّ العصور، و على اتخاذ الموقف المناسب في الظروف و الأحوال و المتغيرات باستمرار، و لسوف يبقى محتفظا بهذه القدرة مستقبليا أيضا ... فهو القانون الوحيد، الّذي يستطيع أن يكون إنسانيا، و حضاريا و عالميا، و أبديا.
الفقيه ... و غيره الفقيه:
1- أما وظيفة الفقيه فليست إلا الكشف عن الأحكام الإلهية الثابتة لموضوعاتها، و تطبيق القواعد و الكليات الثابتة على مصاديقها المتحولة المتغيرة فالفقيه لا يجعل الأحكام الشرعية، و إنّما هو يكشف عنها، أو يطبق القاعدة على موردها.
2- هذا ... و لا شك في أن الفطرة و العقل و العقلاء يحكمون على من ليس له قدرة الكشف و التطبيق هذه- حيث لا يمكن الإحتياط[1]و لا يمكن العمل به- بالرجوع إلى الّذي يملك هذه القدرة، و يمارسها فعلا ... لانه هو المتخصص في هذه الجهة، و له خبرات تؤهله لان يكون مرجعا لمن يفقد هذه الخبرات تماما ... كذلك الّذي يراجع الطبيب أو المهندس في ما يرتبط بهما من أمور الطب و الهندسة، لانه هو لا يملك خبرات في هذين المجالين.
3- كما أن الإنسان يفضل بحسب فطرته و سجيته و عقله: الأمهر من
[1]- كما في كثير من الموارد العامة: سياسية و اجتماعية و إدارية ... و غيرها.
الأطباء و أصحاب الإختصاصات؛ و لا يراجع غيره إلّا إذا لم يقدر على الإستفادة منه.
و قد أمر اللّه تعالى إرشادا إلى ذلك، فقال:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ[1]... و قال تعالى أيضا مشيرا إلى ان ذلك مرتكز في فطرة الإنسان و سجيته:هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ[2].
4- و من الجهة الثالثة: فان فطرة الإنسان و سجيته، تدفعه إلى أن يهتم بمراجعة من يثق بصدقه و إخلاصه من أهل الإختصاصات ... و كلما كان الأمر أهم، كلما زاد اهتمام الشخص في أن يجد من يجمع أقصى الشروط الملائمة لإنجاح و سلامة العمل الّذي يرمي إليه على النّحو الأكمل و الأفضل ..
5- و إذا كان الشرع و الدين هو أعظم قضيّة يمكن أن تواجه هذا الإنسان؛ لانها تمس كل شؤون حياته الفردية و الإجتماعية، و يتوقف عليها مصيره و مستقبله، ان دنيا، و إن آخرة. و كل خلل يطرأ، أو تجاوز يحصل، فسيؤثر مباشرة على حياة الإنسان و مصيره ..
- إذا كان كذلك- فانه لا بد و أن يسعى هذا الإنسان إلى أن يوفر كل الشروط و الضمانات الّتي تجعله يحصل على أعلى درجات الإطمئنان و الثقة في من يفترض فيه أن يكون قائدا و معلما و مرشدا له في هذا السبيل ... سواء من النّاحية العلمية، أو السلوكية، أو غيرها من النواحي، الّتي لها مساس بالمهمة الّتي يريده لاجلها ...
و ليس ذلك إلّا الرّجل المجتهد العادل، الّذي بنى نفسه من الداخل قبل
[1]- سورة النحل، الآية: 43.
[2]- سورة الزمر، الآية: 9.
الظّاهر، و الّذي يكون ظاهره انعكاسا لباطنه .. الرّجل الذي يملك أعظم المهارات و الكفاءات العلميّة في هذا المجال ... إلى غير ذلك من مواصفات نص عليها الفقهاء في كتبهم المعدة لذلك.
الطب ... و الفقيه:
و هكذا .. و إذا كان الطب هو إحدى تلك المجالات الواسعة الّتي تخضع للاحكام و التشريعات الإسلاميّة بشكل مباشر أحيانا، أو غير مباشر أحيانا أخرى .. فان من الطبيعي أن يرجع الطبيب و المريض، و غيرهما ممن له علاقة في هذا المجال- إلى الكتب الّتي ألّفها الرّجل الأعلم في التّشريع الإسلامي للتعرف على الأحكام الشرعية باستمرار، لأن ذلك يؤثر في أحيان كثيرة على مواقفهم و تصرفاتهم بشكل عام ...
