جعلته متصلا بكتاب: الكشف عن وجوه القراءات[1]فيه تتم فائدة كتاب الكشف، وأفردته لمن يرغب في نسخه على انفراده دون كتاب الكشف.
فهو كتاب قائم بنفسه في معناه، والله المستعان على ذلك كله، وهو حسبي، ونعم الوكيل.
[1]انظر التعريف بكتاب الكشف في المقدمة.
باب: القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة
القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة وصلتها بالحديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف
مدخل
...
باب: القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة
"القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة، وصلتها بالحديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف":
فإن سأل سائل، فقال:
هل القراءات التي يقرأ بها الناس اليوم، وتنسب إلى الأئمة السبعة، كنافع[1]، وعاصم[2]، وأبي عمرو[3]، وشبههم[4]هي السبعة، التي أباح النبي "صلى الله عليه وسلم"
[1]هو نافع بن عبد الرحمن، أبي نعيم المدني أحد القراء السبعة والأعلام، ثقة صالح أخذ القراءة عرضا عن جماعة من تابعي أهل المدينة. وأقرأ الناس نيفا عن سبعين سنة، وانتهت إليه رياسة القراءة بالمدينة. مات سنة تسع وستين ومائة.
"طبقات القراء: 2: 330".
[2]هو عاصم بن بهدلة أبي النجود "بفتح النون وضم الجيم" أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي، شيخ الإقراء بالكوفة وأحد القراء السبعة، وأبو النجود اسم أبيه، لا يعرف له اسم غير ذلك. وبهدلة اسم أمه. جمع بين الفصاحة والإتقان والتحرير والتجويد، وكان أحسن الناس صوتا بالقرآن، توفي سنة سبع وعشرين ومائة "طبقات القراء: 1/ 346".
[3]هو أبو عمرو زبان بن العلاء التميمي المازني البصري، أحد القراء السبعة ولد سنة ثمان وستين، وتوجه مع أبيه لما هرب من الحجاج، فقرأ بمكة والمدينة وقرأ أيضا بالكوفة، والبصرة على جماعة كثيرة، فليس في القراء السبعة أكثر شيوخا منه، ومات سنة أربع وخسمين ومائة. "طبقات القراء: 1-288".
[4]من القراء السبعة: حمزة، والكسائي، وابن كثير، وعبد الله بن عامر.
القراءة بها، وقال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف، فاقرءوا بما شئتم"؟ أو هي بعضها؟ أو هي واحدة؟.
فالجواب عن ذلك:
إن هذه القراءات كلها التي يقرأ بها الناس اليوم، وصحت روايتها عن الأئمة، إنما هي جزء من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، ووافق اللفظ بها خط المصحف، مصحف عثمان[1]الذي أجمع الصحابة فمن بعدهم عليه، واطرح ما سواه مما يخالف خطه[2]، فقرئ بذلك لموافقة الخط لا يخرج شيء[3]منها عن خط المصاحب التي نسخها عثمان "رضي الله عنه"، وبعث بها إلى الأمصار[4]، وجمع المسلمين عليها، ومنع من القراءة بما خالف خطها، وساعده على ذلك زهاء[5]اثنى عشر ألفا من الصحابة والتابعين، واتبعه على ذلك جماعة من المسلمين بعده. وصارت القراءة عند جميع العلماء بما يخالفه بدعة وخطأ، وإن صحت ورويت.
[1]هو، عثمان بن عفان رابع الخلفاء الراشدين.
[2]يريد خط المصحف.
[3]في الهامش: شيئًا.
[4]مكة، والمدينة، والبصرة، والكوفة، والشام.
[5]زهاء اثنى عشر ألفا. قدر اثنى عشر ألفا.
"ما يقرأ به الأئمة حرف واحد من الأحرف السبعة":
وإذا كان المصحف، بلا اختلاف كتب على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، على لغة واحدة، والقراءة التي يقرأ بها لا يخرج شيء منها عن خط المصحف، فليست هي إذا هي السبعة الأحرف، التي نزل بها القرآن كلها.
ولو كانت هي السبعة كلها، وهي موافقة للمصحف لكان المصحف قد/2 ي كتب على سبع قراءات، ولكان عثمان "رضي الله عنه"، قد أبقى الالختلاف الذي كرهه، وإنما جمع الناس على المصحف، ليزول الاختلاف.
فصح من ذلك أن الذي يقرأ به الأئمة، وكل ما صحت روايته مما يوافق خط المصحف، إنما هو كله حرف من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن، وافق لفظها، على اختلافه، خط المصحف، وجازت القراءة بذلك، إذ هو غير خارج عن
خط المصاحف التي وجه بها عثمان إلى الأمصار، وجمعهم على ذلك.
وسقط العمل بما يخالف خط المصحف من الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن بالإجماع على خط المصحف.
