الخدري قال: لما نصب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم علياً يوم الغدير فنادى له بالولاية، هبط جبرئيل بهذه الآية:«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ».
وقال أيضاً: وأخرج إبن مردويه والخطيب وإبن عساكر عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم وهو يوم ثماني عشر ذي الحجة، قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «مًن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه» فأنزل اللَّه:«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ».
ونقل السيد السعيد رحمه الله مثل ذلك عن أبي جرير والطبري وإبن عقدة فيما جمعاه من طرق حديث الغدير، وعن الثعلبي وإبن المغازلي والحافظ محمد الجزري الشافعي في رسالته المسمّاة ب «أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب» فظهر أن الذي ذكره المصنف رحمه الله من روايات القوم وهي كثيرة متعاضدة، فهي
حجة عليهم.
إن قوله تعالى:«وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي»أدلُ دليل على نصب إمام، حيث أنه أعظم النعم على الأمة وبدونه لن تتم النعمة، وكذا إكمال الدين فإنه إنما يحصل بنصب الإمام بناءً على أن الإمامة من أصول الدين كما نقوله وسبق دليله، وبالضرورة والإجماع إنْ كان ثَمَّةَ إمام منصوب فهو أمير المؤمنين عليه السلام.
أما قول الفضل الناصبي: إنه أراد تعريف عليٌ بين العرب، فإن علياً عليه السلام أغنى الناس عن التعريف شخصاً وشأناً، فإن كان هناك تعريف فليس له إلّا بالإمامة ولا أعرف وجهاً للتخصيص في بني هاشم في قوله:
(وليتخذوه سيّد بني هاشم) إلّادفع سيادة أمير المؤمنين لخلفائهم خلافاً لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم إذ يقول: مَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه، فإن المولى هو السيد الأولى بالتصرّف
بالمولى عليه من نفسه، كما يشهد بذلك إقرار إمامه عمر، إذ قال لعلي عليه السلام «بَخٍ بَخٍ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمنٍ ومؤمنة، وفي رواية: قال له الشيخان ذلك.
قال العلامة في «الألفين»(355)
الإمام ركنٌ من أركان الدين، لأن قوله مبدأ من المبادىء، وهو الحافظ للشرع والعامل به والذي يلزم العمل به، فإذا كان معصوماً كان الدين كاملًا، وإن لم يكن معصوماً لم يكن الدين كاملًا، لكن قال اللَّه تعالى:
«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»فدلّ على ثبوت إمامٍ معصوم بالضرورة.
وقال إبن البطريق في «الخصائص»(ص 45)
إذا كان دين الأمة لم يكمل إلّا بولايته ونعمة اللَّه تعالى لا تتمّ على خلقه إلّا بها، ولا يرضى اللَّه تعالى الإسلام ديناً لخلقه إلّا بها، فقد تضيّق وجوبها على كافة أهل
الإسلام تضييقاً عليه إجماع المسلمين، وقامت كلّ طاعة للَّهتعالى إذا لو كان المسلم عليها ولم يأت بولايته (صلى اللَّه عليه)، لم يرض اللَّه تعالى إسلامه ديناً ولم يكمل دينه عند اللَّه تعالى، ومع عدم إكمال دين الإنسان وعدم رضى إسلامه عند اللَّه تعالى، لم يتمّ اللَّه تعالى نعمته عليه، ومن لم يُعن بهذه الأمور فقد خسرت صفقته وظهرت خيبته.
وقال العلامة البياضي في «الصراط المستقيم»(1/ 78):
«الأمة بعد النبي إما أن تحتاج إلى الإمام، فيجب في حكمة اللَّه نصبه وقد فعل، كما وجب فيها نصب النبي، أو لا تحتاج، فالإختيار عَبَث وتصرّف بغير مالك الأمر.
وإيضاً فالإمامة إن لم تكن من الدين، فليس لأحدٍ أن يدخل في الدين ما ليس منه، وإن كانت منه، فإن كان اللَّه
سكت عنها، كان مُخلًّا بالواجب وهو قبيح ونقص، وإن فعلها بطل الإختيار، وقد فعلها يوم نصب النبي علياً علماً، فأنزل اللَّه سبحانه:«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ»فإن بقي بعد ذلك من الدين كان اللَّه تعالى كاذباً، تعالى اللَّه عن ذلك، وإن لم يبق لزم المطلوب.