الطب في الإعتبار الشرعي:
لا شك في أن الطب يعتبر وظيفة شرعية، واجبا كفائيا، يعاقب الكل على تركه، و يسقط عنهم بقيام بعضهم به، و يمكن أن يؤيد ذلك ب:
1- ما روي عن الصادق (ع)، قال: لا يستغني أهل كل بلد عن ثلاثة يفزع إليه في أمر دنياهم، و آخرتهم؟ فان عدموا ذلك كانوا همجا: فقيه عالم ورع، و أمير خير مطاع، و طبيب بصير ثقة[1].
2- و ما روي عن أبي عبد اللّه (ع)، قال: كان المسيح (ع) يقول: ان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة، و ذلك أن الجارح أراد فساد المجروح، و التارك لاشفائه لم يشأ صلاحه؛ فإذا لم يشأ صلاحه؛
[1]- تحف العقول ص 238، و البحار ج 78 ص 235، و سفينة البحار ج 2 ص 78.
فقد شاء فساده إضطرارا الخ[1].
هذا كله ... عدا عن أن الإسلام يعتبر المؤمنين اخوة، يجب الإهتمام بأمورهم، و قضاء حاجاتهم، و معونتهم، و أن يعضد بعضهم بعضا، في مواقع الإبتلاء، و ان يفيد المؤمن أخاه، و أن ينفس كربته إلى غير ذلك مما لا يمكن حصره ... و لا يمكن أن تكون الناحية الطبيّة مستثناة من ذلك في أي من الظّروف و الأحوال، إن لم تكن من أجلى مصاديق الكثير من تلك الأوامر المتضافرة و المتواترة ..
أهمية الطب إسلاميا:
و عدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل إلى حد الوجوب الكفائي ...
فانه يكفي للتدليل على الأهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الإسلام، أنه قد اعتبره و علم الأديان- و معهما غيرهما، كما في بعض النصوص- هما العلمان الّلذان ينبغي التوجه إليهما، و العمل في سبيل الحصول عليهما؛ فعن أمير المؤمنين (ع):
العلم علمان: «علم الأديان، و علم الأبدان»[2].
و عنه (ع): العلم ثلاثة: «الفقه للاديان، و الطب للابدان، و النحو للسان»[3]..
[1]- روضة الكافي ص 345، و الفصول المهمة ص 404، و الوسائل ج 2 ص 629 و ج 11 ص 401.
[2]- طب الإمام الصادق( ع) ص 17 و قضاء أمير المؤمنين( ع) للتستري ص 144 و البحار ج 1 ص 220 و ميزان الحكمة ج 6 ص 527.
[3]- تحف العقول ص 144، و طب الإمام الصادق( ع) ص 17 و البحار ج 78 ص 45.
و بلفظ الكراجكي في جواهره: العلوم أربعة: الفقه للأديان: و الطب للأبدان، و النحو للسان، و النّجوم لمعرفة الأزمان[1]...
شمولية الطب و لزوم التداوي:
و قد روي عن النّبي6: «ما أنزل اللّه من داء إلّا أنزل له شفاء»[2].
و عن علي (ع): «لكل علة دواء»[3]و عنه6: «تداووا فان اللّه تعالى لم يخلق داء إلّا خلق له شفاء، إلّا السام. و السام: الموت»[4].
و في لفظ آخر عنه6: «ان اللّه تعالى لم ينزل داء إلّا أنزل له دواء علمه من علمه، و جهله من جهله إلّا السام» الخ[5].
و عن الصادق (ع): «أن نبيا من الأنبياء مرض، فقال: لا اتداوى، حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني. أوحى اللّه تعالى إليه: لا أشفيك حتى تتداوى، فان الشفاء مني»[6].
رسالية الطب:
و عدا عن كون الطب مسؤولية دينيّة؛ فانه أيضا ضرورة إجتماعية إنسانية، و رسالة أخلاقية، و مسؤولية عقلية .. ف:
1- هو ضرورة إنسانية إجتماعية؛ حيث يفترض في الإنسان أن يساهم
[1]- طب الإمام الصادق ص 17 و كنز الفوائد للكراجكي ص 240 و البحار ج 2 ص 218.
[2]- البحار ج 62 ص 68 و عنه في ميزان الحكمة ج 3 ص 362.
[3]- غرر الحكم ج 2 و ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه.
[4]- ميزان الحكمة ج 3 ص 363 عن كنز العمال الحديث رقم 28090.