فالصحف كتب على حرف واحد، وخطه محتمل لأكثر من حرف. إذ لم يكن منقوطا، ولا مضبوطا. فذلك الاحتمال الذي احتمل الخط هو من الستة الأحرف الباقية، إذ لا يخلو أن يكون ما اختلف فيه من لفظ الحروف، التي تخالف الخط:
إما هي مما أراد عثمان، أو مما لم يرده إذ كتب المصحف.
فلا بد أن يكون، إنما أراد لفظا واحدا أو حرفا واحدا، لكنا لا نعلم ذلك بعينه، فجاز لنا أن نقرأ بما صحت روايته، مما يحتمله ذلك الخط لنتحرى مراد عثمان "رضي الله عنه"، ومن تبعه من الصحابة وغيرهم.
ولا شك أن ما زاد على لفظ واحد في كل حرف اختلف فيه، ليس مما أراد عثمان. فالزيادة لاد أن تكون من الأحرف السبعة، التي نزل بها القرآن. فإن لم تكن كذلك، وقد صح أن عثمان لم يردها كلها إذ كتب المصحف، إنما أراد حرفا
واحدا، فهي إذا خارجة عن مراد عثمان، وعن السبعة الأحرف.
والقراءة بما كان هكذا خطأ عظيم، فمن قرأ القرآن بما ليس من الأحرف السبعة، وبما لم يرد عثمان منها، ولا من تبعه إذ كتب المصحف فقد غير كتاب الله وبدله، ومن قصد إلى ذلك فقد غلط.
وقد أجمع المسلمون على قبول هذه القراءات، التي لا تخالف المصحف.
ولو تركنا القراءة بما زاد على وجه واحد من الحروف، لكان لقائل أن يقول:
لعل الذي تركت هو الذي أراد عثمان، فلا بد أن يكون ذلك من السبعة الأحرف، التي نزل بها القرآن على ما قلنا.
"ليست قراءة كل قارئ من القراء السبعة، هي أحد الحروف السبعة":
فأما من ظن أن قراءة كل واحد من هؤلاء القراء، كنافع وعاصم وأبى عمرو[1]، أحد الحروف السبعة التي نص النبي "صلى الله عليه وسلم" عليها، فذلك منه غلط عظيم؛ لأن فيه إبطالا أن يكون ترك العمل بشيء من الأحرف السبعة، وأن يكون عثمان ما أفاد فائدة. بما صنع من حمل الناس على، /[2]ش مصحف واحد وحرف واحد. ويجب منه أن يكون ما لم يقرأ به هؤلاء السبعة متروكا، إذ قد استولوا على السبعة الأحرف عنده، فما خرج عن قراءتهم فليس من السبعة عنده.
ويجب من هذا القول: أن نترك القراءة بما روى عن أئمة هؤلاء السبعة من التابعين والصحابة مما يوافق خط المصحف، مما لم يقرأ به هؤلاء السبعة.
ويجب منه ألا تروى قراءة عن ثامن فما فوقه؛ لأن هؤلاء السبعة عند[2]معتقد هذا القول، قد أحاطت قراءتهم بالأحرف السبعة. وقد ذكر الناس من الأئمة في كتبهم أكثر من سبعين
[1]سبقت الترجمة لهم.
[2]في الأصل "عن" وما أثبته هو ما يقتضيه السياق.
ممن هو أعلى رتبة، وأجل قدرا من هؤلاء السبعة.
على أنه قد ترك جماعة من العلماء في كتبهم في القراءات ذكر بعض هؤلاء السبعة واطرحهم:-
قد ترك أبو حاتم[1]وغيره ذكر حمزة[2]، والكسائي[3]وابن عامر[4]، وزاد نحو عشرين رجلا من الأئمة ممن هو فوق هؤلاء السبعة.
[1]هو أبو حاتم السجستاني، سهل بن محمد عثمان إمام البصرة في النحو والراءة واللغة والعروض، عرض على يعقوب الحضرمي، وروي عن الأصمعي، وسعيد بن أوس، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين "طبقات القراء: 1-320".
[2]هو حمزة بن حبيب الكوفي التميمي، مولاهم الزيات أحد القراء السبعة ولد سنة ثمانين، وكان شيخه الأعمش إذا رآه مقبلا يقول: هذا حبر القرآن توفي سنة ست وخمسين ومائة "طبقات القراء: 1-62".
[3]هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، مولاهم وهو من أولاد الفرس من سواد العراق، أبو الحسن الكسائي، الإمام الذي انتهت غليه رياسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات، أخذ القراءة عرضا عن حمزة وعليه اعتماده، وعن محمد بن أبي ليلى، وأبي بكر بن عياش، توفي سنة تسع وثمانين ومائة "طبقات القراء 1-535".
[4]هو عبد الله بن عامر اليحصبي، إمام أهل الشام في القراءة، وإليه انتهت مشيخة الإقراء بها، أخذ القراءة عرضا عن أبي الدرداء، وقيل عرض على عثمان نفسه. ولد سنة ثمان من الهجرة، وتوفي بدمشق يوم عاشوراء سنة ثمان وعشرين ومائة. "طبقات القراء: 2-106".