[5]- ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عن كنز العمال الحديث رقم 28079.
[6]- البحار ج 62 ص 66 عن مكارم الأخلاق و ميزان الحكمة ج 3 ص 362 عنه.
في دفع المسيرة الإنسانية نحو تحقيق أهدافها و تطلعاتها، و آمالها بالسعادة و الهناء، و بالوصول إلى أعلى مراتب الكمال الإنساني المنشود، حيث تختفي كل عوامل و مظاهر الشقاء، و التعب و العناء ...
2- و هو مسؤولية عقلية؛ حيث لا بد منه لاجل بقاء النّوع الإنساني، و للتخفيف من شقاء و بلاء و آلام هذا الإنسان ...
3- و هو بالتالي رسالة أخلاقية .. لا مجال للمراء أو التشكيك فيها، حيث تعبر عن سمو و كمال نفسي يرضي النفوس و يطمئنها و يريحها .. و لاجل ذلك لا نجد أحدا يعذر الطبيب الّذي يمتنع عن معالجة مريضه- إذا كان يقدر على ذلك إذا تعلل بعدم أو بقلة ما يبذل له من مال، و نجد النّاس كلهم يعتبرون ذلك الطبيب فاقدا للأخلاق النبيلة و الفاضلة ...
الطب و التجارة:
و هكذا يتضح: أن الطب بنظر الإسلام ليس حرفة يهدف منها إلى جمع المال، و الحصول على حطام الدنيا و إنّما هو رسالة إنسانية و مسؤولية شرعية بالدرجة الأولى ...
لان الحرفة الّتي يهدف صاحبها إلى أن يستخدمها في الحصول على المال ... تجعل لصاحبها الخيار في أن يتعامل مع هذا أو مع ذاك، إذا وجد أن تعامله هذا يدر عليه نفعا يرضيه ... و أن لا يتعامل معه إذا شاء، حينما لا يجد في تعامله ذلك ما يرضي جشعه، و يشبع جوعه و نهمه ...
و ليس ذلك للطبيب قطعا؛ فان التّارك لشفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة كما تقدم ..
و لا يملك ان يتساهل أو ان يتعلل، إنتظارا للاجرة أو لزيادتها، أو لأي
سبب آخر .. كما أنه لا يجوز له أن يتساهل أو أن يتوانى في معالجته له .. كما سنرى إن شاء اللّه تعالى ...
الإجرة للطبيب:
و لكن ما قدمناه لا يعني: أن لا يأخذ الطبيب أجرا أصلا، فان ذلك معناه أن يكون كثير من الأطباء عالة على الآخرين، كما أن ذلك يستدعي عدم إقبال النّاس على تعلم هذا العلم، و إتقانه، فضلا عن النبوغ و الإبداع فيه، و هو بالتالي يحرم الإنسانية من عنصر هام، بل هو من أهم عناصر راحتها و سعادتها، بل و تقدمها في مختلف مدارج الكمال، و العظمة و المجد.
و لأجل ذلك نجد: ان الإمام العسكري (ع) يعطي الطبيب الّذي فصده تخت ثياب، و خمسين دينارا[1].
و أعطاه أيضا في مرة أخرى- على الظاهر- ثلاثة دنانير، و كان الطبيب نصرانيا[2].
و في رواية عن علي (ع): ما دون السمحاق[3]أجر الطبيب[4].
و عن إبن عباس: أن النّبي6: احتجم و أعطى الحجام أجره[5].
و الروايات الدالة على جواز أخذ الحجام للاجرة كثيرة جدا، و هي موجودة في
[1]- الوسائل ج 12 ص 75 عن الخرائج و الجرائح.
[2]- الوسائل ج 12 ص 74 و في هامشه عن الخرائج و الجرائح ص 213 و عن اصول الكافي ص 285.
[3]- السمحاق: قشرة رقيقة فوق عظم الرأس.
[4]- التهذيب للطوسي ج 10 ص 293 ح 18 و الوسائل ج 19 ص 294 و 304 و الفائق ج 4 ص 67 عن الشعبي، و عبر ب« الموضحة» بدل: السمحاق.
[5]- الموطأ مع تنوير الحوالك ج 3 ص 141 و الطب النبوي لإبن القيم ص 41 و في هامشه عن الترمذي، و أبي داوود، و إبن ماجة، و المصنف لعبد الرزاق ج 11 ص 30 و في هامشه عن البخاري كتاب الإجارة 4/ 308 و عن مسلم أيضا.